من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
أرميّة (٢)
بلدة كبيرة من بلاد آذربيجان، كثيرة الخيرات وافرة الغلّات. بقربها بحيرة تعرف ببحيرة أرميّة، وإنّها كريهة الرائحة لا نبات عليها ولا سمك فيها.
استدارتها خمسون فرسخا، مادتها من أودية من جبال تلك البلاد، وفي وسط البحيرة جزيرة، وعلى تلك الجزيرة قلعة حصينة، وحواليها قرى ورساتيق ومزارع. وفي أكثر الأوقات كان صاحب تلك القلعة عاصيا على ولاة آذربيجان، إذ لا سبيل إليها قهرا. ويخرج من هذه البحيرة ملح بحلو شبه التوتيا، وعلى ساحلها ممّا يلي الشرق عيون ينبع ماؤها ويستحجر إذا أصابها الهواء، وفيها حيوان يقال له كلب الماء.
وينسب إليها الشيخ أبو أحمد الملقّب بتاج الدين الأرموي، كان عديم المثل
في زمانه بالأصول والفقه والحكمة والأدب، ذا عبارة فصيحة وتقرير حسن وطبع لطيف وكلام ظريف. كان الاجتماع به سببا للذّات النفس من كثرة حكاياته الطيّبة والأمثال اللطيفة، والتشبيهات الغريبة والمبالغات العجيبة. وكثيرا ما كان يقول: ان دفع التتر عن هذه البلاد لكثرة صدقات الخليفة المستنصر باللّه فإن الصدقة تدفع البلاء، ولولا ذلك لكان من دفع العساكر الخوارزمشاهية كيف يقف له عسكر العراق؟ وكان الأمر كما قال. فلمّا مضى المستنصر وقلّت الصدقة جاؤوا وظفروا.
وحكي أن الشيخ دخل يوما على ابن الوزير القمّي، وكان ابن الوزير دقيق النظر كثير المآخذ، قال للشيخ: أراك تقتني المماليك المرد وليس هذا طريقة المشايخ! قال الشيخ: لا. قعودي بين يديك من طريقة المشايخ، وإنّما هذا لذلك لولا ميلي إلى شيء من زينة الدنيا ما قعدت بين يديك.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع