تجاوز إلى المحتوى

من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)

(٢) المبحث الثاني: في الإطناب وأقسامه

الإطناب: زيادة اللفظ على المعنى لفائدة، أو هو تأدية المعنى بعبارة زائدة عن متعارف أوساط البلغاء لفائدة تقويته وتوكيده، نحو: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ؛ أي: كبرتُ.

فإذا لم تكن في الزيادة فائدة يُسمى «تطويلًا» إن كانت الزيادة في الكلام غير متعينة.

ويُسمى «حشوًا» إن كانت الزيادة في الكلام متعينة لا يفسد بها المعنى.

فالتطويل كقول عدي العبادي في جذيمة الأبرش:

وقدَّدت الأديم لراهشَيْهِوأَلْفَى قولَها كذبًا ومَيْنا

فالمَيْن والكذب بمعنًى واحد، ولم يتعين الزائد منهما؛ لأنَّ العطف بالواو لا يفيد ترتيبًا ولا تعقيبًا ولا معية، فلا يتغير المعنى بإسقاط أيهما شئت.

والحشو كقول زهير بن أبي سلمى:

وأعلم علم اليوم والأمس قبلهولكنني عن علم ما في غد عمي
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

وكل من الحشو والتطويل معيب في البيان، وكلاهما بمعزل عن مراتب البلاغة.

واعلم أن دواعي الإطناب كثيرة: منها تثبيت المعنى، وتوضيح المراد والتوكيد، ودفع الإيهام، وإثارة الحمية؛ وغير ذلك.

(١) منها: ذكر الخاص بعد العام، كقوله تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ، وفائدته التنبيه على مزية وفضل في الخاص، حتى كأنه لفضله ورفعته جزء آخر مغاير لما قبله؛ ولهذا خص الصلاة الوسطى «وهي العصر» بالذكر لزيادة فضلها.

(٢) وفائدته شمول بقية الأفراد، والاهتمام بالخاص لذكره ثانيًا في عنوان عام، بعد ذكره أولًا في عنوان خاص.

(٣) ومنها: الإيضاح بعد الإيهام؛ لتقرير المعنى في ذهن السامع بذكره مرتين، مرة على سبيل الإيهام والإجمال، ومرة على سبيل التفصيل والإيضاح، فيزيده ذلك نبلًا وشرفًا، كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وكقوله تعالى: وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ . فقوله: أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ تفسير وتوضيح ل «ذلك الأمر» المبهم، وفائدته توجيه الذهن إلى معرفته، وتفخيم شأن المبين، وتمكينه في النفس، فأبهمَ في كلمة «الأمر» ثم وضحه بعد ذلك؛ تهويلًا لأمر العذاب.

(٤) ومنها: التوشيع، وهو أن يؤتى في آخر الكلام بمثنًّى مفسر بمفردين؛ ليرى المعنى في صورتين، تخرج فيهما من الخفاء المستوحش إلى الظهور المأنوس، نحو: «العلم علمان: علم الأبدان، وعلم الأديان».

الأول: التأكيد وتقرير المعنى في النفس، كقوله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ، وكقوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا .

الثاني: طول الفصل؛ لئلا يجيء مبتورًا ليس له طلاوة، كقوله تعالى: يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ فكرر «رأيت» لطول الفصل. ومن هذا قول الشاعر: وإن امرأ دامت مواثيق عهده على مثل هذا إنه لكريم

الثالث: قصد الاستيعاب، نحو: قرأت الكتاب بابًا بابًا، وفهمته كلمة كلمة.

الرابع: زيادة الترغيب في العفو، كقوله تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ .

الخامس: الترغيب في قبول النصح باستمالة المخاطب لقبول الخطاب، كقوله: وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ .

تكرير «يا قوم» تعطيف لقلوبهم؛ حتى لا يشكُّوا في إخلاصه لهم في نصحه.

السادس: التنويه بشأن المخاطب، نحو: إن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إبراهيم.

السابع: الترديد، وهو تكرار اللفظ متعلقًا بغير ما تعلق به أولًا، نحو:

السخيُّ قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة.

البخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة.

الثامن: التلذذ بذكره، نحو قول مروان بن أبي حفصة: سقى الله نجدًا والسلام على نجد ويا حبذا نجد على القرب والبعد

التاسع: الإرشاد إلى الطريقة المثلى، كقوله تعالى: أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى .

(أ)

كالدعاء، نحو: إني «حفظك الله» مريض.

وكقول عوف بن محلم الشيباني:

إن الثمانين وبُلغتهاقد أحوجت سمعي إلى ترجمان
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «يا خير من ينبي على جوده»

(ب)

والتنبيه على فضيلة العلم، كقول الآخر:

واعلم فعلم المرء ينفعهأن سوف يأتي كل ما قُدِّرا

(جـ) والتنزيه، كقوله: وَيَجْعَلُونَ لِلهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ .

(د) وزيادة التأكيد، كقوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ .

(هـ)

والاستعطاف، كقول الشاعر:

وخفوق قلب لو رأيت لهيبهيا جنتي لرأيت فيه جهنما

(٧) ومنها: الإيغال، وهو ختم الكلام بما يفيد نكتة، يتم المعنى بدونها، كالمبالغة في قول الخنساء:

وإن صخرًا لتأتم الهداة بهكأنه علم في رأسه نار
للشاعر الخنساء، من قصيدة «قذى بعينك أم بالعين عوار»

(٨) والتذييل «قسمان»: قسم يستقل بمعناه؛ لجريانه مجرى المثل، وقسم لا يستقل بمعناه؛ لعدم جريانه مجرى المثل.

فالأول: الجاري مجرى الأمثال؛ لاستقلال معناه، واستغنائه عما قبله، كقول طَرَفة: كل خليل قد كنت خاللته لا ترك الله له واضحَهْ كلكم أروغ من ثعلب ما أشبه الليلة بالبارحَةْ

والثاني: غير الجاري مجرى الأمثال؛ لعدم استغنائه عما قبله، ولعدم استقلاله بإفادة المعنى، كقول النابغة:

لم يُبْقِ جودُك لي شيئًا أؤمِّلهتركتني أصحب الدنيا بلا أمل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «قالت وفي صدر نار القلب منزلها»

فالشطر الثاني مؤكد للأول، وليس مستقلًّا عنه، فلم يجرِ مجرى المثل.

(٩) ومنها: الاحتراس، ويقال له: التكميل، وهو أن يُؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفع ذلك الوهم.

فالاحتراس يوجد حيثما يأتي المتكلم بمعنًى يمكن أن يدخل عليه فيه لوم، فيفطن لذلك، ويأتي بما يخلصه، سواء أوقع الاحتراس في وسط الكلام، كقول طرفة بن العبد:

فسقى ديارَك غير مفسدهاصوبُ الربيع وديمةٌ تهمي
للشاعر المرقش الأصغر، من قصيدة «فسقى ديارك غير مفسدها»

فقوله: «غير مفسدها» للاحتراس.

وكقول أعرابية لرجل: «أذل الله كل عدو لك إلا نفسك.»

(١٠) ومنها: التتميم، وهو زيادة فضلة، كمفعول أو حال أو تمييز أو جار ومجرور، توجد في المعنى حُسنًا بحيث لو حذفت صار الكلام مبتذلًا، كقول ابن المعتز يصف فرسًا:

صببنا عليها «ظالمين» سياطنافطارت بها أيدٍ سراعٌ وأرجلُ
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أهاجك أم لا بالدويرة منزل»

إذ لو حذف «ظالمين» لكان الكلام مبتذلًا، لا رقة فيه ولا طلاوة، وتوهم أنها بليدة تستحق الضرب.

ويستحسن الإطناب في الصلح بين العشائر، والمدح، والثناء، والذم، والهجاء، والوعظ، والإرشاد، والخطابة في أمر من الأمور العامة، والتهنئة، ومنشورات الحكومة إلى الأمة، وكتب الولاة إلى الملوك لإخبارهم بما يحدث لديهم من مهام الأمور.

وهناك أنواع أخرى من الإطناب، كما تقول في الشيء المستبعد: «رأيته بعيني وسمعته بأذني وذقته بفمي» تقول ذلك لتأكيد المعنى وتقريره.

وكقوله تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ السقف لا يخر طبعًا إلا من فوق، ولكنه دل بقولهم: «من فوقهم» على الإحاطة والشمول.

واعلم أن الإطناب أرجح عند بعضهم من الإيجاز، وحجته في ذلك أن المنطق إنما هو البيان، والبيان لا يكون إلا بالإشباع، والإشباع لا يقع إلا بالإقناع، وأفضل الكلام أبينه، وأبينه أشده إحاطة بالمعاني، ولا يُحاط بالمعاني إحاطة تامة إلا بالاستقصاء والإطناب.

والمختار أن الحاجة إلى كل من الإطناب والإيجاز ماسة، وكل موضع لا يسد أحدهما مكان الآخر فيه، وللذوق السليم القول الفصل في موطن كل منهما.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من في الإيجاز والإطناب والمساواة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.