من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
(١) المبحث الأول: في الإيجاز وأقسامه
وكقوله تعالى: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ، وكقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات.»
فإذا لم تفِ العبارة بالغرض سُمي «إخلالًا وحذفًا رديئًا» كقول اليشكري:
والعيش خير في ظلال النَّوْك ممن عاش كدَّا
مراده: أن العيش الناعم الرَّغد في حال الحمق والجهل خير من العيش الشاق في حال العقل، لكن كلامه لا يعد صحيحًا مقبولًا.
ف «إيجاز القصر» (ويُسمى إيجاز البلاغة) يكون بتضمين المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة من غير حذف، كقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ .
فالقصاص: هو سبب ابتعاد الناس عن القتل، فهو الحافظ للحياة.
وهذا القسم مطمح نظر البلغاء، وبه تتفاوت أقدارهم، حتى إن بعضهم سُئل عن «البلاغة» فقال: هي «إيجاز القصر».
وقال أكثم بن صيفي خطيب العرب: «البلاغة الإيجاز.»
و«إيجار الحذف» يكون بحذف شيء من العبارة لا يخِلُّ بالفهم، عند وجود ما يدل على المحذوف من قرينة لفظية أو معنوية.
(١) حرفًا، كقوله تعالى: وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا أصله: ولم أكن.
(٢) أو اسمًا مضافًا، نحو: وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ أي: في سبيل الله.
(٣) أو اسمًا مضافًا إليه، نحو: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ أي: بعشر ليالٍ.
(٤) أو اسمًا موصوفًا، كقوله تعالى: وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا ؛ أي: عملًا صالحًا.
(٥) أو اسمًا صفة، نحو: فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ ؛ أي: مضافًا إلى رجسهم.
(٦) أو شرطًا، نحو: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ؛ أي: فإن تتبعوني.
(٧) أو جواب شرط، نحو: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ؛ أي: لرأيت أمرًا فظيعًا.
(٨) أو مسندًا، نحو: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ ؛ أي: خلقهن الله.
(٩) أو مسندًا إليه، كما في قول حاتم:
أماويُّ ما يغني الثراء عن الفتىإذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر
أي: إذا حشرجت النفس يومًا.
(١٠) أو متعلقًا، نحو: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ؛ أي: عما يفعلون.
(١١) أو جملة، نحو: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ ؛ أي: فاختلفوا فبعث.
(١٢) أو جملًا، كقوله تعالى: فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أي: فأرسلوني إلى يوسف لأستعبره الرؤيا، فأرسلوه فأتاه، وقال له: يوسف أيها الصديق.
واعلم أن دواعي الإيجاز كثيرة: منها الاختصار، وتسهيل الحفظ، وتقريب الفهم، وضيق المقام، وإخفاء الأمر على غير السامع، والضجر والسآمة، وتحصيل المعنى الكثير باللفظ اليسير … إلخ.
ويستحسن «الإيجاز» في الاستعطاف، وشكوى الحال، والاعتذارات والتعزية، والعتاب، والوعد، والوعيد، والتوبيخ، ورسائل طلب الخراج، وجباية الأموال، ورسائل الملوك في أوقات الحرب إلى الولاة، والأوامر والنواهي الملكية، والشكر على النعم.
ومرجعك في إدراك أسرار البلاغة إلى الذوق الأدبي، والإحساس الروحي.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع