من «أخبار الصين والهند» لأبي زيد السيرافي (ت بعد ٣٣٠هـ)
بحر هركند
تصوّر فني حديثوالبحر الثالث بحر هركند وبينه وبين بحر دلاروى جزائر كثيرة يقال أنها ألف وتسعمائة جزيرة، وهى فرق ما بين هذين البحرين دلاروى وهركند.
وهذه الجزائر تملكها امرأة ويقع في هذه الجزائر عنبر عظيم القدر، فتقع القطعة مثل البيت ونحوه، وهذا العنبر ينبت في قعر البحر نباتا، فإذا اشتد هيجان البحر قذفه من قعره مثل الفطر والكمأة.
وهذه الجزائر التي تملكها المرأة، عامرة بنخل النارجيل وبعد
ما بين الجزيرة والجزيرة فرسخان وثلاثة وأربعة، وكلها عامرة بالناس والنارجيل، وما لهم الودع وهذه الملكة تذخّر الودع في خزائنها، ويقال أن أهل هذه الجزيرة لا يكون أصنع منهم، حتى انهم يعملون القميص مفروغا منه نسجا بالكمين والدخريصين والجيب، ويبنون السفن والبيوت، ويعملون سائر الأعمال على هذا النسق من الصنعة، والودع يأتيهم على وجه الماء، وفيه روح فتوخذ سعفه من سعف النارجيل فتطرح على وجه الماء فيتعلق فيها الودع وهم يدعونه الكبتح.
وآخر هذه الجزائر سرنديب»
في بحر هركند، وهى رأس هذه الجزائر كلها، وهم يدعونها الدبيجات وبسرنديب منها مغاص اللؤلؤ بحرها كله حولها.
وفي أرضها جبل يدعى الرهون وعليه هبط آدم ﵇، وقدمه في صفا رأس هذا الجبل منغمسة في الحجر: في رأس هذا الجبل قدم واحدة.
ويقال انه ﵇ خطا خطوة أخرى في البحر، ويقال: إن هذه القدم التى على رأس الجبل نحو من سبعين ذراعا وحول هذا الجبل معدن جوهر الياقوت الأحمر والأصفر والاسمانجوني.
وفي هذه الجزيرة ملكان، وهى جزيرة عظيمة عريضة فيها العود، والذهب، والجوهر، وفي بحرها اللؤلؤ، والشنك وهو هنا
(البوق) الذي ينفخ فيه ممّا يدخرونه.
وفي هذا البحر اذا ركب الى سرنديب جزائر ليست بالكثيرة، غير انها واسعة لا تضبط، منها: جزيرة يقال لها الرامني فيها عدة ملوك، وسعتها يقال ثمانمائة أو تسعمائة فرسخا، وفيها معادن الذهب، وفيها معادن تدعى فنصور يكون الكافور الجيّد منها.
ولهذه الجزائر جزائر تليها منها:
جزيرة يقال لها النيان لهم ذهب كثير واكلهم النارجيل، وبه يتأدمون ويدهنون، واذا أراد أحد منهم أن يتزوج لم يزوج إلّا بقحف رأس رجل من أعدائهم، فإذا قتل اثنين زوج اثنتين، وكذلك ان قتل خمسين زوج خمسين امراة بخمسين قحفا، وسبب ذلك أن أعدائهم كثير، فمن أقدم على القتل أكثر كان رغبتهم فيه أوفر.
وفي هذه الجزائر أعنى الرامنى فيلة كثيرة، وفيها البقم
والخيزران.
وفيها: قوم يأكلون الناس، وهى تشرع على بحرين هركند وشلاهط.
وبعد هذا جزائر تدعى لنجبالوس، وفيها خلق كثير عراة الرجال منهم والنساء، غير أن على عورة المرأة ورقا من ورق الشجر، فاذا مرّت بهم المراكب جاءوا إليها بالقوارب الصّغار والكبار وبايعوا أهلها العنبر والنارجيل بالحديد وما يحتاجون إليه من كسوة لأنه لا حرّ عندهم ولا برد.
ومن وراء هؤلاء جزيرتان بينهما بحر يقال لهما اندامان وأهلهما يأكلون الناس أحياء، وهم سود مفلفلوا الشعور مناكير الوجوه والأعين، طوال الأرجل، فرج أحدهم مثل الذراع [يعني
ذكره] عراة ليست لهم قوارب، ولو كانت لهم لأكلوا كل من مرّ بهم، وربما أبطأت المراكب في البحر وتأخر بهم المسير بسبب الريح فينفذ ما في المراكب من الماء فيقربون إلى هؤلاء فيستقون الماء، وربما أصابوا منهم ويفلتون أكثر.
وبعد هذه الجزيرة جبال ليست على الطريق، يقال: ان فيها معادن فضة وليست بمسكونة، وليس كل مركب يريدها يصيبها، وإنما دلّ عليها جبل منها يقال له الخشناميّ، مرّ به مركب فرأوا الجبل فقصدوا له فلما اصبحوا انحدروا إليه في قارب ليحتطبوا وأوقدوا نارا فانسبكت الفضة فعلموا انه معدن فاحتملوا ما أرادوا منه، فلما ركبوا اشتدّ عليهم البحر فرموا بجميع ما أخذوا منه، ثم تجهّز الناس بعد ذلك الى هذا الجبل فلم يعرفوه.
ومثل هذا في البحر كثير لا يحصى من جزائر ممنوعة لا يعرفها البحريون، فمنها ما لا يقدرون عليه.
وربما رؤي في هذا البحر سحاب أبيض يظل المراكب فيشرع منه لسان طويل رقيق حتى يلصق ذلك اللسان بماء البحر، فيغلى له ماء البحر مثل الزوبعة فإذا أدركت الزوبعة المركب ابتلعته، ثم يرتفع ذلك السحاب فيمطر مطرا فيه قذى البحر، فلا أدري أيستقى السحاب من البحر أم كيف هذا.
وكلّ بحر من هذه البحار تهيج فيه ريح تثيره وتهيجه حتى يغلى كغليان القدور، فيقذف ما فيه الى الجزائر التي فيه ويكسر
المراكب، ويقذف السمك الميّت الكبار العظام، وربما قذف الصّخور والجبال كما يقذف القوس السهم.
وأما بحر هركند فله ريح غير هذه ما بين المغرب الى بنات نعش فيغلي لها البحر كغليان القدور ويقذف العنبر الكثير، وكلما كان البحر أغزر وأبعد قعرا كان العنبر أجود، وهذا البحر- أعني هركند- اذا عظمت أمواجه تراه مثل النّار يتّقد.
وفي هذا البحر سمك يدعى اللخم وهو سبع يبتلع الناس في [أيديهم كل هذه] فيقل المتاع، ومن أسباب قلة المتاع حريق ربّما وقع ب (خانفوا) وهو مرفأ السفن، ومجتمع تجارات
العرب، وأهل الصين، فيأتي الحريق على المتاع، وذلك أنّ بيوتهم هناك من خشب ومن قنا مشقق، ومن أسباب ذلك أن تنكسر المراكب الصّادرة والواردة أو ينهبوا أو يضطرّوا إلى المقام الطويل فيبيعوا المتاع في غير بلاد العرب، وربما رمت بهم الرّيح إلى اليمن أو غيرها فيبيعون المتاع هناك، وربما أطالوا الإقامة لاصلاح مراكبهم وغير ذلك من العلل.
وذكر سليمان التاجر أن في (خانفو) وهو مجتمع التجار رجلا مسلما يولّيه صاحب الصّين الحكم بين المسلمين الذين يقصدون الى تلك الناحية، يتوخى ملك الصين ذلك، واذا كان في العيد صلّى بالمسلمين وخطب ودعا لسلطان المسلمين، وان التجار العراقيين لا ينكرون من ولايته شيئا في أحكامه وعلمه بالحق وبما في كتاب الله ﷿ وأحكام الاسلام.
فأما المواضع التي يردونها ويرقون اليها فذكروا أن أكثر السّفن الصينية تحمل من سيراف وأن المتاع يحمل من البصرة وعمان وغيرها الى سيراف فيعبّا في السفن الصينيّة بسيراف وذلك لكثرة الأمواج في هذا البحر، وقلة الماء في مواضع منه.
والمسافة بين البصرة وسيراف في الماء مائة وعشرون فرسخا فاذا عبّى المتاع بسيراف استعذبوا منها الماء، وخطفوا- وهذه لفظة
يستعملها أهل البحر يعني يقلعون- الى موضع يقال له مسقط وهو آخر عمل عمان، والمسافة من سيراف إليه نحو مائتي فرسخ.
وفي شرقي هذا البحر فيما بين سيراف ومسقط من البلاد سيف بني الصفاق وجزيرة ابن كاوان، وفي غربي هذا البحر جبال عمان وفيها الموضع الذي يسمى الدردور وهو مضيق بين جبلين تسلكه السفن الصغار ولا تسلكه السفن الصينية، وفيها الجبلان اللذان يقال لهما كسير وعوير وليس يظهر منهما فوق الماء الا اليسير، فاذا جاوزنا الجبال صرنا إلى موضع يقال له
صحار عمان فيستعذب الماء من مسقط من بئر بها، وهناك [جبل] فيه غنم من بلاد عمان، فتخطف المراكب منها إلى بلاد الهند وتقصد الى كولم ملى، والمسافة من مسقط الى كولم ملي شهر على اعتدال الريح، وفي كولم ملي مسلحة لبلاد كولم ملي تجيء السفن الصينية، وبها ماء عذب من آبار فيؤخذ من [السفن] الصينية ألف درهم، ومن غيرها من السفن ما بين عشرة دنانير الى [عشرين] دينارا.
وبين مسقط وبين كولم ملي وبين هركند نحو من شهر، وبكولم ملي يستعذبون الماء، ثم تخطف المراكب- اي تقلع- الى بحر هركند، فاذا جاوزوه صاروا الى موضع يقال له لنجبالوس لا يفهمون لغة العرب ولا ما يعرفه التجار من اللغات، وهم قوم لا
يلبسون الثياب، بيضا كواسج، وذكروا أنهم لم يروا منهم النساء، وذلك أن رجالهم يخرجون اليهم من الجزيرة في زواريق منقورة من خشبة واحدة، ومعهم النارجيل، وقصب السكر والموز، وشراب النارجيل: وهو شراب أبيض، فاذا شرب ساعة يؤخذ من النارجيل، فهو حلو مثل العسل، فاذا ترك ساعة صار شرابا وإن بقى أياما صار خلا، فيبيعون ذلك بالحديد، وربما وقع اليهم العنبر اليسير فيبيعونه بقطع الحديد، وانما يتبايعون بالإشارة يدا بيد إذ كانوا لا يفهمون اللغة، وهم حذّاق بالسّباحة فربما استلبوا من التجار الحديد ولا يعطونهم شيئا.
ثم تخطف المراكب إلى موضع يقال له كلاة بار المملكة والساحل كل يقال له كلاه بار وهى مملكة الزّابج متيامنه عن
بلاد الهند يجمعهم ملك، ولباسهم الفوط يلبس السرىّ والدني منهم الفوطة الواحدة، ويستعذبون هناك الماء من آبار عذبة، وهم يؤثرون ماء الآبار على مياه العيون والمطر.
ومسافة ما بين كولم وهي قريبة من هركند الى كله بار شهر، ثم تسير المراكب الى موضع يقال له بتومة وبها ماء عذب لمن أراده، والمسافة إليها عشرة أيام.
ثم تخطف المراكب الى موضع يقال له كدرنج عشرة أيام، وفيها ماء عذب، لمن أراده، وكذلك جزائر الهند اذا احتفرت فيها الآبار وجد فيها الماء العذب، وبها جبل مشرف وربما كان فيه الهراب من العبيد واللصوص.
ثم تسير المراكب إلى موضع يقال له صنف مسيرة عشرة أيام، وبها ماء عذب، ومنه يؤتي بالعود الصنفي، وبها ملك، وهم قوم سمر يلبس كل واحد منهم فوطتين، فإذا استعذبوا منها خطفوا الى موضع يقال له صندر فولات وهي جزيرة في البحر، والمسافة اليها عشرة أيام، وفيها ماء عذب، ثم تخطف المراكب الى بحر يقال له صنجى ثم إلى أبواب الصين، وهى جبال في البحر بين كل جبلين فرجة تمرّ فيها المراكب [ثم إلى الصين].
فإذا سلّم الله من صندر فولات خطف المراكب الى الصين في شهر إلّا ان الجبال التي تمرّ بها المراكب مسيرة سبعة أيام.
فإذا جاوزت السفينة الأبواب ودخلت الخور صارت إلى ماء عذب إلى الموضع التي ترسى إليه من بلاد الصين، وهو يسمى خانفو: مدينة، وسائر الصين فيها الماء العذب من أنهار عذبة وأودية ومسالح واسواق في كل ناحية.
وفيها مد وجزر مرتين في اليوم والليلة، الّا انّ المدّ يكون فيما يلي البصرة إلى جزيرة بنى كاوان اذا توسط القمر السماء [واذا قابل وسط السماء]، ويكون الجزر عند طلوع القمر وعند مغيبه، والمدّ يكون بناحية الصين إلى قريب من جزيرة بني كاوان اذا طلع القمر، فاذا توسّط السماء جزر الماء، فاذا غاب كان المدّ، فاذا كان في مقابلة وسط السماء جزر.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٩م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع