من «أخبار الصين والهند» لأبي زيد السيرافي (ت بعد ٣٣٠هـ)
قصة ابن وهب القرشي وما وقع له مع ملك الصين
وقد كان بالبصرة رجل من قريش يعرف بابن وهب من ولد هبّار بن الاسود، خرج منها عند خرابها فوقع إلى سيراف، وكان فيها مركب يريد بلاد الصّين فنزعت به همّته بالمقدار الجاري على
أن ركب في ذلك المركب إلى بلاد الصّين ثم نزعت به همّته إلى قصد ملكها الكبير، فسار إلى خمدان في مقدار شهرين من المدينة المعروفة بخانفو، وأقام بباب الملك مدّة طويلة يرفع الرقاع ويذكر انّه من أهل بيت نبوة العرب، فأمر الملك بعد هذه المدّة بإنزاله في بعض المساكن وإزاحة علّته فيما يحتاج إليه، وكتب الملك إلى الوالي المستخلف المقيم بخانفو يأمره بالبحث ومسألة التجار عمّا يدّعيه الرجل من قرابة نبي العرب ﷺ، فكتب صاحب خانفو بصحة نسبه فأذن له ووصله بمال واسع عاد به إلى العراق، وكان شيخا فهما، فأخبرنا: أنّه لمّا وصل إليه وسأله عن العرب، وكيف أزالوا ملك العجم، فقال له بالله جل ذكره وبما كانت العجم عليه من عبادة النيران والسّجود للشمس وللقمر من دون الله، فقال له: لقد غلبت العرب على أجل الممالك وأوسعها ريفا وأكثرها أموالا وأعقلها رجالا وأبعدها صوتا، ثم قال له: فما منزلة سائر الملوك عندكم فقال ما لي بهم علم، فقال للترجمان: قل له إنا نعدّ الملوك خمسة فأوسعهم ملكا الذي يملك العراق لأنّه في وسط الدنيا، والملوك محدقة به، ونجد اسمه عندنا ملك الملوك وبعده ملكنا هذا ونجده عندنا ملك الناس لأنه لا أحد من الملوك أسوس منّا ولا أضبط لملكة من ضبطنا لملكنا، ولا رعيّة من الرعايا أطوع لملوكها من رعيّتنا، فنحن ملوك الناس، ومن بعدنا ملك السّباع وهو ملك التّرك الذي يلينا، وبعدهم ملك الفيلة وهو ملك الهند، ونجد عندنا ملك الحكمة لأن أصلها منهم، وبعده ملك الروم، وهو عندنا ملك الرّجال، لأنّه ليس في الأرض أتمّ خلقا من رجاله ولا احسن وجوها، فهؤلاء أعيان الملوك، والباقون دونهم.
ثم قال للترجمان قل له أتعرف صاحبك أن رأيته يعني رسول الله ﷺ، فقلت وكيف لى برؤيته وهو عند الله جلّ وعزّ، فقال: لم أرد هذا انما أردت صورته، فقال أجل فأمر بسفط فأخرج فوضع بين يديه فتناول منه درجا، وقال للترجمان:
أره صاحبه فرأيت في الدرج صور الأنبياء فحركت شفتي بالصلاة عليهم، ولم يكن عنده أني أعرفهم، فقال للترجمان: سله عن تحريك شفته، فسألني، فقلت: أصلي على الأنبياء فقال من أين عرفتهم، فقلت مما صوّر من أمرهم، هذا نوح في السفينة ينجوا بمن معه لمّا أمر الله جل ذكره الماء فغمر الأرض كلها ممن فيها وسلّمه ومن معه، فضحك وقال: أمّا نوح فقد صدقت في تسميته، وأمّا غرق الأرض كلها فلا نعرفه وانّما أخذ الطوفان قطعة من الأرض ولم يصل إلى أرضنا ولا أرض الهند، قال ابن وهب: فتهيّبت الرّد عليه وإقامة الحجة لعلمى بدفعه ذلك، ثم قلت:
هذا موسى وعصاه وبنو إسرائيل، فقال: نعم على قلّة البلد الذي كان به وفساد قومه عليه، فقلت: وهذا عيسى على حمار والحواريون معه، فقال: لقد كان قصير المدّة انّما كان أمره يزيد على ثلاثين شهرا شيئا يسيرا وعدّد من أمر سائر الأنبياء ما اقتصرنا على ذكر بعضه، وزعم انه رأى فوق كلّ صورة لنبيّ كتابة طويلة قدّر انّ فيها ذكر أسماءهم ومواقع بلدانهم وأسباب نبؤاتهم، ثمّ قال: رأيت صورة النبي ﷺ على جمل وأصحابه محدقون به على إبلهم في أرجلهم نعال عربيّة وفي أوساطهم مساويك مشدودة، فبكيت، فقال للترجمان: سله عن بكائه فقلت هذا نبيّنا وسيّدنا وابن عمّي ﵇، فقال:
صدقت لقد ملك هو وقومه أجل الممالك الّا انّه لم يعاين ما ملك وانّما عاينه من بعده، ورأيت صور أنبياء ذوى عدد كثير، منهم من قد أشار بيده اليمنى وجمع بين الابهام والسبابة كأنّه يومئ في اشارته إلى الحق، ومنهم قائم على رجله مشير بأصابعه إلى السماء، وغير ذلك، زعم الترجمان انّهم من أنبيائهم وأنبياء الهند، ثم سألني عن الخلفاء وزيّهم وكثير من الشرائع ووجوهها على قدر ما اعلم منها، ثمّ قال: كم عمر الدّنيا عندكم، فقلت قد اختلف فيه فبعض يقول: ستّة آلاف سنة وبعض يقول دونها، وبعض يقول أكثر منها إلّا بيسير، فضحك ضحكا كثيرا ووزيره أيضا واقف دلّ على انكاره ذلك، وقال: ما أحسب نبيكم قال هذا، فزللت وقلت: بلى هو قال ذلك، فرأيت الانكار في وجهه، ثم قال للترجمان: قل له ميّز كلامك فانّ الملوك لا تكلّم الّا عن تحصيل، أمّا ما زعمت أنّكم تختلفون في ذلك فانّكم انّما اختلفتم في قول نبيّكم، وما قالته الأنبياء لا يجب ان يختلف فيه بل هو مسلّم فاحذر هذا وشبهه أن تحكيه، وذكر أشياء كثيرة قد ذهبت عنّي لطول العهد، ثمّ قال لي: لم عدلت عن ملك وهو أقرب اليك منّا دارا ونسبا، فقلت: بما حدث على البصرة ووقوعي إلى سيراف ونظري إلى مركب ينفذ إلى الصّين وما بلغني من جلال ملك الصّين وكثرة الخير به فأحببت الوقوع إلى تلك الناحية ومشاهدتها، وأنا راجع عنها إلى بلادي وملك ابن عمّي ومخبر بما شاهدت من جلال هذا الملك وسعة هذه البلاد، وسأقول بكلّ حسن واثنى بكلّ جميل، فسرّه ذلك وأمر لى بالجائزة السنية، وبحملى على بغال البريد الى مدينة خانفو، وكتب الى ملكها باكرامي وتقديمي على جميع من
في ناحيته من سائر الملوك، وإقامة النزل لى الى وقت خروجي، فكنت في أخصب عيش وأنعمه، الى أن خرجت من بلاد الصّين.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٩م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع