من «الاستبصار في عجائب الأمصار» لكاتب مراكشي (ت ق ٦هـ)
صفة منى والجمرة ورميها
إذا دخلت منى فقل اللهم هذه منى وهى مما دللتنا عليه من المناسك، فأسألك أن تمن علينا فيها مما مننت به على أوليائك وأهل طاعتك وعبادك الصالحين. ومنى شبه القرية التى بنيت على ضفتى الوادى النازل من عرفات. وفى وسط ذلك الوادى الجمرتان: والجمرة الأولى
هى جمرة العقبة أول ما تلقى منى فى رأس العقبة على يسار الداخل فى منى من ناحية مكة، فارمها من أسفلها من بطن الوادى بسبع حصيات. وتقول مع كل حصاة: «لا إله إلا الله والله أكبر على رغم الشياطين أو الشيطان وخزيه». فإن رماها قبل الفجر لم تجز وأعاد رميها بعد الفجر ولا ذم عليه.
والحصاة قربان فما تقبل منه رفع، وما لم يتقبل منه بقى. وليس على الخارج بمنى صلاة العيد وإنما صلاتهم فى ذلك اليوم وقوفهم بالمشعر الحرام.
وأيام منى أيام ذكر الله، قال الله تعالى: «وأذكروا الله فى أيام معدودات» فالمعدودات أيام منى الثلاثة، ترمى فيها الجمار وهى أيام التشريق وليس يوم النحر منها لقوله تعالى: «فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه» فلو كان منها لقال فمن تعجل فى ثلاثة. فالنفر هو فى اليوم الثانى من الثلاثة التى بعد يوم النحر، والأيام المعلومات يوم النحر واليومان اللذان بعده، واليوم الرابع للمعدودات خاصة. فإذا رميت جمرة العقبة نحرت هديك واستقبلت به إلى القبلة، وقلت: «باسم الله اللهم منك ولك فأسألك أن تتقبل منى كما تقبلت من إبراهيم خليلك ﵇». وفى سفح الجبل على جمرة العقبة مسجد وفى حائطه من ناحية الجوف حجر مبسوط أدكن فيه أثر قدم إسماعيل ﵇ ولد إبراهيم الخليل حين أضجعه للذبح فركض برجله فلان له الحجر
فغرق رجله فيه ﷺ. وفى هذا الموضع أثر الكبش وأسفل من ذلك فى جوف الشعب عند طلوعك إلى العقبة عن يسار الطريق مسجد بيعة الأنصار التى كانت فى الإسلام، بقى أثره إلى اليوم. ثم تدخل منى فتلقى الجمرة الثانية عن يسارك على باب مضرب السيل ومضرب المعتز، بينهما وبين جمرة العقبة ذراع؛ ثم الجمرة الثالثة وهى وسط المحجة بينها وبين الجمرة الوسطى ذراعا. وترمى الجمرات الثلاث بسبع حصيات، وتقول إذا رميتها مثل ما تقدم من القول. وليعلن الحاج بالتكبير أيام منى، ويذكر الله ويكبر فى أى ساعات النهار شاء، ولا يقطع التكبير حتى يصلى الظهر والعصر بالمحصّب. فإذا دخلت مكة وطفت طواف الإفاضة فقل: «اللهم لك الحمد على تسليمك إياى حتى قضيت حجتى مفلحا، قد غفرت لى ذنبى وقضيت لى حوائجى، إنك على كل شئ قدير».
فإذا ودعت البيت وصدرت عنه، فلا ترد له ظهرك حتى تغيبه؛ وتقول عند ذلك: «اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وعملا مقبولا وسعيا مشكورا يا أرحم الراحمين. اللهم لا تجعله آخر العهد من بيتك المعظم ومن زيارة قبر نبيك المكرم واقلبنى سالما إلى أهلى إنك على كل شئ قدير».
صفة مسجد الخيف وذرعه وذكر الغار الذي بقربه
المسجد فى أصل الجبل يمين الطريق إذا سرت إلى المزد لفة من منى.
وهو مبنى من حجارة مطرورة أكثرها آجر ملبسة بالجيار؛ البيت منه على ثلاث بلاطات، وحول الحصن من جانب سقيفة على أقواس معقودة على أرجل من آجر ملبسة بالجيار؛ جميع ما فى المسجد كله رجلا. وطول المسجد ذراعا وله أبواب وباب ثامن صغير فى قبلة المسجد قريب من المحراب إلى دار الإمام. وفى وسط صحنه منار قد تثلم أعلاه.
وبالقرب من المسجد فى أصل الجبل غار دخله النبي ﷺ منحنيا فلم يتمكن له فيه جلوس حتى لان له فيه الحجر فغرق فيه مرفقه ورأسه ﷺ؛ فكل من دخله لا يتمكن له فيه جلوس حتى يضع مرفقه ورأسه فى الموضع الذي وضعه فيه النبي ﷺ. وفى هذا الغار أنزلت عليه سورة «المرسلات» فيعرف بغار المرسلات.
النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع