تجاوز إلى المحتوى

من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)

دير أشموني

وأشموني، امرأة بني الدير على اسمها، ودفنت فيه. وهو بقطربل، غربي دجلة. وعيده اليوم الثالث من تشرين الأول، وهو من الأيام العظيمة ببغداد، يجتمع أهلها إليه كاجتماعهم إلى بعض أعيادهم، ولا يبقى أحد من أهل التطرب واللعب إلا خرج إليه، فمنهم في الطيارات ومنهم في الزبازب والسميريات، كل إنسان بحسب قدرته. ويتنافسون فيما يظهرونه هنالك من زيهم، ويباهون بما يعدونه لقصفهم، ويعمرون شطه وأكنافه وديره وحاناته. ويضرب لذوي البسطة منهم الخيم والفساطيط، وتعزف عليهم القيان. فيظل كل إنسان منهم مشغولاً بأمره، ومكباً على لهوه؛ فهو أعجب منظر وأطيب مشهد وأحسنه! وهناك أيضاً دير يسمى دير الجرجوث وحوله بساتين ومزارع، ومن ضاق به دير أشموني، عدل إليه.

قال جحظة: خرجت في عيد من أعياد أشموني إلى قطربل، فلما وصلت إلى الشط، مددت عيني لأنظر موضعاً خالياً أصعد إليه، أو قوماً ظرافاً أنزل عليهم، فرأيت فتيين من أحسن الناس وجوهاً وأنظفهم لباساً، وأطرفهم آلة! فقدمت سميريتي نحوهما، وقلت: أتأذنون في الصعود إليكم؟ فقالوا: بالرحب والسعة! فصعدت وقلت: يا غلام، طنبوري ونبيذي! فقالا: أما الطنبور فنعم، وأما النبيذ فلا. فجلست مع أحسن الناس أخلاقاً وأملحهم عشرة. وأخذنا في أمرنا. ثم تناولت الطنبور، وغنيت بشعر لي:

سقياً لأُشموني ولذاتهاوالعيش فيما بين جناتها
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
سقياً لأيام مضت لي بهاما بين شطّيها وحاناتها
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
إذا اصطباحي في بساتينهاوإذ غبوقي في دياراتها
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

فنعر القوم، وشربوا بالأرطال وشربت، وطاب لنا الوقت إلى آخر النهار.

ثم قلت لأحدهما: جعلت فداك، ما أرى في هذا الجمع أرق منكما طبعاً، ولا أرق نبيذاً. فقال لي مجيباً:

شرابي رقيقٌ كما قد رأيت، ود بسهم بذباب يساط

وأشار إلى القوم، ثم قال:

فكيف أكون نظيراً لهمأين لي بعقلك أم ذا ضراط

ثم قال: أزيدك؟ قلت: لا. ومر لنا أطيب يوم وأحسنه! قال محمد بن المؤمل الطائي: كنت مع أبي العتاهية في سميرية، ونحن سائرون إلى أشموني. فسمع غناء من بعض النواحي، فاستحسنه وطرب له. فقال لي: تحسن ترقص؟ قلت: نعم! فقال: قم بنا نرقص. قلت: نحن في سميرية، وأخاف أن نغرق! قال: وإن غرقنا نكون ماذا؟ أليس نكون شهداء الطرب؟ وللثرواني، فيه:

إشرب على قرع النواقيسفي دير أشموني بتغليس
للشاعر الثرواني، اقرأ القصيدة
لا تخف كأس الشرب، والليل فيحدّ نعيم لا ولا بوس
للشاعر الثرواني، اقرأ القصيدة
إلا على قرع النواقيسأو صوت قسّان وتشميس
للشاعر الثرواني، اقرأ القصيدة
فإنما الشيء بأسبابهومحكم الوصف بتأسيس
للشاعر الثرواني، اقرأ القصيدة
فهكذا فاشرب، وإلا فكنمجاوراً بعض النواويس
للشاعر الثرواني، اقرأ القصيدة

قال: كتب يحيى بن كامل إلى عبد الملك بن محمد الهاشمي في يوم أشموني:

اليوم أشموني أبا الفضلوهو عجيبٌ طيب الظلّ
وأنت لليوم صريعٌ فمايصنع يحيى يا أبا الفضل

فوجه إليه بما ركبه، وعرف الجماش الخبر، فكتب إليه:

قولا لعبد الملك الماهرولابن عم المصطفى الطاهر
أما ترى اليوم، وأحوالهتدعو إلى حثّك بالدائر
عيدٌ وغيم زار في يومنا،فقم بحقّ العيد والزائر
واليوم أشموني، فبادر بنا،تحثُّها في يومها الزاهر
حبوت يحيى ثم أغفلتنيأحلت عن جماشك الشاعر

فوجه إليه وأحضره. ومر لهم يوم طيب.

ولأبي الشبل البرجمي، فيه:

شهدت مواطن اللذات طراوجبت بقاعها بحراً وبرّا
فلم أر مثل أشموني محلاًألذّ لحاضريه ولا أسرّا
به جيشان من خيل وسفنأناخا في ذراه واستقرا
كأنهما زحوف وغىً ولكنإلى اللذات ماكرّا وفرا
سلاحهما القواقز والقنانيوأكواسٌ تدور هلمّ جرا
وضربهما المثالث والمثانيإذا ما الضرب في الحرب استحرا
وأسرهما ظباء الدّير طوعاًإذا أسد الحروب أسرن قسرا
لقد جرّت لنا الهيجاء خيراًإذا ما جرت الهيجاء شرا

وكان أبو الشبل هذا من الطياب، وله شعر مليح، وطبع رقيق. وكان منعكفاً على الشرب لا يفارقه ولا يوجد إلا سكران. وكان يتطرح في الديارات والحانات ومواطن اللهو، لا يغبها ولا يتأخر عنها.

وكان بينه وبين محمود الوراق مودة، وكانا لا يفترقان. وذكر أبو الشبل، قال: صرت أنا ومحمود إلى قطربل، فدعونا الخمار، فقلنا: ايتنا ببنت عشر قد أنضجها الهجير. فجاءنا بها. فقلنا: اسقنا! فسقانا. فقلنا: اشرب واسقنا! فقال: أنا مسلم، وكان يهودياً قد أسلم. فقال لي محمود: قوم يكون الخمار عندهم مسلماً متحرجاً، وهم عند الخمار كفار، أترى لله فيهم حاجة؟.

قال: كان أبو الشبل يعابث خنساء قينة هشام الضرير النحوي، وكانت تقول الشعر؛ فعبث بها يوماً وأفرط، فغضبت وقالت: ليت شعري، بأي شيء تدل؟ أنا والله أشعر منك! ولئن شئت لأهجونك حتى أفضحك! فأقبل عليها، وقال:

خنساء قد أفرطت علينافليس منها لنا مجير
تاهت بأشعارها عليناكأنما ناكها جرير

فخجلت حتى بان ذلك عليها وانقطعت عن جوابه.

ولأبي الشبل في جارية سوداء كان يهواها، فعوتب عليها، وكان مولعاً بالسودان:

غدت بطول الملام عاذلةٌتعذلني في السّواد والدّعج
ويحك، كيف السلوّ عن غررمقيّرات الوجوه كالسّبج
يحملن بين الأفخاذ أسنمةتطير أوبارها من الوهج
لا عذّب الله مؤمناً بهمغيري، ولا حان منهم فرجي
فإنني بالسواد مبتهجٌولست بالبيض جد مبتهج

وله في جارية كان يحبها اسمها تبر:

لم تنصفي يا سمّية الذهبتتلف نفسي وأنت في لعب
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة
يا بنت عم المسك الذكي ومنلولاك يُجتب ولم يطب
ناسبك المسك في السواد وفي الطيب، فأكرم بذاك من نسب
للشاعر أبو الشيص محمد، من قصيدة «لم تَنْصفي يا سميّة الذَّهَبِ»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الديارات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.