من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)
دير الجاثليق
وهذا الدير، يقرب من باب الحديد، وهو دير كبير، حسن، نزه، تحدق به البساتين والأشجار والرياحين. وهو يوازي دير الثعالب في النزهة والطيب وعمارة الموضع، لأنهما في بقعة واحدة. وهو مقصود مطروق، لا يخلو من المتنزهين فيه والقاصدين له. وفيه رهبانه وفتيانه ومن يألف من أهل الخلاعة والبطالة.
وقالت الشعراء فيه ووصفته. ولمحمد بن أبي أمية الكاتب فيه، وفيه لحن خفيف رمل:
لهفي على قمرٍ في الدير مسجونفي صورة الانس، في مكر الشياطين
والله ما أبصرت عيني محاسنهإلاّ خرجت له طوعاً من الدين
وله في هذا الدير أيضاً:
تذكرت دير الجاثليق وفتيةًبهم تمّ لي فيه السرور وأسعفا
بهم طابت الدنيا وتم سرورهاوسالمني صرف الزمان وأنصفا
ألا ربّ يوم قد نعمت بظلهأبادر من لذات عيشي ما صفا
أغازل فيه أدعج الطرف أهيفاوأُسقى به مسكية الطعم قرقفا
فسقياً لأيام مضت لي بقربهملقد أوسعتني رأفةً وتعطفا
وتعساً لأيام رمتني بينهمودهرٍ تقاضاني الذي كان أسلفا
ومحمد بن أمية هذا، أحد المتقدمين في الشعر، رقيق الطبع، حسن التصرف فيه، غريب المعاني. وأكثر شعره في الغزل. وكان هو وعلي أخوه يكتبان للفضل ابن الربيع. وهو عم أبي حشيشة الطنبوري.
ومن مليح شعره:
رأيتك حليتي دنيا ودينحياةً للضّجيع وللقرين
بدا لي بعدما سبقت يمينيبهجرك أن أكفّر عن يميني
وله:
لم أسل عنك ولم أخنك ولم يكنفي القلب مني للسلو مكان
لكن رأيتك قد مللت مودّتيفعلمت أن دواءك الهجران
ومن رقيق شعره:
يا غريباً يبكي لكل غريبلم يذق قبلها فراق حبيب
عزّه الصبر فاستراح إلى الدّمع، وفي الدمع راحة للقلوب
ليت يوماً أراك فيه كما كنت قريباً، فأشتكي من قريب
وله:
رب يوم منك لا أنساه ليأوجب الشكر وإن لم تفعل
أقطع الدهر بظن حسنٍوأجلّى غمرةً ما تنجلي
وأرى الأيام لا تُدني الذيأرتجي منك وتدني أجلي
كلما أمّلت يوماً صالحاًعرض الهجران دون الأمل
ومن نادر شعره:
لأُقيمن مأتماً عن قريبليس بعد الفراق غير النحيب
أظلمتني فيك الخطوب فلم أقوعلى أن أردّ ظلم الخطوب
ربّ، ما أوجع الهوى للقلوبلا ولا سيما فراق الحبيب
لم أكن أعرف الفراق فأقدمت عليه غرّاً بلا تجريب
وله أيضاً:
اليوم أثكلني صبري فراقكمكذاك أعظم شيء فقد معشوق
قد كنت في فسحةٍ من قبل بينكمفاليوم صرت من الأحزان في ضيق
واغتالني زمنٌ قد كنت آمنهتعساً لغدرته من بعد توثيق
إني على العهد لم أنقض مودّتكميا من يرى حسناً نقض المواثيق
وله:
ما ذاقت النفس على شهوةٍألذّ من ودّ صديق أمين
من فاته ودّ أخٍ صالحفذلك المغبون حقّ اليقين
وله، وهو من مليح شعره:
فيا شوق لا تنفد، ويا دمع فض وزدويا شوق راوح بين جنبٍ إلى جنب
ويا عاذلي لمني، ويا عابد افتنيعصيتكما حتى أغيّب في الترب
إذا كان ربّي عالماً بسريرتيفما الناس في عيني بأعظم من ربي
وله يصف روضة:
في جنانٍ كأنما نشرت فوق ثراها حريرة خضراء
أعين النرجس الجنيّ نجومٌواخضرار الرياض فيها سماء
للثرى تحتها سباتٌ وللماء خريرٌ وللغصون غناء
وله:
فها أنا مغضٍ في رضاك وصابرٌعلى مثل مصقول الذبابين قاضب
ومنتزح عما كرهت وجاعلٌرضاك مثالاً بين عيني وحاجبي
وله:
كم فرحةٍ كانت وكم ترحةتخرّصتها لي فيك الظنون
إذا قلوبٌ أظهرت غير ماتضمره أنبتك عنها العيون
وله:
يُصعّد في الحشا نفساويسهر إن فتىً نعسا
يظلّ يعالج الزفرات إن أغفى وإن جلسا
غذا بالشوق مهجتهوعلل نفسه بعسى
محبٌّ صيّر الشكوى إلى جلسائه أُنسا
وكان أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري، يختم أماليه في مجالسه بمقطوع من شعر ابن أبي أمية، استحساناً له واستعذاباً لألفاظه، ويقرظه دائماً ويصفه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع