من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)
دير سابر
وهذا الدير ببزوغى، وهي بين المزرفة والصالحية، في الجانب الغربي من دجلة. وهي عامرة، نزهة، كثيرة البساتين والفواكه والكروم والحانات والخمارين، معمورة بأهل التطرب والشرب، وهي موطن من مواطن الخلعاء.
والدير حسن، عامر، لا يخلو من متنزه فيه ومتطرب إليه.
وللحسين بن الضحاك، فيه:
وعواتق باشرت بين حدائقففضضتهنّ وقد حسن صحاحا
أتبعت وخزة تلك وخزة هذهحتى شربت دماءهنّ جراحا
أبرزتهن من الخدور حواسراًوتركت صون حريمهنّ مباحا
في دير سابر والصباح يلوح ليفجمعت بدراً والصباح وراحا
فاذهب بظنّك كيف شئت، فكلهمما اقترفت تغطرساً وجماحا
وكان الحسين بن الضحاك، من الأدباء الشعراء وأهل الخلاعة والمجون، وبالخليع يعرف. ونادم جماعة من خلفاء بني العباس، منهم: الأمين، والمعتصم، والواثق، والمتوكل. فأما المأمون، فإنه لم يدخل إليه ولم يختلط به، وذاك أنه رثى الأمين، فقال فيه:
هلا بقيت لسدّ فاقتنافينا وكان لغيرك التلف
قد كان فيك لمن مضى خلففاليوم أعوز بعدك الخلف
فلما ورد المأمون من خراسان إلى بغداد، أمر بأن تثبت له أسماء من يصلح لمنادمته من أهل الأدب، فأثبت له قوم ذكر فيهم الحسين بن الضحاك وكان من جلساء محمد المخلوع، فقرأ أسماءهم حتى بلغ إلى اسم حسين فقال: أليس القائل في محمد: وكان لغيرك التلف؟ والله، لا حاجة لي فيه ولا رأى وجهي إلا على قارعة الطريق! فلم يحظ طول أيام المأمون بشيء! وكان وقت خدمته المتوكل، ضعف كبراً، فكتب إليه يستعفيه من الخدمة، فقال:
أسلفت أسلافك فيما مضىمن خدمتي إحدى وستينا
كنت ابن عشرين وخمس فقدوفّيت بضعاً وثمانينا
إني لمعروف بضعف القوىوإن تجلدت أحايينا
وإن تحملت على كبرتيخدمة أبناء الثلاثينا
هدت قواي ووهت أعظميوصرت في العلّة عزّونا
وخفت أن يعجل بي معجلٌإلى التي تعيي المداوينا
عزون هذا الذي ذكره، نديم كان للمعتصم، ثم نادم المتوكل.
وذكر عزون هذا، قال: كمنا مع المعتصم في بعض متنزهاته. فاحتجنا أن نخوض نهراً، وكان معنا حسين بن الضحاك، فكاد أن يغرق. فقبض المعتصم على عضه، وحمله من السرج حتى عبر به النهر إشفاقاً عليه.
وكان الحسين مستهتراً بالخدم جداً، ولم يقصر عن ذاك حتى مات.
قال المتوكل: أنشدني حسين قوله:
فلو شئت تيسرتكما سميت يا يسر
ولا والله لا تبرح أو ينصرم الأمر
فأمّا المنع والذموإما البذل والشكر
فدعني من مواعيدك إذ حيّنك الدهر
فقل: أيهما كانفقال البذل والشكر
قال أبو عبد الله بن حمدون: كنا عند المتوكل في يوم نوروز، والهدايا تعرض عليه، وفيها تماثيل من عنبر. وكان شفيع الخادم واقفاً، وعليه أقبية موردة ورداء مورد، وهو فيها من أحسن الناس وجهً. فجعل المتوكل يدفع إلى شفيع قطعةً قطعة من ذلك العنبر، ويقول: ادفعها إلى حسين، واغمز يده فيفعل ذلك. وكان آخر ما دفع إليه وردة حمراء حياه بها، فأنشأ يقول:
وكالوردة البيضاء حيا بأحمرمن الورد يسعى في غلائل كالورد
له عبثات عند كل تحيةبكفيه تستدعي الخليّ إلى الوجد
تمنيت أن أُسقى بكفيه شربةًتذكرني ما قد نسيت من العهد
سقى الله دهراً لم أبت فيه ليلةًمن الدهر إلا من حبيب على وعد
فأمره المتوكل أن يسقيه، وقال: قد أعطيناك أمنيتك.
وكان حسين ينادم صالح بن الرشيد، فشرب معه مرة في متنزه بباري، وهي من أعمال كلواذا. وكان له هناك بستان حسن جليل وسوره باق إلى الآن وآثاره. وقال يصف البستان وصبوحهم فيه، وهي من مليح شعره:
أما ناجاك بالنظر الفصيحوإنّ إليك من قلب قريح؟
فليتك حين تهجره ضراراًمننت عليه بالقتل المريح
بحسنك كان أول حسن ظنيأما ينهاك حسنك عن قبيح؟
وما ينفكّ متّهماً لنصحيبنفسي نفس متهم نصيح
أحبّ الفيء من نخلات باريوجوسقها المشيّد بالصفيح
ويعجبني تناوح أيكتيهاإليّ بريح حوذان وشيح
ولن أنسى مصارع للسكارىونادبة الحمام على الطلوح
وكأس في يمين عقيد ملكٍتزين صفاته غرر المديح
صريح مدامة هويت صريحاًوهل تزري الصريحة بالصريح
ألا يا عمرو، هل لك في الصبوحهلم إلى صفية كل روح
فقام على تخاذل مقلتيهوسلسل بالسنيح وبالبريح
وأتبع سكرةً سلفت بأُخرىوخلّى الصحو للّحز الشحيح
وذكر عمرو بن بانة، قال: كنا عند صالح بن الرشيد في بستانه هذا، ومعنا الحسين بن الضحاك، وحولنا من النرجس أمر عظيم، وقد طلع القمر على الشجر والنور، ووقتنا من أحسن وقت رئي، وخادم لصالح كان يحبه يسقيه. فقال للحسين: قل في مجلسنا هذا شيئاً يتغنى به ابن بانة وأشار إلى الخادم، فقال:
وصف البدر حسن وجهك حتىخلت أني وما أراك أراكا
وإذا ما تنفس النرجس الغض توهمته نسيم نشاكا
خدع للمنى تعللني فيك بإشراق ذا وبهجة ذاكا
لأدومنّ ما حييت على الودلهذا وذاك إذ حكياكا
قال عمرو: فغنيت فيه. ومر لنا أطيب وقت وأحسنه! قال الحسين بن الضحاك: كنت جالساً في داري يوم وشك، وقد أفطر المأمون، وأمر الناس بالافطار. فجاءتني رقعة الحسن بن رجاء، يقول فيها:
هززتك للصبوح وقد نهانيأمير المؤمنين عن الصيام
وعندي من بنات الكرخ عشرتطيب بها مصافحة المدام
ومن أمثالهن إذا انتشينانرانا نجتني ثمر الحرام
فكنت أنت الجواب، فليس شيءأحب إلي من حذف الكلام
فوردت علي رقعته، وقد أرسل إلي محمد بن الحرث بن بسخنر غلاماً له، نظيف الوجه كان يتحظاه، ومعه ثلاثة غلمان أقران حسان الوجوه، ورقعة منشورة قد ختم أسفلها مثل المناشير، فيها:
سر على اسم الله يا أحسن من غصن لجين
في ثلاث من بني الروم إلى دار حسين
أشخص الكهل إلى مولاك يا قرّة عيني
أره العنف إن استعصى وطالبه بدين
ودع اللفظ وخاطبهـ بغمز الحاجبين
واحذر الرجعة من وجهك في خفّي حنين
فمضيت مع غلام بن الحرث، وتركت المضي إلى الحسن.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع