من «الديارات» للشابشتي (ت ٣٨٨هـ)
دير سمالو
وهذا الدير شرقي بغداد، بباب الشماسية، على نهر المهدي. وهناك أرحية للماء، وحوله بساتين وأشجار ونخل. والموضع نزه، حسن العمارة، آهل بمن يطرقه، وبمن فيه من رهبانه.
وعيد الفصح ببغداد، فيه منظر عجيب. لأنه لا يبقى نصراني إلا حضر وتقرب فيه، ولا أحد من أهل الطرب واللهو من المسلمين إلا قصده للتنزه فيه. وهو أحد متنزهات بغداد المشهورة، ومواطن القصف المذكورة.
ولمحمد بن عبد الملك الهاشمي، فيه:
ولربّ يوم في سمالو تم ليفيه السرور وغيّبت أحزانه
وأخ يشوب حديثه بحلاوةٍيلتذّ رجع حديثه ندمانه
صافي الرّحيق من المدام شرابةوالمحسنات من الأوانس شانه
بكرت عليّ به الزيارة فاغتدىطرباً إليّ وسرّني اتيانه
فأمرت ساقينا وقلت له اسقناقد حان وقت شرابنا وأوانه
فتلاعبت بعقولنا نشواتهوتوقّدت بخدودنا نيرانه
حتى حسبت لنا البساط سفينةًوالدير ترقص حولنا حيطانه
ولخالد الكاتب، فيه:
يا منزل القصف في سمالوما لي عن طيبك انتقال
واهاً لأيامك الخواليوالعيش صاف بها زلال
تلك حياة النفوس حقاًولك ما دونها محال
وهو أبو الهيثم خالد بن يزيد الكاتب. وكان مليح الشعر رقيقه، لا يقول إلا في الغزل، ولا يتجاوز الأربعة أبيات، ولا يزيد عليها. ولم يكن له شعر في مدح ولا هجاء.
وذكر ميمون بن حماد، قال: دخل علي يوماً أبو عبد الله ابن الاعرابي، فقلت: يا أبا عبد الله، سمعت من شعر هذا الغليم شيئاً؟ قال: من هو؟ قلت: خالد بن يزيد. قال: لا، وإني لأحب ذلك! فصح به. فجاء حتى وقف. فقلت: أنشد أبا عبد الله شيئاً من شعرك. فقال: إنما أقول في شجون نفسي، لا أمدح ولا أهجو. فقلت: أنشده، فأنشده.
أقول للسقم عد إلى بدنيحُباً لشيء يكون من سببك
فقال ابن الاعرابي: حسبك يا غلام! فقد خيل إلي أن الرقة قد جمعت لك في هذا البيت.
قال جحظة: حدثني خالد الكاتب، قال: كنت بدير سمالو، لم أشعر إلا ورسول إبراهيم ابن المهدي قد وافاني. فدخلت إليه، فإذا برجل أسود مشفراني قد غاص في الفراش، فاستجلسني، فجلست. فقال: أنشدني شيئاً من شعرك، فقلت: أيها الأمير، أنا غلام أقول في شجون نفسي، لا أكاد أمدح ولا أهجو. فقال: ذلك أشد لدواعي البلاء، فأنشدته:
رأت منه عيني منظرين كما رأتمن البدر والشمس المضيئة بالأرض
عشية حيّاني بوردٍ كأنهخدودٌ أضيفت بعضهن إلى بعض
وناولني كأساً كأن رضابهادموعي لما صدّ عن مقلتي غمضي
وولى وفعل السّكر في حركاتهمن الراح، فعل الريح بالغصن الغضّ
فزحف، حتى صار في ثلثي المصلى. ثم قال: يا بني، شبه الناس الخدود بالورد، وشبهت أنت الورد بالخدود! زدني، فأنشدته:
عاتبت نفسي في هواك، فلم أجدها تقبل
وأجبت داعيها إليك، ولم أطع من يعذل
لا والذي جعل الوجوهـ لحسن وجهك تمثل
لا قلت أن الصبر عنك من التصابي أجمل
فزحف، حتى صار خارج المصلى، ثم قال: زدني! فأنشدته:
عش فحبّيك سريعاً قاتليوالضنى إن لم تصلني واصلي
ظفر الحبّ بقلبٍ دنفبك والسقم بجسم ناحل
فهما بين اكتئابِ وضنىتركاني كالقضيب الذابل
وبكى العاذل لي من رحمتيفبكائي لبكاء العاذل
فصاح وقال: يا بليق: كم لي معك من العين؟ قال: ستمائة وخمسون ديناراً، قال: اقسمها بيني وبينهن واجعل الكسر كاملاً للغلام.
وذكر أحمد بن صدقة المغني، قال: اجتزت بخالد الكاتب يوماًن فقلت له: اعمل لي أبياتاً أغني فيها أمير المؤمنين، يعني المأمون. قال: فأي حظ لي في ذلك؟ تأخذ أنت الجائزة، وأحصل أنا على الاثم! فحلفت له، أنه إن وصلني بشيء، قاسمته إياه. فقال لي: أنت أنذل من ذاك! ولكن أذكره بي، فلعله يصلني بشيء. قلت: أفعل. فأنشدني:
تقول سلا فمن المدنفومن عينه أبداً تذرف
ومن قلبه قلقٌ خافقٌعليك وأحشاؤه ترجف
فحفظت الشعر، وعملت فيه لحناً، وحضرنا عند المأمون من الغد مع المغنين. وكان بينه وبين بعض حظاياه هجرة. فوجهت إليه بتفاحة عنبر مكتوب عليها بالغالية: يا سيدي سلوت. وما علم الله أني عرفت شيئاً من الخبر. وانتهى الدور إلي وابتدأت أغني بشعر خالد. فلما غنيته إياه، احمر وجه المأمون وانقلبت عيناه، ودارتا في أم رأسه، وظهر الغضب في وجهه، وقال: لكم على حرمي أصحاب أخبار؟ فقمت إعظاماً لما شاهدت منه، وقلت: أعيذ أمير المؤمنين بالله أن يظن بعبده هذا الظن، وأنزه داره أن يكون لأحد عليها صاحب خبر! قال: فمن أين عرفت خبري مع جاريتي حين غنيت في معنى ما بيننا؟ فحلفت له أني لا أعرف شيئاً من ذلك، وحدثته حديثي مع خالد. فلما انتهيت إلى قوله: أنت أبذل من ذاك! قال: أشهد أنك كذاك، وأسفر وجهه. وقال: ما أعجب هذا الاتفاق! وأمر لي بخمسة آلاف درهم، ولخالد بمثلها.
ومن مليح شعر خالد:
كبد المستهام كيف تذوبما تقاسي من العيون القلوب
بدن المستهام كيف تراهشجنٌ ما له سواه طبيب
أين أين الرقاد يا مقلتي منحرّ أحشائه عليه رقيب
يا مكان الهوى خلوت من الصبر، فما للسلو فيك نصيب
ومن مليح شعره:
ولم أدر ما جهد الهوى وبلاؤهوشدته حتى وجدتك في قلبي
أطاعك طرفي في فؤادي، فحازهلطرفك حتى صار في قبضة الحب
ومن شعره، وفيه لحن:
قد استعار الحسن من وجههوالغصن الناعم من قدّه
لقد تعاتبنا بأبصارنافيما جناه الخلف من وعده
حتى تجارحنا بتكرارناللّحظ في خدّي وفي خدّه
وله أيضاً:
ما على الغضبان لو كان رضيورثى لي من تمادي مرضي
قال لي لما تشكّيت الهوىإحمد الله كذا قُضي
قلت: حاشى الله أن يقضي بذابل قضاه صاحب الوجه الوضي
أنت شرّدت رقادي ظالماًفاجعل الانصاف منه عوضي
وله أيضاً:
رحلتم، فكم من أنةٍ بعد زفرةٍمُبيّنةٍ للناس شوقي إليكم
وقد كنت اعتقت الجفون من البكافقد ردّها في الرق حزني عليكم
وله أيضاً:
زراني في مورّدٍ مثل خديهـ وعقد فصوله الكافور
ليلةٌ لم يكن سوى قصر الليلة فيها عيبٌ ولا تقصير
قال جحظة: كنت يوماً عند عبد اله بن المعتز، فطلبت نعلي، فلم أجده. فجعلت أقول:
يا قوم من لي بنعليأو في مصحّف نعل
فسار هذا البيت حتى رواه الصبيان.
قال: ودعاني عبيد الله يوماً، فأبطأت عنه، فكتب إلي:
لا تهجر الأمراء من بعدوا علىفرس الح قيراط
فكتب إليه جحظة:
من كان خادم مثلكم فجوادهفرس الحفاء ودينه طسّوج
قال جحظة: كنت أعشق جارية في القيان، يقال لها شروين. فسكرت عندي ليلةً، فخرئت في سطلي وحميديتي وانصرفت. فكتب إلي الهداهدي:
قد زارني خلٌّ أسرّ بهحلو الشمائل راجح العقل
فبحقّ شروين التي خرئتفي الطست والابريق والسطل
إلا أتيت مبادراً عجلاًوأرحت من نكد ومن مطل
حتى أراك إذا سكرت وقدشاركتها في ذلك الفعل!
ولجحظة، إلى ابن طرخان يدعوه:
لنا يا أخي زلةٌ وافرهوقدرٌ معجّلة حاضره
وما شئت من خبر طيبونادرة بعدها نادره
وراحٍ تريك إذا صفّقتسنا البرق في الليلة الماطره
ومحسنةٍ لم يخنها الصوابوزامرةٍ أيما زامره
فايت ولو كنت يا ابن الكراموحاشاك من ذاك في الآخره
ألست أدري أين الفؤاد مقيماًيا مكان الفؤاد، أين الفؤاد؟
دفعته الأحشاء عما يليهافأذابته حرقةٌ واتقاد
وله:
نأيت فلم ينأ عنه الضّنىوعدت فعاد إلى نكسه
وفارقه الصبر في يومهلما فاته منك في أمسه
ومستوحشٍ آنسٍ بالبكاءعلى قلبه وعلى انسه
يرقّ هواه لأحشائهويرثي له الشوق من نفسه
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع