من «الديارات» لأبي الفرج الأصبهاني (ت ٣٥٦هـ)
دير العذارى
دير العذارى: للراهبات في المشرق العربي، ديارات عديدة، أشرنا إلى بعضها في المقدمة.
- نوّه الشابشتي بالدير الموجود في قطيعة النصارى ببغداد في عصره، قائلاً: " وببغداد أيضاً دير يعرف ب " دير العذارى " في قطيعة النصارى على نهر الدجاج. وسمي بذلك لأن لهم صوم ثلاثة أيام قبل الصوم الكبير، يسمى صوم العذارى. فإذا انقضى الصوم، اجتمعوا إلى هذا الدير فتعبدوا وتقربوا. وهو دير حسن ".
- قال الخالدي: وشاهدته وبه نسوة عذارى وحانات خمر، وإن دجلة أتت عليه بمدودها فأذهبته حتى لم يبق منه أثر، وذكر أنه اجتاز به في سنة هـ وهو عامر.
- دير العذارى: كان ديراً للرواهب السريانيات في بغداد، في قطيعة النصارى، حيث كانت بيعة مار توما للسريان. ذكره ابن العبري في أحداث سنة هـ، وسماه دير الأخوات، وقال: إن قوماً من السوقة حاولوا نهبه، ثم ولوا عنه هاربين لنبأ أتاهم أن خلقاً من الأوباش هلكوا في حريق نشب في البيعة المذكورة بفعلهم..
- وانظر: المشترك وضعاً.
- مراصد الإطلاع:.
- مسالك الابصار البدور المسفرة بغداد في عهد الخلافة العباسية.
- ري سامراء في عهد الخلافة العباسية،.
- الديارات النصرانية في الإسلام.
- دليل خارطة بغداد،.
- أحوال نصارى بغداد.
دير العذارى
قال أبو الفرج الأصبهاني: هو بين أرض الموصل وبين أرض باجرمى من أعمال الرقة، وهو دير عظيم قديم، وبه نساء عذارى قد ترهَّبن وأقمن به للعبادة فسمي به لذلك، وكان قد بلغ بعض الملوك أن فيه نساء ذوات جمال، فأمر بحملهن إليه ليختار منهن على عينه من يريد، وبلغهن ذلك فقمن ليلتهن يصلين ويستكفين شره، فطرق ذلك الملك طارق فأتلفه من ليلته فأصبحن صياماً، فلذلك يصوم النصارى الصوم المعروف بصوم العذارى إلى الآن. ودير العذارى بسر من رأى إلى الآن موجود، يسكنه الرواهب.
وقد ذكرت هذا الدير الشعراء فأكثرت. فمنهم أبو الحسن جحظة البرمكي، قال أبو الفرج الحسين بن علي الأصبهاني أنشدني لنفسه قوله فيه:
ألا هل إلى دير العذارى ونظرةإلى الخير من قبل الممات سبيلُ؟
وهل لي بسوق القادسية سكرةتعلل نفسي والنسيم عليلُ؟
وهل لي بحانات المطيرة وقفةأراعي خروج الزق وهو حميلُ
إلى فتية ما شتت العزل شملهمشعارهم عند الصباح شمولُ
وقد نطق الناقوس بعد سكوتهوشمعل قسيس ولاح فتيلُ
يريد انتصاباً للمقام بزعمهويرعشه الإدمان فهو يميلُ
يغني وأسباب الصواب تمدهوليس له فيما يقول عديلُ:
" ألا هل إلى شم الخزامى ونظرةإلى قرقرى قبل الممات سبيلُ؟ "
وثنّى يغني وهو يلمس كأسهوأدمعه في وجنتيه تسيلُ:
" سيعرض عن ذكري وينسى مودتيويحدث بعدي للخليل خليلُ "
سقى الله عيشاً لم يكن فيه علقةلهم ولم ينكر عليه عذولُ
لعمرك ما استحملت صبراً لفقدهوكل اصطبار عن سواه جميلُ
قال: ولما خرج عبيد الله بن عبد الله بن طاهر من بغداد إلى سر من رأى، وكان المعتز استدعاه، نزل هذا الدير، فأقام به يومين واستطابه وشرب به، ثم قال هذه الأبيات:
ما ترى طيب وقتنا يا سعيدزمن ضاحك وروض نضيدُ
ورياض كأنهن برودكل يوم لهن صبغ جديدُ
وكأن الشقيق فيها عشيقوكأن البهار صب عميدُ
وكأن الغصون ميلاً قدودوكأن النوار فيها عقودُ
وكأن الثمار والورق الخضر ثياب من تحتهن نهودُ
فاسقنيها راحاً تريح من الهم وتبدي سرورنا وتعيدُ
واحثث الكأس يا سعيد فقد حثك ناي لها وحرك عودُ
وافترع عذرة اللذاذات في دير العذارى، فعلها لا تعودُ!
وذكر ابن قدامة قال:
حضرت جنازة شاجي، فلما انصرفنا، دخلت مع عبيد الله مساعداً له ومؤنساً، وهو مطرق ودموعه تجري على خديه، فلم أر باكياً أحسن منه. ثم رفع رأسه وأقبل علينا، فقال:
يميناً بأني لو بليت بفقدهاوبي نبض عرق للحياة وللنكس
لأوشكت قتل النفس عند فراقهاولكنها ماتت وقد ذهبت نفسي
قال: ثم حضرت معه لزيارة قبرها، فلما همَّ بالانصراف، قال:
من زار دار أحبة لحياتهمولما يؤمل من لقاء يقدرُ
فليأت دار أحبة سكنوا البلىكرماً وحفظاً واللقاء المحشرُ
قال: ومات ابن لعبيد الله من شاجي، فزار قبره، ثم أنشد:
أيا مجمع الأحباب بعد تفرقأراك قريباً والتلاقي شاسعاً
فيا عجباً إني أزورك مكرهاًوفيك الأولى أهوى وأجفوك طائعاً
قال جحظة: دخلت على عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يوماً، فجاءه مشيخة، فأمرهم بالجلوس عن يمينه، وجاء كهول فأمرهم بالجلوس عن شماله، ودخل أحداث فوقفوا بين يديه ولم يأمرهم بالجلوس. فسألته عنهم، فقال: هؤلاء بنيّ، وأومأ إلى الشيوخ، وهؤلاء بنوهم وأومأ إلى الكهول، وهؤلاء بنوهم وأومأ إلى الأحداث.
قلت: بنوك لأم أو لأمهات شتى؟ قال جميعهم: شاجي.
وأنشد:
زرعت وشاجي بيننا في شبيبتيغراس الهوى فاعتم بالثمر العذب
فشاب بنو شاجي لظهري وأدركواوشاب بنوهم وهي مالكة قلبي
قال: وهي معي مذ سبعون سنة.
وكان بعض المنجمين حكم بموته قبلها، فماتت قبله، فقال:
فيا عجباً مني وممن رعيتهبأوكد أسباب الهوى ورعاني
وكنت أرجي أن أكون فداءهفلما أتى وقت الحمام فداني
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع