من «صفة جزيرة العرب» للهمداني (ت ٣٣٤هـ)
الغدو إلى منى
وانجاب ليل ودنا النهارسار إمام الناس ثم ساروا
مع كل مرء منهم أحجارسبع لطاف صنع صفارا
ثم مضوا عليهم وقارلجمرة من دونها جمار
ثم رموها ولهم كباروحلقوا وذبحوا وازداروا
يوماً به للبدن مستطارمن طول ما يشحذها الشفار
مرء محذوف من امرىءٍ ومن المرء فأقامه مقام امرىءٍ وهذا موجود، صنع مما قصروها، وقوله كبار يريد تكبير إلا أنه أخرجه على لغة من يقول: الترحاب والتكسار وغيره خير منه قال أبو زبيد.
فثار الزاجرون فزاد منهم تقراباً فصادفه ضبيس
ثم منى تُلقى بها الرحالوكان فيها الناس لم يزالوا
لكل مرء منهم ظلالقد حل للقوم بها الحلال
أيام تشريق لها إجلالما هو إلا الرمى والإقبال
وبيع كأنها الأنفالوالبذل للسائل والنوال
يومين ثم الثالث ارتحالحتى إذا ما عرف الزوال
ظلال: خيمة أو مضرب، ما هو إلا الرمي والإقبال أي الرجوع إلى الرحال، يقال للمدبر أقبل، أي ارجع نحوي، وبيع جماعة بيعة من بيعات البضائع كأنها الغنائم، وهي الأنفال، ثم الثالث ارتحال، أي ثم الثالث فيه ارتحالٌ ونفورٌ.
دعا فأشجاني لنفر داعيوقد رميت بحصىً تباع
الجمرات غير ما مضياعالتمس السّنة باتباع
ثم نميت الكور ذا الأنساععلى أمون حرة ملاع
ثم اتيت البيت للوداعفقلت: يا قابل سعي الساعي
إني دنا عن بيتك انتجاعيفاغفر ذنوبي يا مجيب الداعي
ملاع، سريعة خاطفة للشأو، ومنه عقاب ملاع قال: ولت بذمته عقاب ملاع
وقلت للحادي القراقريإذكر قريشاً أسرة النبي
أهل الندى والمعقل الأبيوالحلم إن طاش ذوي الندى
واختص منهم: ولد الوصيبني الإمام المرتضى علي
ليث الوغى والحكم المرضيذاك على رغم العدى وليي
وإلى لواء الحمد والنجيوالحوض حوض المصطفى الروي
القراقري من القرقرة، والندي النادي.
من هاشم في البيت ذي الدعائموالفرع من فروعها السلاجم
السادة الجحاجح القماقمالأولين، السُّبَّق الأقادم
حتف المعادي وغنى المسالمهم سبقوا الأقوام بالمكارم
أئمة الناس لدى المواسمعلى مُنى الراضي ورغم الراغم
أكارم غُرِّ بني أكارمفمن إذن يدعى كحي هاشم
بني عليّ وبني العباسالطيبين النجب الأكياس
خلائف الأرض هداة الناسأهل الندى العالي وأهل الباس
لباب جنس أفضل الأجناسحازوا ثرى أصل وفرع قاسي
شم العرانين لأصل راسكم شيدوا بالجود من أساس
فهم من الناس مكان الراسما إن لهم في الناس من مقياس
وحي تيم أسرة الصديقأهل المعالي والثرى العتيق
ما مثلهم في الناس من فريقيلفى ولا تلقاه في طريق
الهالكي العداة للصديقوالكاشفين الكرب ذا المضيق
وكل هول مفظع محيقوكل خصم للندا منطيق
بكل ماضي الحد كالعتيقوكل طرف ضامر عتيق
واذكر بما هم أهله عديارهط إمام لم يزل نديا
للدين نصراً أيدا قوياخليفة مقدماً مرضيا
هاد إلى باب الهدى مهديافذاك قدما صاحب النبيا
قد سمي الفاروق أريحيابالدين طبّاً، وبه معنيا
موفقاً مسدداً وفياكاف لما حملته مليا
ولست بالقالي لعبد شمسكتاب وحي الصلوات الخمس
لباب جنس يا له من جنسمقابل الأسعد نائي النحس
هم سبقوا الأقوام سبق الأمسوالسادة الشم الكماة القعس
الفاتحي باب خطاب اللبسوالمشترين الحمد لا بالبخس
وفي الوغا الأسد ذوات الفرسشمس اللقاء كل يوم شكس
وفي بني زهرة مجد وكرموسؤود ضخم بطاميء خضم
هم معدن العلم أرباب النعموقادة الخيل وضراب البهم
فرع أصيل مستطيل في الحرمفي اصله الراسخ والفرع الأشم
في البيت ذي العز القديم والدعموالمطعمين الناس في العام الأزم
والمدركي أعلى عظيمات الهممهم خولة؟ البر الصدوق في القسم
واذكر ولا تنس بني مخزومأرباب مجد تالد قديم
وأهل عز باذخ عظيملباب فرع ناضر صميم
أخوال بر صادق رحيممتالد في الحجر والحطيم
فعرفات فإلى التنعيملم ينزلوا بالمنزل الرميم
من النجار الأعرق الكريمكم فيهم من ذي ندى حليم
وعصمة الحي وحصن الجارواذكر بحسن الذكر عبد الدار
فرع السرات السادة الأخيارفي الذروة العلياء من نزار
سدان بيت الله ذي الأستاروجاره بالبر خير جار
لهم نجار أيما نجارسقياً لهم من معشر أبرار
لم تحمل العيس على الأكوارمثلهم يوماً لزند وار
السدان والسدنة الحجبة، وهم الحدادون والحداد الحاجب، حده منعه.
تلك قريش العز في بطاحهافي ملكها العالي وفي صلاحها
لم تحمل العيس على صفاحهامثل قريش العز في ارتياحها
لم تطلب الحاجات لاستنجاحهالدى سنين المحل في إلحاحها
عن مثلها للعفو في سماحهاولم ترد الخيل عن جماحها
شائكة الأبطال في سلاحهابمثلها يعصى على رماحها
شائك من الشوكة ويقلب فيقال شاكي السلاح، ويعصي بالسيوف ولا يعصو.
ودعت من ودعت وسط الحجرمنهم بلا ذنب ولا عن هجر
بل آذنتني صحبتي للنَّفروهاجني شوق وبعض الذكر
إلى هجان عيطموس بكرشقت من الشمس وضوء البدر
فقلت للحادي المجيد المطي:طرِّب لها في نعبات الزجر
في أينقٍ كالقطوات الكدرثم النجا قضيت بعض العذر
فقال لي قولاً على إشفاقلمّا رأى من شدة اشتياقي
من دمع عين سرب رقراقأمؤذنٌ لي أنت بالفراق؟
فقلت: إني قد دنا انطلاقيأوصيك بالعهد وبالميثاق
والرفق والصافي من الأخلاقوكن على خير وقاك الواقي
وتحت رحلي ذات نحض باقمهرية ناتئة الأعراق
أعلو بها الأبطح والصفاحافالفج من نخلته إذ شاحا
تنهض من بوباتها مراحالورد قرن تعجل الرواحا
واضطرحت أثفيَّها اضطّراحاحتى إذا ما أتت البراحا
أمت سهيلاً غلساً إذ لاحاوشربٌ طاحت به مطاحا
طيا على جلدان وامتساحاحتى رأت بأوقح الصباحا
اضطرحت افتعلت من الضرح، وهو حذف الحجارة بحافر رجل الفرس.
واردة بأول الورادبراكب ذي همة طراد
مكتحل بالشوق والسهادثم اغتدت قبل غدو الغادي
فغادرت صفنا على انحرادلمسحب وخدا هداها الهادي
ثم على ناهية النجدطيا إلى بريدد
كأنها من خوف ز، ر الحاديأحقب مشعوف من الصياد
ثم اغتدت والنجم ما تصوباتؤم في الأفق اليماني الكوكبا
من كركر تغشى الكراع الأخصباوفي كرا تختال ليلاً غيهبا
تعلو من الحرة خشنا أخشباوتارة تعلو سهوبا سهبا
حتى إذا جنح الظلام غرباأوردتها أعقاب ليلٍ أجربا
صادية حرَّى تريد المشرباثم اغتدت منه غدواً شوذبا
شوذبا أي منجردا، الأخشب الحرش من الأرض المخالط حزونة خشنة.
مختالة تمرح في هبابهاكالقينة العذراء في شبابها
تعلو سهول الأرض مع صعابهاإلى القريحاء بأعلى دأبها
إلى رياض الخيل في انسلابهامثل قطاة الخمس في انصبابها
حتى أتت في الوقت من إيابهاقبالة النخل على أتعابها
ناسلة في النخل لا عن بابهامرّاً فلم تلو على قضابها
أي على علافها.
إلا لتقويت على بدارأو لهمة في شرع زخار
ذاك ضوء الشمس ذو اسفراثم استطارت أي مستطار
ناجية تؤم ذا سماربراكب ذي همة مسفار
مستشعر من ألم التذكارشوقاً على القلب كلذع النار
إلى فتاة غرَّة معطارحوراء كالبدر التمام الساري
ما زال ذاك حالها وحاليتغشى ظلام الليل والأهوال
حتى أتت ترجا على إحمالوبيشة النخل بلا إغفال
مجفلة مثل الظليم التاليللجسداء الشرع السلسال
فصبحت ماءً جبا خاليوقد بدا ضوء النهار العالي
بذي نشاطٍ غير ما مكسالل
تم استطفت كقطاة الحقفعن منزل شأزٍ قليل الوقف
تعتسف الموماة أي عسفبراكب لم يدر ماذا يخفي
في القلب من شوق مشاد الحتفإلى هجان ذات فرع وحف
وواضح ألمى برود الرشفومخمص أهيف رابي الردف
يا ناق ما يجديك ذا من وصفيهيدي هيا بنا بجد الوجف
استطفت: استعلت من طف الطائر فو ق الأرض، شأز وشائز واحد صعب فيه التواء وأصله شائز مثل هائر وهار. مشاد أيهو أصل.
ثم اغتدت مزمعة الذهابإلى تلاع بمصير داب
للرّبضانت غير ما مرتابإلى صنان الوعث ذي النكات
إلى بنات حرب فاجتابيلمنهل في الشعب ذي الشعاب
ثم اصدري منه إلى هرجابلابني ددٍ فجلجل الأحزاب
وبعد جر أبت للمثابيبمبما محمودة الإياب
حتى إذا أوردتها يبمبماوالليل قد ألقى جرانا مظلما
لم تبغ عند الورد أن تلعثماإلا لأن تشرب أو تلقما
ثم زجرت العنتريس العيهمالأطب تخصف جنحا أدهما
فاحتدمت بغير ليلٍ كلماقلت ونت ثابت بوخد أحذما
فصبحت والليل قد تجرماكتنة إذ كانت لورد معلما
قلت وقد غابت هواي الأنجميا موقدم
ثم أتت في عطل يوم النومفهب من نشوة يوم ينتمي
أنا ابن شهران كرام المعجمنسأل من كان إمام الموسم
قلت له به مقال لا مجمجم:شيخ بني العباس فاعلم وافهم
وانصدعت عنه خنوفٌ ترتميتعسف ديجور الظلام المظلم
فوقعت من بعد طول الأينفي المنهل المخصب ذي البئرين
ثم استدفت كأبى فرخينمحفدة من خوف داعي البين
سامية بالطرف واليدينتلوي بذيال على الحاذين
كما لوى الأمرَّ كفُّ القينفصادفت معضاً عراعرين
ثم على الشفشف ذي الميلينثم مغشّاها سروم العين
يريد جوف الثجة وأسفل مسيله بذوات عش وكأنه مضاف إلى داعي البين رجل أو جبل كما قيل لجبل بأعلى نجران قاضي يريد قاضي
دين. قال الراجز:
لما رأى قاضي دين بانابكبة فاقتحم الزيدانا
موضع، محفدة من خوف داعي البين ولا معنى لذا والناقة لا يروعها داعي البين ولكنه مما غير على الرّداعي وبقي َبتغييره والجوف في الموضع الذي وقعت فيه.
حتى إذا أوردتها سروماحيث ترى الآبار والكروما
خوت نزوّاً رحلة محطوماكما رأيت الزَّيف المرموما
ما كان إلا الشرب والتلقيماحتى اجر هدت حاديا رسوما
تجشم من أرينب المجشوماومن ذوات المبرح الحزوما
ما زال ذاك دأبها الصميماتصلي الحزابي مارنا جريما
فكم طوت في ظلم الحنادسوخدا إلى الطلحة من نسانس
صح طود حانسووعث سجع في ظلام دامس
فأصبحت قبل رجاء الآنسبالعرض من غدوة يوم الخامس
براكب مستشعر الملابسمستيقظ الهامة غير ناعس
تعتسف البيد بلا مؤنس
ثم اعتلت بطن سروم وخداأمّاً إلى صعدة سيرا قصدا
براكب ألقى الكرى والرقدايرعى على النأى لهند عهدا
لما رأى عيسى المسير الجداألقت بها وند درٍ والصدا
السهل تطويه وتعلو النجداحتى أتت صعدة تشكو الكدا
ناسلة تسبق فيها الوفداما كان إلا لُقماً ووردا
في منزل كان لها موافقسهل لدى قتّ وحوض رائق
لو أخطأت همّي لسبق السابقثم اشمعلت في ظلام غاسق
تؤم من قضان أعلى الخانقوأعينا للماس والغرانق
لطمؤٍ تدعس في شبارقفصبحت خيوان ذا الحدائق
والفجر لما لاح في المشارقبراكب يكتم شأن العاشق
لم يحتسب كان كما قال الفرزدق:
بقية معشر كانوا كرام
حتى ترامت بعقاب الفقععن المعيدين كسهم النزع
أما إلى جرفة ذات الفرعثم عجيباً بانحدار وضع
خفضا إلى ريدة بعد الرفعحتى أتتها في فوات الجمع
بنعمة الله الجليل الصنعومنه الضخم وحسن الدفع
ثم انتحت بعد منام السابعضامرة مثل الهلال الخالع
لمنقل الحيفة ذي المجازعتحن من شوق حنين النازع
لمرمل ذي الوعث والكوارعفصبحت عند الصباح الطالع
صنعاء من غدوة يوم السابعبنعمة الله الجليل الصانع
ومنه والفضل منه الواسعالمحسن المعطي العزيز المانع
ثم انتحت تجتاب عرض الحقلبراكب تاج قليل الثِّقل
همتها يكلى بسير مجلفاحتدمتها قبل فيء الظل
تضيف بوسان اعتساف الهقلوجبنا منها بوخد رسل
قلت لها لما استوت في السهلمن جبن: يا ناق أهلي أهلي
ألقي بغربي رداع رحليبمنّ ربي ذي العلى والفضل
ثم اسلمي يا ناق ما بقيتوارعي سميّ لعرش حيث شيت
ومن ش القهر ما هويتوالشط إن أسهلته رعيت
والشرع الريان إن ظميتلأي ماء بقرى سقيت
يا نفس هل شكر لما أوليتمن صنع رب منشيء مميت
تبارك الرحمن من مقيتسبحانه من منيء مميت
فالحمد لله على إحسانهوفضله المعروف وامتننانه
سيرنا ذو اللطف في بلدانهفي رزقه العفو وفي أمانه
حتى أتينا البيت في مكانهثم قضينا شأننا من شأنه
من طوفه والمسح من أركانهثم هدانا الله في ضمانه
كلا إلى المحبوب من أوطانهمع الذي يأمل من غفرانه
كملت الأرجوزة وكمل بكمالها كتاب جزيرة العرب والحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد خاتم النبيين وآله وصحبه الطاهرين وسلام.
النص من طبعة بريل في ليدن (١٨٨٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع