تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)

في السر والإنشاء

ولما أجاز السلطان أبو سالم من الأندلس لطلب مالكه، ونزل بجبل الصفيحة من بلاد غماره. وكان الخطيب ابن مرزوق بفاس، فبث دعوته سراً، واستعان بي على أمره، بما كان بيني وبين أشياخ بني مرين من المحبة والائتلاف، فحملت الكثير منهم على ذلك، وأجابوني إليه، وأنا يومئذ أكتب عن القائم بأمر بني مرين، منصور بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق، وقد نصبوه للملك، وحاصروا الوزير الحسن بن عمر، وسلطانه السعيد ابن أبي عنان، بالبلد الجديد، فقصدني ابن مرزوق في ذلك، وأوصل إلي كتاب السلطان أبي

سالم. بالحض على ذلك، وإجمال الوعد فيه. وألقى علي حمله، فنهضت به، وتقدمت إلى شيوخ بني مرين، وأمراء الدولة بالتحريض على ذلك، حتى أجابوا؛ وبعث ابن مرزوق إلى الحسن بن عمر، يدعو إلى طاعة السلطان أبي سالم، وقد ضجر من الحصار، فبادر إلى الإجابة. واتفق رأي بني مرين على الانفضاض عن منصور بن سليمان، والدخول إلى البلد الجديدة؛ فلما تم عقدهم على ذلك نزعت إلى السلطان أبي سالم في طائفة من وجوه أهل الدولة، كان منهم محمد بن عثمان بن الكاس، المستبد بعد ذلك بملك المغرب على سلطانه، وكان ذلك النزوع مبدأ حظه، وفاتحة رياسته، بسعايتي له عند السلطان؛ فلما قدمت على السلطان بالصفيحة، بما عندي من أخبار الدولة، وما أجمعوا عليه من خلع منصور بن سليمان، وبالموعد الذي ضربوه لذلك، واستحثتته فارتحل، ولقينا البشير بإجفال منصور ابن سليمان، وفراره إلى نواح بادس، ودخول بني مرين إلى البلد الجديد، وإظهار الحسن بن عمر دعوة السلطان أبي سالم. ثم لقيتنا، بالقصر الكبير، قبائل السلطان، وعساكره، على راياتهم، ووزير منصور بن سليمان، وهو مسعود بن رخو بن ماساي، فتلقاه السلطان بالكرامة كما

يجب له، واستوزره نائباً للحسن بن يوسف بن علي بن محمد الورتاجني السابق إلى وزارته، لقيه بسبتة، وقد غرَّبه منصور بن سليمان إلى الأندلس، فاستوزره واستكفاه.

ولما اجتمعت العساكر عنده بالقصر، صعد إلى فاس. ولقيه الحسن بن عمر بظاهرها، فأعطاه طاعته، ودخل إلى دار ملكه وأنا في ركابه، لخمس عشرة ليلة من نزوعي إليه، منتصف شعبان ستين وسبعمائة، فرعى لي السابقة، واستعملني في كتابة سره، والترسيل عنه، والإنشاء لمخاطباته، وكان أكثرها يصدر عني بالكلام المرسل، أن يشاركني أحد ممن ينتحل الكتابة في الاسجاع، لضعف انتحالها، وخفاء العالي منها على أكثر الناس، بخلاف المرسل، فانفردت به يومئذ،

وكان مستغرباً عندهم بين أهل الصناعة.

ثم أخذت نفسي بالشعر، فانثال علي منة بحور، توسطت بين الإجاعة والقصور، وكان مما أنشدته إياه، ليلة المولد النبوي من سنة اثنتين وستين وسبعمائة:

أسرفن في هجري وفي تعذيبيوأطلن موقف عبرتي ونحيبي
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
وأبين يوم البين وقفة ساعةلوداع مشغوف الفؤاد كئيب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
لله عهد الظاعنين وغادرواقلبي رهين صبابة ووجيب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
غربت ركائبهم ودمعي سافحفشرقت بعدهم بماء غروب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
يا ناقعاً بالعتب غلة شوقهمرحماك في عذلي وفي تأنيبي
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
يستعذب الصب الملام وإننيماء الملام لدي غير شروب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
ما هاجني طرب ولا اعتاد الجوىلولا تذكر منزل وحبيب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
أهفو إلى الأطلال كانت مطلعاًللبدر منهم أو كناس ربيب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
عبثت بها أيدي البلى وترددتفي عطفها للدهر أي خطوب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
تبلى معاهدها وإن عهودهاليجدها وصفي وحسن نسيبي
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
وإذا الديار تعرضت لمتيمهزته ذكراها إلى التشبيب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
إيه عن الصبر الجميل فإنهألوى بدين فؤادي المنهوب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
لم أنسها والدهر يثني صرفهويغض طرفي حاسد ورقيب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
والدار مونقة محاسنها بمالبست من الأيام كل قشيب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
يا سائق الأظعان يعتسف الفلاويواصل الإسْآد بالتأويب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
متهافتاً عن رحل كل مذللنشوان من أَيْنٍ ومس لُغُوبِ
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
تتجاذب النفحات فضل ردائهفي ملتقاها من صباً وجنوب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
إن هام من ظمإ الصبابة صحبهنهلوا بمورد دمعه المسكوب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
أو تعترض مسراهم سدف الدجىصدعوا الدجى بغرامه المشبوب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
في كل شعب منية من دونهاهجر الأماني أو لقاء شعوب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
هلا عطفت صدورهن إلى التيفيها لبانة أعين وقلوب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
فتؤم من أكناف يثرب مأمناًيكفيك ما تخشاه من تثريب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
حيث النبوة أيها مجلوةتتلو من الآثار كل غريب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
سر عجيب لم يحجبه الثرىما كان سر الله بالمحجوب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»

ومنها بعد تعديد معجزاته ﷺ، والإطناب في مدحه:

إني دعوتك واثقاً بإجابتييا خير مدعو وخير مجيب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
قرت في مدحي فإن يك طيباًفبما لذكرك من أريج الطيب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
ماذا عسى يبغي المطيل وقد حوىفي مدحك القرآن كل مطيب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
يا هل تبلغني الليالي زورةتدني إلي الفوز بالمرغوب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
أمحو خطيئاتي بإخلاصي بهاوأحط أوزاري وإصر ذنوبي
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
في فتية هجروا المنى وتعودواإنضاء كل نجيبة ونجيب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
يطوي صحائف ليلهم فوق الفلاما شئت من خبب ومن تقريب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
إن رنم الحادي بذكرك رددواأنفاس مشتاق إليك طروب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
أو غرد الركب الخلي بطيبةحنوا لمغناها حنين النيب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
ورثوا اعتساف البيد عن آبائهمإرث الخلافة في بني يعقوب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
الطاعنين الخيل وهي عوابسيغشى مثار النقع كل سبيب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
والواهبين المقربات صوافناًمن كل خوار العنان لعوب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
والمانعين الجار حتى عرضهفي منتددى الأعداء غير معيب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
تخشى بوادرهم ويرجى حلمهموالعز شيمة مرتجى ومهيب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»

ومنها في ذكر إجازته البحر، واستيلائه على ملكه:

سائل به طامي العباب وقد سرىتزجيه ريح العزم ذات هبوب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
تهديه سهب أسنة وعزائميصدعن ليل الحادث المرهوب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
حتى انجلت ظلم الضلال بسعيهوسطا الهدى بفريقها المغلوب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
يا بن الألى شادوا الخلافة بالتقىواستأثروك بتاجها المغصوب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
جمعوا لحفظ الدين أي مناقبكرموا بها في مشهد ومغيب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
لله مجدك طارفاً أو تالداًفلقد شهدنا منهن كل عجيب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
كم رهبة أو رغبة بك والعلىتقتاد بالترغيب والترهيب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
لا زلت مسروراً بأشرف دولةيبدو الهدى من أفقها المرقوب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»
تحيي المعالي غادياً أو رائحاًوحديد سعدك ضامن المطلوب
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «أسرفن في هجري وفي تعذيبي»

ومن قصيدة خاطبته بها عند وصول هدية ملك السودان إليه، وفيها الحيوان الغريب المسمى بالزرافة:

قدحت يد الأشواق من زنديوهفت بقلبي زفرة الوجد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
ونبذت سلواني على ثقةبالقرب فاستبدلت بالبعد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
ولرب وصل كنت آملهفاعتضت منه بمؤلم الصد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
لا عهد عند الصبر اطلبهإن الغرام أضاع من عهدي
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
يلحى العدول فما أعنفهوأقول ضل فأبتغي رشدي
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
وأعارض النفحات أسألهابرد الجوى فتزيد في الوقد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
يهدى الغرام إلى مسالكهالتعللي بضعيف ما تهدي
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
يا سائق الأظعان معتسفاًطي الفلاة لطية الوجد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
أرح الركاب ففي الصبا نبأيغني عن المستنة الجرد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
وسل الربوع برامة خبراًعن ساكني نجد وعن نجد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
ما لي تلام على الهوى خلقيوهي التي تأبى سوى الحمد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
لأبيت إلا الرشد مذ وضحتبالمستعين معالم الرشد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
نعم الخليفة في هدى وتقىوبناء عز شامخ الطود
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
نجل السراة الغر شأنهمكسب العلى بمواهب الوجد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»

ومنها شي ذكر خلوصي إليه، وما ارتكبته فيه:

لله مني إذ تأوبنيذكراه وهو بشاهق فرد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
شهم يفل بواتراً قضباًوجموع أقيال أولي أيد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
أوريت زند العزم في طلبيوقضيت حق المجد من قصدي
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
ووردت عن ظمأ مناهلهفرويت من عز ومن رفد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
هي جنة المأوى لمن كلفتآمائه بمطالب المجد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
لو لم أعل بورد كوثرهاما قلت هذي جنة الخلد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
من فبلغ قومي ودونهمقذف النوى وتنوفة البعد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
أني أنفت على رجائهموملكت عز جميعهم وحدي
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
ورقيمة الأعطاف حاليةموشية بوشائع البرد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
وحشية الأنساب ما أنستفي فوحش البيداء بالقود
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
تسمو بجيدٍ بالغ صعداًشرف الصروح بغير ما جهد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
طالت رءوس الشامخات بهولربما قصرت عن الوهد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
قطعت إليك تنائفاً وصلتإسآدها بالنص والوخد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
تخدي على استصعابها ذللاًوتبيت طوع القن والقد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
بسعودك اللائي ضمن لناطول الحياة بعيشه رغد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
جاءتك في وفد الأحابش لايرجون غيرك مكرم الوفد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
وافوك أنضاء تقلبهمأيدي السرى بالغور والنجد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
كالطيف يستقري مضاجعهأو كالحسام يسل من غمد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
يثنون بالحسنى التي سبقتمن غير إنكار ولا جحد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
ويرون لحظك من وفادتهمفخراً على الأتراك والهند
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
يا مستعيناً جل في شرفعن رتبة المنصور والمهدي
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
جازاك ربك عن خليقتهخير الجزاء فنعم ما يسدي
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»
وبقيت للدنيا وساكنهافي عزة أبداً وفي سعد
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «قدحت يد الأشواق من زندي»

وأنشدته في سائر أيامه غير هاتين القصيدتين كثيراً، لم يحضرني الآن شيء منه.

ثم غلب ابن مرزوق على هواه، وانفرد بمخالطته، وكبح الشكائم عن قربه، فانقبضت، وقصرت الخطو، مع البقاء على ما كنت فيه من كتابة سره، وإنشاء مخاطباته ومراسمه.

ثم ولاني آخر الدولة خطة المظالم، فوفيتها حقها، ودفعت للكثير مما أرجو ثوابه. ولم يزل ابن مرزوق آخذاً في سعايته بي وبأمثالي من أهل الدولة، غيرة ومنافسة، إلى أن انتقض الأمر على السلطان بسببه. وثار الوزير عمر بن عبد الله بدار الملك، فصار إليه الناس، ونبذوا السلطان وبيعته، وكان في ذلك هلاكه، على من ذكرناه في أخبارهم.

ولما مقام الوزير عمر بالأمر، أقرني على ما كنت عليه، ووفر إقطاعي، وزاد في جرايتي، وكنت أسمو، بطغيان الشباب، إلى أرفع مما كنت فيه، وأدل في ذلك بسابقة مودة معه، منذ أيام السلطان أبي عنان، وصحابة استحكم عقدها بيني وبينه، وبين الأمير أبي عبد الله صاحب بجاية، فكان ثالث أثافيتا، ومصقلة فكاهتنا. واشتدت غيرة السلطان لذلك كما مر، وسطا بنا، وتغافل عن عمر بن عبد الله لمكان أبيه من ثغر بجاية، ثم حملني الإدلال عليه أيام سلطانه، وما ارتكبه في حي من القصور بي عما أسمو إليه، إلى أن هجرته، وقعدت عن دار السلطان، مغاضبا له، فتنكر لي، وأقطعني جانباً من الأعراض، فطلبت الرحلة إلى بلدي بإفريقية. وكان بنو عبد الواد قد راجعوا ملكهم بتلمسان، والمغرب الأوسط،

فمنعني من ذلك، أن يغتبط أبو حمو صاحب تلمسان بمكاني، فأقيم عنده. ولج في المنع من ذلك، وأبيت أنا إلا الرحلة،

واستجرت في ذلك برديفه وصديقه، الوزير مسعود بن رحو بن ماساي، ودخلت عليه يوم الفطر، سنة ثلاث وستين. فأنشدته:

هنيئاً بصوم لا عداه قبولوبشرى بعيد أنت فيه منيل
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
وهنئتها من عزةٍ وسعادةٍتتابع أعوام بها وفصول
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
سقى الله دهراً أنت إنسان عينهولا مس ربعاً في حمال محول
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
فعصرك ما بين الليالي مواسملها غرر وضاحة وحجول
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
وجانبك المأمول للجود مشرعيحوم عليه عالم وجهول
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
عساك، وإن ضن الزمان منوليفرسم الأماني من سواك محيل
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
أجرني فليس الدهر لي بمسالمإذا لم يكن لي في ذراك مقيل
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
وأولني الحسنى بما أنا آملفمثلك يولي راجياً وينيل
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
ووالله ما رمت الترحل عن قلىولا سخطة للعيش فهو جزيل
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
ولا رغبة عن هذه الدار إنهالظل على هذا الأنام ظليل
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
ولكن نأى بالشعب عني حبائبشجاهن خطب للفراق طويل
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
يهيج بهن الوجد أني نازحوأن فؤادي حيث هن حلول
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
عزيز عليهن الذي قد لقيتهوأن اغترابي في البلاد يطول
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
توارت بأنبائي البقاع كأننيتخطفت أو غالت ركابي غول
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
ذكرتك يا مغنى الأحبة والهوىفطارت بقلبي أنة وعويل
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
وحببت عن سوق رباك كأنمايمثل لي نؤي بها وطلول
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
أأحبابنا والعهد بيني وبينكمكريم وما عهد الكريم يحول
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
إذا أنا لم ترض الحمول مدامعيفلا قربتني للقاء حمول
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
إلام مقامي حيث لم ترد العلىمرادي ولم تعط القياد ذلول
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
أجاذب فضل العمر يوماً وليلةًوساء صباح بينها وأصيل
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
ويذهب بي ما بين يأس ومطمعزمان بنيل المعلوات بخيل
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
تعللني عنه أمان خوادعويؤنسني ليان منه مطول
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
أما لليالي لا ترد خطوبهاويؤنسني ليان منه مطول
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
يروعني من صرفها كل حادثتكاد له صم الجبال تزول
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
أداري على الرغم العدى لا لريبةيصانع واش خوفها وعذول
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
وأغدو بأشجاني عليلاً كأنماتجود بنفسي زفرة وغليل
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
وإني وإن أصبحت في دار غربةتحيل الليالي سلوتي وتديل
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
وصدتني الأيام عن خير منزلعهدت به أن لا يضام نزيل
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
لأعلم أن الخير والشر ينتهيمداه وأن الله سوف يديل
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»
وأني عزيز بابن ماساي مكثروإن هان أنصار وبان خليل
للشاعر ابن خلدون، من قصيدة «هنيئا بصوم لا عداه قبول»

فأعانني الوزير مسعود عليه، حتى أذن لي في الانطلاق على شريطة العدول عن تلمسان، في أي مذهب أردت، فاخترت الأندلس، وصرفت ولدي وأمهم إلى أخوالهم، أولاد القائد محمد بن الحكيم بقسنطينة، فاتح أربع وستين. وجعلت أنا طريقي على الأندلس، وكان سلطانها أبو عبد الله المخلوع، حين وفد على السلطان أبي سالم بفاس، وأقام عنده، حصلت لي معه سابقة وصلة ووسيلة خدمة، من جهة وزيره أبي عبد الله بن الخطيب، وما كان بيني وبينه من الصحابة، فكنت أقوم بخدمته، وأعتمل في قضاء حاجاته في الدولة. ولما أجاز، باستدعاء الطاغية لاسترجاع ملكه، حين فسد ما بين الطاغية وبين الرئيس المتوثب عليه بالأندلس من قرابته، خلفته فيمن ترك من عياله وولده بفاس، خير خلف، في قضاء حاجاتهم، وإدرار أرزاقهم، من المتولين لها، والاستخدام لهم. ثم فسد ما بين الطاغية وبينه، قبل ظفره بملكه، برجوعه عما اشترطه له، من التجافي عن

حصون المسلمين التي تملكها بأجلابه، ففارقه إلى بلد المسلمين، ونزل بأسجة. وكتب إلى عمر بن عبد الله يطلب مصراً ينزله، من أمصار الأندلس الغربية، التي كانت ركاباً لملوك

المغرب في جهادهم. وخاطبني أنا في ذلك، فكنت له نعم الوسيلة عند عمر، حتى تم قصده من ذلك. وتجافى عن رندة وأعمالها، فنزلها وتملكها، وكانت دار هجرته، وركاب فتحه، وملك منها الأندلس أواسط ثلاث وستين، واستوحشت أنا من عمر، إثر ذلك كما مر. وارتحلت إليه، معولاً على سوابقي عنده، فغرب في المكافأة كما نذكر (إن شاء الله تعالى).

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من التَّعريف بابن خَلدون ورحلته غربا وشرقا

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.