من «رحلة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)
في السر والإنشاء
ولما أجاز السلطان أبو سالم من الأندلس لطلب مالكه، ونزل بجبل الصفيحة من بلاد غماره. وكان الخطيب ابن مرزوق بفاس، فبث دعوته سراً، واستعان بي على أمره، بما كان بيني وبين أشياخ بني مرين من المحبة والائتلاف، فحملت الكثير منهم على ذلك، وأجابوني إليه، وأنا يومئذ أكتب عن القائم بأمر بني مرين، منصور بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق، وقد نصبوه للملك، وحاصروا الوزير الحسن بن عمر، وسلطانه السعيد ابن أبي عنان، بالبلد الجديد، فقصدني ابن مرزوق في ذلك، وأوصل إلي كتاب السلطان أبي
سالم. بالحض على ذلك، وإجمال الوعد فيه. وألقى علي حمله، فنهضت به، وتقدمت إلى شيوخ بني مرين، وأمراء الدولة بالتحريض على ذلك، حتى أجابوا؛ وبعث ابن مرزوق إلى الحسن بن عمر، يدعو إلى طاعة السلطان أبي سالم، وقد ضجر من الحصار، فبادر إلى الإجابة. واتفق رأي بني مرين على الانفضاض عن منصور بن سليمان، والدخول إلى البلد الجديدة؛ فلما تم عقدهم على ذلك نزعت إلى السلطان أبي سالم في طائفة من وجوه أهل الدولة، كان منهم محمد بن عثمان بن الكاس، المستبد بعد ذلك بملك المغرب على سلطانه، وكان ذلك النزوع مبدأ حظه، وفاتحة رياسته، بسعايتي له عند السلطان؛ فلما قدمت على السلطان بالصفيحة، بما عندي من أخبار الدولة، وما أجمعوا عليه من خلع منصور بن سليمان، وبالموعد الذي ضربوه لذلك، واستحثتته فارتحل، ولقينا البشير بإجفال منصور ابن سليمان، وفراره إلى نواح بادس، ودخول بني مرين إلى البلد الجديد، وإظهار الحسن بن عمر دعوة السلطان أبي سالم. ثم لقيتنا، بالقصر الكبير، قبائل السلطان، وعساكره، على راياتهم، ووزير منصور بن سليمان، وهو مسعود بن رخو بن ماساي، فتلقاه السلطان بالكرامة كما
يجب له، واستوزره نائباً للحسن بن يوسف بن علي بن محمد الورتاجني السابق إلى وزارته، لقيه بسبتة، وقد غرَّبه منصور بن سليمان إلى الأندلس، فاستوزره واستكفاه.
ولما اجتمعت العساكر عنده بالقصر، صعد إلى فاس. ولقيه الحسن بن عمر بظاهرها، فأعطاه طاعته، ودخل إلى دار ملكه وأنا في ركابه، لخمس عشرة ليلة من نزوعي إليه، منتصف شعبان ستين وسبعمائة، فرعى لي السابقة، واستعملني في كتابة سره، والترسيل عنه، والإنشاء لمخاطباته، وكان أكثرها يصدر عني بالكلام المرسل، أن يشاركني أحد ممن ينتحل الكتابة في الاسجاع، لضعف انتحالها، وخفاء العالي منها على أكثر الناس، بخلاف المرسل، فانفردت به يومئذ،
وكان مستغرباً عندهم بين أهل الصناعة.
ثم أخذت نفسي بالشعر، فانثال علي منة بحور، توسطت بين الإجاعة والقصور، وكان مما أنشدته إياه، ليلة المولد النبوي من سنة اثنتين وستين وسبعمائة:
أسرفن في هجري وفي تعذيبيوأطلن موقف عبرتي ونحيبي
وأبين يوم البين وقفة ساعةلوداع مشغوف الفؤاد كئيب
لله عهد الظاعنين وغادرواقلبي رهين صبابة ووجيب
غربت ركائبهم ودمعي سافحفشرقت بعدهم بماء غروب
يا ناقعاً بالعتب غلة شوقهمرحماك في عذلي وفي تأنيبي
يستعذب الصب الملام وإننيماء الملام لدي غير شروب
ما هاجني طرب ولا اعتاد الجوىلولا تذكر منزل وحبيب
أهفو إلى الأطلال كانت مطلعاًللبدر منهم أو كناس ربيب
عبثت بها أيدي البلى وترددتفي عطفها للدهر أي خطوب
تبلى معاهدها وإن عهودهاليجدها وصفي وحسن نسيبي
وإذا الديار تعرضت لمتيمهزته ذكراها إلى التشبيب
إيه عن الصبر الجميل فإنهألوى بدين فؤادي المنهوب
لم أنسها والدهر يثني صرفهويغض طرفي حاسد ورقيب
والدار مونقة محاسنها بمالبست من الأيام كل قشيب
يا سائق الأظعان يعتسف الفلاويواصل الإسْآد بالتأويب
متهافتاً عن رحل كل مذللنشوان من أَيْنٍ ومس لُغُوبِ
تتجاذب النفحات فضل ردائهفي ملتقاها من صباً وجنوب
إن هام من ظمإ الصبابة صحبهنهلوا بمورد دمعه المسكوب
أو تعترض مسراهم سدف الدجىصدعوا الدجى بغرامه المشبوب
في كل شعب منية من دونهاهجر الأماني أو لقاء شعوب
هلا عطفت صدورهن إلى التيفيها لبانة أعين وقلوب
فتؤم من أكناف يثرب مأمناًيكفيك ما تخشاه من تثريب
حيث النبوة أيها مجلوةتتلو من الآثار كل غريب
سر عجيب لم يحجبه الثرىما كان سر الله بالمحجوب
ومنها بعد تعديد معجزاته ﷺ، والإطناب في مدحه:
إني دعوتك واثقاً بإجابتييا خير مدعو وخير مجيب
قرت في مدحي فإن يك طيباًفبما لذكرك من أريج الطيب
ماذا عسى يبغي المطيل وقد حوىفي مدحك القرآن كل مطيب
يا هل تبلغني الليالي زورةتدني إلي الفوز بالمرغوب
أمحو خطيئاتي بإخلاصي بهاوأحط أوزاري وإصر ذنوبي
في فتية هجروا المنى وتعودواإنضاء كل نجيبة ونجيب
يطوي صحائف ليلهم فوق الفلاما شئت من خبب ومن تقريب
إن رنم الحادي بذكرك رددواأنفاس مشتاق إليك طروب
أو غرد الركب الخلي بطيبةحنوا لمغناها حنين النيب
ورثوا اعتساف البيد عن آبائهمإرث الخلافة في بني يعقوب
الطاعنين الخيل وهي عوابسيغشى مثار النقع كل سبيب
والواهبين المقربات صوافناًمن كل خوار العنان لعوب
والمانعين الجار حتى عرضهفي منتددى الأعداء غير معيب
تخشى بوادرهم ويرجى حلمهموالعز شيمة مرتجى ومهيب
ومنها في ذكر إجازته البحر، واستيلائه على ملكه:
سائل به طامي العباب وقد سرىتزجيه ريح العزم ذات هبوب
تهديه سهب أسنة وعزائميصدعن ليل الحادث المرهوب
حتى انجلت ظلم الضلال بسعيهوسطا الهدى بفريقها المغلوب
يا بن الألى شادوا الخلافة بالتقىواستأثروك بتاجها المغصوب
جمعوا لحفظ الدين أي مناقبكرموا بها في مشهد ومغيب
لله مجدك طارفاً أو تالداًفلقد شهدنا منهن كل عجيب
كم رهبة أو رغبة بك والعلىتقتاد بالترغيب والترهيب
لا زلت مسروراً بأشرف دولةيبدو الهدى من أفقها المرقوب
تحيي المعالي غادياً أو رائحاًوحديد سعدك ضامن المطلوب
ومن قصيدة خاطبته بها عند وصول هدية ملك السودان إليه، وفيها الحيوان الغريب المسمى بالزرافة:
قدحت يد الأشواق من زنديوهفت بقلبي زفرة الوجد
ونبذت سلواني على ثقةبالقرب فاستبدلت بالبعد
ولرب وصل كنت آملهفاعتضت منه بمؤلم الصد
لا عهد عند الصبر اطلبهإن الغرام أضاع من عهدي
يلحى العدول فما أعنفهوأقول ضل فأبتغي رشدي
وأعارض النفحات أسألهابرد الجوى فتزيد في الوقد
يهدى الغرام إلى مسالكهالتعللي بضعيف ما تهدي
يا سائق الأظعان معتسفاًطي الفلاة لطية الوجد
أرح الركاب ففي الصبا نبأيغني عن المستنة الجرد
وسل الربوع برامة خبراًعن ساكني نجد وعن نجد
ما لي تلام على الهوى خلقيوهي التي تأبى سوى الحمد
لأبيت إلا الرشد مذ وضحتبالمستعين معالم الرشد
نعم الخليفة في هدى وتقىوبناء عز شامخ الطود
نجل السراة الغر شأنهمكسب العلى بمواهب الوجد
ومنها شي ذكر خلوصي إليه، وما ارتكبته فيه:
لله مني إذ تأوبنيذكراه وهو بشاهق فرد
شهم يفل بواتراً قضباًوجموع أقيال أولي أيد
أوريت زند العزم في طلبيوقضيت حق المجد من قصدي
ووردت عن ظمأ مناهلهفرويت من عز ومن رفد
هي جنة المأوى لمن كلفتآمائه بمطالب المجد
لو لم أعل بورد كوثرهاما قلت هذي جنة الخلد
من فبلغ قومي ودونهمقذف النوى وتنوفة البعد
أني أنفت على رجائهموملكت عز جميعهم وحدي
ورقيمة الأعطاف حاليةموشية بوشائع البرد
وحشية الأنساب ما أنستفي فوحش البيداء بالقود
تسمو بجيدٍ بالغ صعداًشرف الصروح بغير ما جهد
طالت رءوس الشامخات بهولربما قصرت عن الوهد
قطعت إليك تنائفاً وصلتإسآدها بالنص والوخد
تخدي على استصعابها ذللاًوتبيت طوع القن والقد
بسعودك اللائي ضمن لناطول الحياة بعيشه رغد
جاءتك في وفد الأحابش لايرجون غيرك مكرم الوفد
وافوك أنضاء تقلبهمأيدي السرى بالغور والنجد
كالطيف يستقري مضاجعهأو كالحسام يسل من غمد
يثنون بالحسنى التي سبقتمن غير إنكار ولا جحد
ويرون لحظك من وفادتهمفخراً على الأتراك والهند
يا مستعيناً جل في شرفعن رتبة المنصور والمهدي
جازاك ربك عن خليقتهخير الجزاء فنعم ما يسدي
وبقيت للدنيا وساكنهافي عزة أبداً وفي سعد
وأنشدته في سائر أيامه غير هاتين القصيدتين كثيراً، لم يحضرني الآن شيء منه.
ثم غلب ابن مرزوق على هواه، وانفرد بمخالطته، وكبح الشكائم عن قربه، فانقبضت، وقصرت الخطو، مع البقاء على ما كنت فيه من كتابة سره، وإنشاء مخاطباته ومراسمه.
ثم ولاني آخر الدولة خطة المظالم، فوفيتها حقها، ودفعت للكثير مما أرجو ثوابه. ولم يزل ابن مرزوق آخذاً في سعايته بي وبأمثالي من أهل الدولة، غيرة ومنافسة، إلى أن انتقض الأمر على السلطان بسببه. وثار الوزير عمر بن عبد الله بدار الملك، فصار إليه الناس، ونبذوا السلطان وبيعته، وكان في ذلك هلاكه، على من ذكرناه في أخبارهم.
ولما مقام الوزير عمر بالأمر، أقرني على ما كنت عليه، ووفر إقطاعي، وزاد في جرايتي، وكنت أسمو، بطغيان الشباب، إلى أرفع مما كنت فيه، وأدل في ذلك بسابقة مودة معه، منذ أيام السلطان أبي عنان، وصحابة استحكم عقدها بيني وبينه، وبين الأمير أبي عبد الله صاحب بجاية، فكان ثالث أثافيتا، ومصقلة فكاهتنا. واشتدت غيرة السلطان لذلك كما مر، وسطا بنا، وتغافل عن عمر بن عبد الله لمكان أبيه من ثغر بجاية، ثم حملني الإدلال عليه أيام سلطانه، وما ارتكبه في حي من القصور بي عما أسمو إليه، إلى أن هجرته، وقعدت عن دار السلطان، مغاضبا له، فتنكر لي، وأقطعني جانباً من الأعراض، فطلبت الرحلة إلى بلدي بإفريقية. وكان بنو عبد الواد قد راجعوا ملكهم بتلمسان، والمغرب الأوسط،
فمنعني من ذلك، أن يغتبط أبو حمو صاحب تلمسان بمكاني، فأقيم عنده. ولج في المنع من ذلك، وأبيت أنا إلا الرحلة،
واستجرت في ذلك برديفه وصديقه، الوزير مسعود بن رحو بن ماساي، ودخلت عليه يوم الفطر، سنة ثلاث وستين. فأنشدته:
هنيئاً بصوم لا عداه قبولوبشرى بعيد أنت فيه منيل
وهنئتها من عزةٍ وسعادةٍتتابع أعوام بها وفصول
سقى الله دهراً أنت إنسان عينهولا مس ربعاً في حمال محول
فعصرك ما بين الليالي مواسملها غرر وضاحة وحجول
وجانبك المأمول للجود مشرعيحوم عليه عالم وجهول
عساك، وإن ضن الزمان منوليفرسم الأماني من سواك محيل
أجرني فليس الدهر لي بمسالمإذا لم يكن لي في ذراك مقيل
وأولني الحسنى بما أنا آملفمثلك يولي راجياً وينيل
ووالله ما رمت الترحل عن قلىولا سخطة للعيش فهو جزيل
ولا رغبة عن هذه الدار إنهالظل على هذا الأنام ظليل
ولكن نأى بالشعب عني حبائبشجاهن خطب للفراق طويل
يهيج بهن الوجد أني نازحوأن فؤادي حيث هن حلول
عزيز عليهن الذي قد لقيتهوأن اغترابي في البلاد يطول
توارت بأنبائي البقاع كأننيتخطفت أو غالت ركابي غول
ذكرتك يا مغنى الأحبة والهوىفطارت بقلبي أنة وعويل
وحببت عن سوق رباك كأنمايمثل لي نؤي بها وطلول
أأحبابنا والعهد بيني وبينكمكريم وما عهد الكريم يحول
إذا أنا لم ترض الحمول مدامعيفلا قربتني للقاء حمول
إلام مقامي حيث لم ترد العلىمرادي ولم تعط القياد ذلول
أجاذب فضل العمر يوماً وليلةًوساء صباح بينها وأصيل
ويذهب بي ما بين يأس ومطمعزمان بنيل المعلوات بخيل
تعللني عنه أمان خوادعويؤنسني ليان منه مطول
أما لليالي لا ترد خطوبهاويؤنسني ليان منه مطول
يروعني من صرفها كل حادثتكاد له صم الجبال تزول
أداري على الرغم العدى لا لريبةيصانع واش خوفها وعذول
وأغدو بأشجاني عليلاً كأنماتجود بنفسي زفرة وغليل
وإني وإن أصبحت في دار غربةتحيل الليالي سلوتي وتديل
وصدتني الأيام عن خير منزلعهدت به أن لا يضام نزيل
لأعلم أن الخير والشر ينتهيمداه وأن الله سوف يديل
وأني عزيز بابن ماساي مكثروإن هان أنصار وبان خليل
فأعانني الوزير مسعود عليه، حتى أذن لي في الانطلاق على شريطة العدول عن تلمسان، في أي مذهب أردت، فاخترت الأندلس، وصرفت ولدي وأمهم إلى أخوالهم، أولاد القائد محمد بن الحكيم بقسنطينة، فاتح أربع وستين. وجعلت أنا طريقي على الأندلس، وكان سلطانها أبو عبد الله المخلوع، حين وفد على السلطان أبي سالم بفاس، وأقام عنده، حصلت لي معه سابقة وصلة ووسيلة خدمة، من جهة وزيره أبي عبد الله بن الخطيب، وما كان بيني وبينه من الصحابة، فكنت أقوم بخدمته، وأعتمل في قضاء حاجاته في الدولة. ولما أجاز، باستدعاء الطاغية لاسترجاع ملكه، حين فسد ما بين الطاغية وبين الرئيس المتوثب عليه بالأندلس من قرابته، خلفته فيمن ترك من عياله وولده بفاس، خير خلف، في قضاء حاجاتهم، وإدرار أرزاقهم، من المتولين لها، والاستخدام لهم. ثم فسد ما بين الطاغية وبينه، قبل ظفره بملكه، برجوعه عما اشترطه له، من التجافي عن
حصون المسلمين التي تملكها بأجلابه، ففارقه إلى بلد المسلمين، ونزل بأسجة. وكتب إلى عمر بن عبد الله يطلب مصراً ينزله، من أمصار الأندلس الغربية، التي كانت ركاباً لملوك
المغرب في جهادهم. وخاطبني أنا في ذلك، فكنت له نعم الوسيلة عند عمر، حتى تم قصده من ذلك. وتجافى عن رندة وأعمالها، فنزلها وتملكها، وكانت دار هجرته، وركاب فتحه، وملك منها الأندلس أواسط ثلاث وستين، واستوحشت أنا من عمر، إثر ذلك كما مر. وارتحلت إليه، معولاً على سوابقي عنده، فغرب في المكافأة كما نذكر (إن شاء الله تعالى).
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع