من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
أخبار أحمد بن أبي سلمة الكاتب
وأمه آمنة بنت يوسف، أخت أحمد بن يوسف وزير المأمون.
قال أبو بكر: جئت بأحمد هذا فى جملتهم لأنه ابن اختهم، ولأن أحمد أول اسمه أنف، وهو شاعر مليح الألفاظ، دقيق الفطنة، مقل.
حدّثنى عون بن محمد الكندي، قال: قلت لعبد الله بن أحمد بن يوسف:
من أشعر أهلكم، فقال: عمى القاسم وابن عمتى احمد بن أبى سلمة، ولو كثر
شعره قليلا! قلت أنشدنى له شيئا، فقال: إنه كان يزعم أن خاله أحمد بن يوسف قتله المأمون، فمراثيه فيه على أنه مقتول، فمن مراثيه فيه:
يا من بمقتله زها الدّهرقد كان منك تضاءل الدّهر
زعموا قتلت وعندهم عذرفيه وظلمك ماله عذر
يا قبر سيدنا المجن سماحةصلى عليك الله يا قبر
ما ضرّ قبر أنت ساكنهألّا يمر بأرضه القطر
فلنبغينّ سماح جودك في الثرىوليورقن بقربك الصخر
وإذا غضبت تصدّعت فرقامنك الجبال وهابك الوعر
وإذا رقدت فأنت منتبهيدك السحاب ووجهك البدر
والله لو بك لم أدع احداإلا قتلت لفاتنى الوتر
وهو القائل يمدح أحمد بن يوسف:
أحمد أنت للإنعام أهليملّ السائلون ولا تمل
كأنك فى الكتاب وجدت لاءمحرمة عليك فما تحل
فما ندرى لفرطك في العطاياأنكثر من سؤالك أم نقل
إذا ورد الشتاء فأنت صيفوإن ورد المصيف فأنت ظل
وقال يرثى أبا نصر بن أحمد الطوسى:
كان لى إلف خليل فمضىلا أرى منه سواه عوضا
وثنت منه عليه يدهوأعانت يده أيدي القضا
بشبا قاضية خاض الردىمجمع الأوداج منه فقضى
يا أبا نصر لقد أورثنيدمك المطلول حزنا ممرضا
فاذا ما فيك جالت فكرتىرجعت معتصمات بالرضا
وقال لبعض اخوانه وقد أنكر منه شيئا من افعاله:
لست أرضى بتيهمن ماجد أرتجيه
فكيف من لا أرجّىدهرى ولا أتقيه
وصاحب كان يبدىخلاف ما يخفيه
وددته بضميرىوودّنى لفظ فيه
وكيف يصلح لىغير صالح لأبيه؟
قال أبو بكر: وحدثنى عون بن محمد، قال: كان أحمد بن أبى سلمة الكاتب يهوى الحسن بن أبى أمية، وكان الحسن يجفوه، فليم على ذلك، فقال:
دع الصب يصلى بالأذى من حبيبهوكلّ أذى ممن يحبّ سرور
غبار قطيع الشاء فى عين ذئبهااذا ما قفا آثارهن ذرور
قال أبو بكر: وكان أحمد بن أبى سلمة صديقا لخارجة بن مسلم بن الوليد الانصاري، وكان يفضل على خارجة، وهو القائل يرثى أباه مسلما:
تعطلت الاشعار من بعد مسلموصارت دعاويها الى كل معجم
اذا مرضت أشعار قوم فانهيجيئك منها بالصحيح المسلم
قال أبو بكر: وأنشدنى عبد الله الهدادى، قال. انشدنى ابن أبى فنن لخارجة ابن مسلم يمدح أحمد بن نصر الكاتب، قال: وكان خارجة يجىء ويقيم عندى وهو أنشدنى هذا:
قد شكرنا أحمد الخيرات فى بدو وحضر
أوجب الله له منبعده حمدي فشكري
فمتى قصرت فيهفاقبل اللهمّ عذرى
لم أعاين كابن نصركرما مدة عمري
يتساوى لى منه الجود في عسر ويسر
يتلقي المدح منىبابتسام وببشر
وببذل جاوز القدر وشعر فوق شعرى
قال أبو بكر: حدّثنى محمد بن على المعروف بابن الخراسانى، قال: حدّثنى أبو شبل البرجمي الشاعر، قال: كنا عند أحمد بن أبى سلمة، وكان أكرم الناس وأظرفهم، وكان خاطره في الشعر قريبا سريعا، وغلام له يسقينا حسن الوجه، فلما عمل الشراب دعا بدواة وكتب:
ظل يختال في رداء شبابذو صبا يقتضيك حقّ التصابى
بمدام كأنما اعتصروهامن خدود الكواعب الاتراب
فى قميص مفوف من زجاجووشاح مؤلف من حباب
كلما سحبت أساءة خلقحسّنوه بمزج السحاب
ثم رمى بالرقعة الى. فقال: والله ما فيّ فضل، ولا أدرى ما قلت، ولكن قل أنت شيئا، فقلت له: وهل تركت لأحد مقالا، ولست أستطيع مجاراتك فى هذا في وزن ولا قافية ولكنى اعبر أحدهما فقلت:
قمر فى الظلام يسعي بشمسوشحت باللجين والمرجان
في كؤوس تكسو الأكف اذاماحملتها غلائل الزعفران
ومن مديح أحمد:
يوماه يوم ندى يرجى ويوم وغىمفرّق بين أرواح وأجسام
لا يؤخذ الرأى إلا من قريحتهولا يشارك فى نقض وابرام
وهو القائل:
معتدل القامة مثل القضيبيهتزّ في لين وحسن وطيب
يعذلنىّ فيه جميع الورىكأنني جئت بأمر عجيب
أظن نفسى لو تعشّقتهابليت فيها بملام الرقيب
قال أبو بكر: قد جئت بأكثر أشعار هؤلاء، إذ كانوا شعراء ظرافا كتابا لا يعرفهم الناس، ومن عرفهم لا يعرف أخبارهم، ولا أشعارهم: ومن يعرف الناس شعره، فأنا أذكر جيده فى كتابنا هذا، وإنما أستقصى أشعار من لا يعرفون وأخبارهم، وأنا مبتدىء بشعر اسحاق بن ابراهيم الموصلى وشعر ابيه وأخبارهما، وستجيء كثيرة حسنة، وإن تركت ذكر من هو أشعر منهما قبلهما لأفي بشرطي، لا آتى بالشعر على حرف من الحروف على قدم وسن ولا تطبيق، لاطبقهم بعد فراغى من جميعهم تسمية فى كتاب مختصر، لا أحتاج الى غير ذلك ان شاء الله.
هذا آخر ما عمله أبو بكر الصولى من كتاب اوراق، ولم يقض له أن يعمل أخبار اسحاق بن ابراهيم لوفاته والحمد الله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين، وسلم تسليما. حسبنا الله ونعم الوكيل.
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع