من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
أمر أبى محمد عبد الله بن احمد بن يوسف
قال أبو بكر: كان عبد الله هذا ظريفا كاتبا شاعرا إلا أنه قليل الشعر، وقد ألف كتبا صغارا ورسائل الى اخوته، والغالب عليه الهزل، وربما نسب من لايدرى شعره إلى محمد بن عبد الله، لأنه أكثر شعرا منه، وأنا أذكره بعد فراغى من ذكر أبيه عبد الله، وربما نسبوا كلامه الى كلام أبيه. وانما أذكر ما صح من شعره وكلامه وأخباره إن شاء الله أنشدنى عون بن محمد، قال أنشدنى عبد الله بن أحمد لنفسه:
بلوت هذا الأنام طرّافلم تشبّث يدى بحرّ
ولا استبنت الصديق حتىتصرفت بى صروف دهري
ما المرء الّا أخو الليالىيسرى به الدهر حيث يسرى
إن تبله بالعقوق منهالا يند من صاحب ببرّ
وهو القائل في انسان استثقله:
أقول له والنفس تنبو بقربهلك الأجر ان جرّدت في هجرنا عزما
ويسرت للأنفاس منا سبيلهافقد حصرت من دون مشيتها غما
فما لذّ مجرى الكاس حتى رأيتهصريع أكفّ قد تعاورنه لطما
وقال وقد حجبه المعلى بن ايوب:
قل للمعلى ذى الجلال وإن عداك جلاله
يا أيّها الملك المخوف المرتجى إفضاله
أنت الذى وسع البرية عدله ونواله
واذا بدا ملأ القلوب بهاؤه وجماله
واذا تكلم راق سامعه وفاق مقاله
واذا البوارق خاب شائمها فنحن عياله
لما سمت أعمامهواستنجدت أخواله
طفقت تشيد ما بناهـ يمينه وشماله
حتّى تشاكل فى القياس نجاره وفعاله
واستضحكت عن سخطهأرماحه ونصاله
فاذا انتحت اقلامهأردى العدو كماله
وأبيح إذنك دونهقوما هم امثاله
قفه على سبب الحجاب يتب فتصلح باله
وقال يرثى اباه:
تطاول في بغداد ليلى وضافنىنزيلا جوى بين الحشا والترائب
أناخا على صبري فخلى مكانهلفقد اب برّ جزيل المواهب
ابا جعفر يا خير وائل كلهااذا نزلت بالناس احدي النوائب
وراحت افال الشول غرثى تشكهاشآمية ترمى الوجوه بحاصب
وحاميهم ان صبحتهم مغيرةعليها المنايا فى صدور الكتائب
فتى كان مثل السيف ان هزمتنهاتى حدّه دون الطلى والغوارب
له شيمة عند المحامة فظةتشيم العدا منها بروق المعاطب
وتملكه عند الندى أريحيةتحكم فى امواله كلّ راغب
تخال به ليثا وغيثا وسنةمن البدر تجلو مسدفات الغياهب
اذا يده بلّت بقائم سيفههوت قمم الاعداء من كلّ جانب
وليس بناج منه قرن يريدهولو حل بين الجاريات الثواقب
سلام على قبر تضمن شلوهوجادت عليه هاطلات السحائب
بمثل ندى كفيه أو مثل عبرتىعليه فروّاه حيا غير ناضب
قال أبو بكر: ويروى انه قيل لعبد الله بن احمد: وصفت أباك بالشجاعة والقتال، وهو كاتب حبار! فقال: والله ما وصفته الا بما فيه، ولقد حججت معه سنة، فخرج علينا أعراب فما كان في القافلة أشجع منه، قتل فارسا وأسر فارسا، ولكنه كان يكتم هذا ولا يذكره
ومن كلامه: أنت السيد العالى شرفه، المتناهى كرمه، لا تتخطاك همة، ولا تقصر عنك رغبة. اذ بنت بالفضل على من تقدمك، وحميت غايتك ممن يقفو أثرك.
فأنت لأهل دهرك ميل، وللكاتبين بعدك مثل. ولك عندى عارفة أسألك استتمامها، فإنك تعود فى المعروف بأحسن من بديتك. فدانى جودك قريب من اجابتك.
قال أبو بكر: وأكثر أشعاره فى جار له يكنى أبا جعفر يعمل فيه أشعارا مضحكة، فمن ذلك:
افخر أبا جعفر ان كنت مفتخرافقد نبهت وصرت العدل والحكما
وابعث الى قبر قوهى من يبشرهومن يقول سقيت السح والديما
أبلغ صداه وغلغل فى مسامعهأنى حظيت وأن الشأن قد عظما
وقد ظللت وما ان كنت آملهبالبرستان وفيمن حلها علما
وقد أذاع مديحى شاعر فطنخلو القريض وما حاشى وما احتشما
قال أبو بكر، وهو القائل لهذا أو لغيره:
أنت كالعنقود والثعلب وثاب مناهض
قال لمالم ينلهأنت يا عنقود حامض
وقال أيضا:
اليك اعتذارى من مديحك تائباأبا جعفر ان كنت فيه مقصرا
على أننى ما كنت أبلغ كنههولو كنت فيه الشنفرى وابن أحمرا
فصفحا وعفوا أن تشاء عقوبةوان كنت عندي فى العقوبة اعذرا
وهو القائل يتولع بأبى جعفر هذا:
يبدى الترهّد للورى وضميرههلك الورى أخيارها وشرارها
وله بتحريم النبيذ ديانةورواية مشهورة آثارها
وبرأى عينيه يباع ويشترىفي رحبة هو ركنها ومنارها
ويغض مسرورا عليه جفونهإذ كان يوجبه عليه جوارها
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع