تجاوز إلى المحتوى

من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)

اخبار ابى جعفر احمد بن يوسف بن صبيح كاتب دولة بنى العباس

قال أبو بكر: وزر للمأمون بعد أحمد بن أبى خالد، وهو معرق فى الكتابة والشعر، وقد استقصيت أخباره في كتاب الوزراء الذى ألفته. وأنا آتى ههنا منها بشيء من مختارها ومختار شعره، وقد فرقت من ذكر آبائه وأخبارهم فى ذكر أخيه القاسم بن يوسف وكان أسنّ منه وبقي القاسم بعده مدة. حدّثنا القاسم بن إسماعيل، قال: حدّثنا قعنب بن محرز الباهلىّ قال:

كنا نقول: لم يل الوزارة أشعر من احمد بن يوسف حتى ولي محمد بن عبد الملك فكان أشعر منه حدّثنى الحسين بن على الباقطائى قال: اجتمع الكتاب عند أحمد بن

اسرائيل، فتذاكروا الماضين من الكتاب، فأجمعوا أن أكتب من كان في دولة بنى العباس احمد بن يوسف، وابراهيم بن العباس، وأنّ أشعر كتاب دولتهم ابراهيم بن العباس، ومحمد بن عبد الملك بن الزيأت، فابراهيم أجودهما شعرا، ومحمد أكثرهما شعرا، ثم الحسن بن وهب، وأحمد بن يوسف، وأن أزكى كتاب الدولة وأجمعهم لمحاسن الكتابة من ذكاء وخط وفطنة جعفر بن يحيى، واسماعيل بن صبيح.

حدّثنا يعقوب بن بنان، قال: حدثنا علىّ بن الحسين بن عبد الأعلى الاسكافي، قال ابو بكر: وقد رأيته أنا مرارا كثيرة، وسمعته يحدث ولم احفظ منه شيئا، قال: عوتب احمد بن يوسف على تقديمه موسى بن عبد الملك على صباه فقال أحمد:

لا تعذلونى في اختصاصي لهفالعذل والله من اللؤم
إنّ استه مشربة حمرةكأنها وجنة ملطوم

حدّثنى أحمد بن اسماعيل، قال: كان محمد بن الجهم البرمكيّ يلوم أحمد ابن يوسف في حبّ موسى بن عبد الملك فكتب اليه:

لا تعذلنى يا أبا جعفرعذل الأخلّاء من اللؤم

والبيت الآخر، فكتب اليه محمد بن الجهم:

لست بلاحيك على حبّهولست فى ذاك بمذموم
لأنّ في أسفله سخنةكأنها سخنة محموم

حدّثنى محمد بن خلف وكيع قال قال لى ابو جعفر محمد بن القاسم بن

يوسف، قال قال: حدّثنى نصير الخادم مولى أحمد بن يوسف كان أحمد بن يوسف يتبنى مؤنسة جارية المأمون فجرى بينها وبين المأمون بعض ما يجرى، فخرج الى الشماسية يريد سفرا، وخلفها فجاء رسولها إلى احمد بن يوسف مستغيثة به فوجهنى أحمد اليها فعرفت الخبر، ثم رجعت فأخبرته، فدعا بدابته ثم مضى فلحق المأمون بالشماسية، فقال للحاجب: أعلم أمير المؤمنين أن أحمد بن يوسف بالباب، وهو رسول. فأذن له فدخل، فسأله عن الرسالة [ماهي] فاندفع ينشد شعرا عمله عنها:

قد كان عتبك مرة مكتومافاليوم أصبح ظاهرا معلوما
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «قد كان عتبك مرة مكتوما»
نال الأعادي سؤلهم لا هنئوالما رأونا ظاعنا ومقيما
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «قد كان عتبك مرة مكتوما»
[والله لو أبصرتني لو جدتنيوالدمع يجرى كالجمان سجوما]
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «قد كان عتبك مرة مكتوما»
هبنى أسأت فعادة لك أن تريمتفضّلا متجاوزا مظلوما
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «قد كان عتبك مرة مكتوما»

فقال المأمون: قد فهمت الرسالة، كن الرسول بالرضىء يا ياسر امض [معه] فاحملها. فحملها ياسر إليه.

حدّثنا محمد بن العباس، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن احمد بن يوسف عن ابيه، قال: جلس أحمد يقرأ الكتب بين يدى المأمون وهو وزير، فمرت قصة أصحاب الصدقات، فقال المأمون لأحمد: انظر في أمرهم، قد كثر ضجيجهم فقال: قد نظرت في أمرهم وقررته، ولكنهم أهل تعدّ وظلم، وبالباب منهم جماعة. فقال المأمون: أدخلوهم إلي فدخلوا فناظروه فاتجهت الحجة عليهم، فقال أحمد: هؤلاء ظلموا رسول الله صلي الله عليه وسلم، كيف يرضون بعده! قال الله ﷿ (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ)

فعجب المأمون من حسن انتزاعه، وحضور مراده فى وقته، وقال: صدقت يا أحمد، وأمر باخراجهم قال أبو بكر: تحدث أحمد بن طيفور أن المأمون قال لأحمد بن يوسف:

إنى أريد غسان بن عباد لأمر جليل، وكان يريده لولاية السند. لأنه أراد أن يعزل عنها بشر بن داود المهلبي لأشياء عظيمة عتب عليه فيها، وكان المأمون يعلم سوء رأى أحمد في غسان بن عباد، فقال أحمد: غسان رجل محاسنه أكثر من مساويه، لا تضرب به طبقة إلا انتصف منها مهما خيف عليه فانه لا يأتى أمرا يعتذر منه، لأنه قسم زمانه بين أيام الفضل فجعل لكل مكرمة وقتا فقال له المأمون: لقد مدحته علي سوء رأيك فيه، فقال: إنى لأمير المؤمنين كما قال الشاعر:

كفى ثمنا لما أسديت انىصدقتك في الصديق وفى عداتى

فأعجب المأمون كلامه. [واسترجح عقله]

قال أبو بكر: وهذا الخبر فانما هو لهشام بن عبد الملك، وقد سأل أسد بن عبد الله القسرىّ عن نصر بن سيار فأجاب فيه بهذا الجواب، فقال له هشام [ذلك الشعر.

و] ما أزعم أن المأمون أجابه، فقال بالشعر. إلا أنه فى أسد أبيات كثيرة. رويناه بأسانيد الثقات من غير وجه، فنسبه ابن أبى طاهر إلي المأمون وأحمد بن يوسف بغير رواية، لأنه صحفى حاطب ليل، يشترط فى كتبه اختيار الشعر الجيد ويأتى بالردىء، ويزعم أنه يقلل فيحسن، ويكثر فيسىء، ثم يحكى الكذب، ويخطيء في التاريخ [و] في نسب الشعر.

قال أبو بكر: وقد رأيته بالبصرة سنة سبع وسبعين ومائتين وقدمها إلى أحمد ابن على المادرائى وكتبت عنه مجلسين أو ثلاثة، فلما رأيته صحفيا لم أر عنده ما أريد تركته، ويعز على أن أذكر أحدا من أهل الأدب بسوء وأن استخفه، ولكن لابد من أن نعطى العلم حقه، ونضع الحق موضعه.

حدّثنا عون بن محمد، قال: كان أحمد بن يوسف عدوا لسعيد بن سالم الباهلى وولده، فذكرهم يوما فقال: لولا أن الله ﷿ ختم نبوته بمحمد ﷺ وكتبه بالقرآن لا نبعث فيكم نبيّ نقمة، وأنزل عليكم قرآن غدر، وما عسيت أن أقول في قوم محاسنهم مساوىء السفل، ومساويهم فضائح الأمم.

وقال يهجوهم:

أبنى سعيد انكم من معشرلا تحسنون كرامة الاضياف
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «أبنى سعيد انكم من معشر»
قوم لباهلة بن أعصر إن همفخروا حسبتهم لعبد مناف
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «أبنى سعيد انكم من معشر»
مطلوا الغداء الى العشاء وقرّبوازادا لعمرو أبيك ليس بكافي
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «أبنى سعيد انكم من معشر»
بينا كذاك أتاهم كبراؤهميلحون في التبذير والإسراف
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «أبنى سعيد انكم من معشر»
وكأنني لما حططت اليهمرحلى حططت بأبرق العزّاف
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «أبنى سعيد انكم من معشر»

قال غوث وهو القائل فيهم:

أبنى سعيد إنكم من معشرلا تثأرون دماءكم إن طلّت
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «أبنى سعيد إنكم من معشر»
لجلجتم وحباكم معقودةولقلّما تغنى إذا هى حلّت
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «أبنى سعيد إنكم من معشر»
وإذا تشمّ أنوفكم رعم الغذاأنّت لعادتها إليه وحنت
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «أبنى سعيد إنكم من معشر»
وبأىّ سيف تثأرون دماءكموسيوفكم مذ أغمدت ما سلت؟!
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «أبنى سعيد إنكم من معشر»

وهو القائل في عمرو بن سعيد بن سالم:

يا صاح خذ في غير ذكر الطعامدون طعام القوم كسر العظام
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «يا صاح خذ في غير ذكر الطعام»
وحالف النوم عسى أنهيطوف منه طائف في المنام
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «يا صاح خذ في غير ذكر الطعام»
ما حرم الله على زائرزادك يا عمرو وأكل الحرام
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «يا صاح خذ في غير ذكر الطعام»
الناس في فطر سوى شهرهمودهر أضيافك شهر الصيام
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «يا صاح خذ في غير ذكر الطعام»

قال أبو بكر: حدثنى الحسين بن فهم، قال: سمعت يحيى بن أكثم يقول:

حضر احمد بن يوسف المأمون، وبين يديه ابن له ينشد شعرا، فقال: كيف تراه؟

فقال: أراه فطنا ذكيا، أديب اللفظ واللحظ، لا يعبأ أن يؤديه بما يريد، في كل عضو منه قلب يقد.

قال أبو بكر: فأخذ بآخر كلامه ابو تمام، فمدح نفسه، وخاطب عتبة [ابن ابى عاصم] الاعور يهجوه:

ترى صلّا يخال بكل عضوبه من شدة الحركات قلبا

حدّثنا أحمد بن اسماعيل، قال: سمعت سعيد بن حميد يقول: أهدى احمد بن يوسف الى المأمون لما استكتبه لوزارته. واستخصه في يوم مهرجان هدية بألف ألف درهم، وكتب اليه:

على العبد حق فهو لا شك فاعلهوإن عظم المولى وجلّت فضائله
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «على العبد حق فهو لا شك فاعله»
ألم ترنا نهدى إلى الله مالهوان كان عنه ذا غنى فهو قابله
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «على العبد حق فهو لا شك فاعله»
[ولو كان يهدى للمليك بقدرهلقصر عبل البحر عنه وناهله
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «على العبد حق فهو لا شك فاعله»
ولكننا نهدى الى من نجلهوان لم يكن فى وسعنا ما يشاكله]
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «على العبد حق فهو لا شك فاعله»

قال أبو بكر: حدثنا احمد بن زهير قال: اخبرنى ابو جعفر عمر بن محمد الأطروش، قال: عتب احمد بن يوسف على جارية له في شىء سألته ألا يفعله

ثم فعلت مثله، فقال احمد:

وعامل بالفجور يأمر بالبر كهاد يقود في الظلم
او كطبيب قد شفّه سقموهو يداوي من ذلك السّقم
يا واعظ الناس غير متعظرثوبك طهّر أو لا فلا تلم

وكانت لأحمد بن يوسف مع أبى العتاهية اخبار:

حدّثنا محمد بن زكريا قال: حدّثنا مهدى بن سابق قال: كتب ابو العتاهية الى احمد بن يوسف:

أطع الله بجهدكأبدا أو دون جهدك
أعط مولاك كماتطلب من طاعة عبدك
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «اتق الله بجهدك»

فلما قرأ أحمد البيتين، قال: هذا أبلغ كلام.

قال أبو بكر: حدّثنا محمد بن موسى بن حماد، قال: حدّثنى ابن مهدويه محمد بن القاسم، قال: حدّثنى عبد الله بن أحمد بن حرب، قال: حدّثنى موسى ابن عبد الملك، قال: كتب أبو العتاهية الى أحمد بن يوسف:

أبا جعفر إن الشريف يشينهتتايهه على الإخوان بالوفر
فان تهت فينا بالذى نلت من غنىفانّ غناى فى التجمل والصبر
ألم تر أنّ الفقر يرجى له الغنىوأنّ الغنى يخشى عليه من الفقر
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «صبرت وكان الصبر مني سجية»

[قال (موسى بن عبد الملك) فقلت لا تتعرض له وأسكته عنك فوجه اليه بخمسة آلاف درهم قال علي بن ابراهيم فأعلمت ذلك على بن جبلة فقال بئسما صنع كان ينبغي له أن يقول له: أأحمد أن الفقر يرجى له الغنى فيشير باسمه] »

حدّثنا محمد بن موسى، قال: حدّثنى ميمون بن هارون، قال: كتب أبو العتاهية إلى أحمد بن يوسف، وقد عتب عليه:

أبا جعفر هلّا اقتطعت مودّتىفكنت مصيبا فيّ أجرا ومصنعا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أبا جعفر هلا اقتطعت مودتي»
فكم صاحب قد جلّ عن قدر صاحبفألقى له الأسباب فارتفعا معا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أبا جعفر هلا اقتطعت مودتي»

حدّثنا محمد بن الأسود، قال: حدّثنا ابن أبى فنن، قال: جاء أبو العتاهية أحمد بن يوسف يوما فحجبه فكتب اليه:

أراك تراع حين ترى خيالىفما هذا يروعك من خيالى
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «أراك تراع حين ترى خيالي»
لعلك خائف منى سؤالاألا فلك الأمان من السؤال
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «أراك تراع حين ترى خيالي»
كفيتك أنّ حالك لم تمل بىلأطلب منك تبديلا بحالي
وأن العسر مثل اليسر عندىبأيهما منيت فلا أبالى
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «أراك تراع حين ترى خيالي»

فلما قرأها وصله واستكفه.

وهجر أحمد بن يوسف أبا العتاهية فقال فيه:

في عداد الموتى وفي ساكنى الدّنياابو جعفر اخى وخليلى
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «في عداد الموتى وفي ساكني الدن»
لم يمت ميتة الوفاة ولكنمات عن كلّ صالح وجميل
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «في عداد الموتى وفي ساكني الدن»

النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأوراق: أخبار الشعراء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.