من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة
قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولى: قد فرغنا ولله الحمد من ذكر أخبار القاهر والأحداث فى أيامه، ونحن نذكر الآن بيعة الراضى بالله، وما كان من أمره، والأحداث فى أيامه إن شاء الله ولما خلع القاهر فى يوم الأربعاء، لست خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة أخرج الحجرية والساجية محمد بن المقتدر بالله ويكنى أبا العباس وأمه أم ولد يقال لها ظلوم فى هذا اليوم على ثلاث ساعات من النهار وكان فى الخلافة هو وأخوه هارون على سبيل توكيل بهما من القاهر فأجلسوه على السرير، وبايعوه بالخلافة مختارين له مجتمعين عليه، من غير أن يواطئهم على ذلك ولا كانت بيعتهم مراسلة فيه إلا ما كان يعلمه من كراهيتهم لأمر القاهر وانهم فى وحيه عليه وتولى التدبير فى ذلك رجل من الساجية، يعرف بسيما المناخلى إلى أن تم، فأجلس محمد بن المقتدر على السرير، وجلس القاهر بالله فى بيت بقربهم وأمر الراضى بالتوكل به والاحتياط عليه، ولم يعش الماخلى بعد هذا إلا أقل من مائة يوم.
وكنت فى هذا اليوم قد أخذت دواء لحاجة إليه، وشىء وجدته،
وعلم بذلك الأمير أبو العباس قبل ان يتسمى بالراضى بالله، فجاءنى رسوله يأمرنى أن أوجه إليه بالأسماء التى ينعت بها الخلفاء، وتكون أوصافا لهم، وإنى لأعجب من إطباق الناس على تسميتها ألقابا فيقولون لقب بكذا وهذا عندى خطأ، كبير، وزلل عظيم، لأن الألقاب مكروهة ومنهى عنها فى كتاب الله جل وعلا، وعلى لسان رسول الله ﷺ قال الله جل وعز «ولا تنابزوا بالألقاب» فوجهت إليه برقعة فيها ثلاثون اسما، ليختار منها ما يريد، وأشرت عليه فى رقعتى أن يختار منها المرتضى بالله، ولم أشك فى اختياره له، وابتدأت من وقتى فعملت أبياتا ضادية قافيتها المرتضى، على أنى أنشده إياها وهى:
أثبت الرّحمن بالسّعد المضىدولة قائمة لا تنقضى
لأبى العبّاس- عفوا ساقهاقدر الله- الإمام المرتضى
دولة يأملها كلّ الورىمالها إن ذكرت من مبغض
كان وجه الملك مسوّدا فقدقابل اللّحظ بوجه أبيض
يا أمين الله يا من جودهإن كبا دهرى بحظّى منهضى
غلب الوجد وفقدان الرّضىوكلّا جسمى بهمّ ممرض
كان حظّى بك نحوى مقبلافانثنى عنه بوجه معرض
أقرض الدّهر شبابى شيبةلم أكن أطلبها من مقرض
ليس للشّهب إذا ما جارتالدّهم فى سبق الهوى من رائض
أسفت نفسى على قربى الّذىكان من يوم احتفالى مغرضى
لك عبد مسّه بعدك ماوكّل الجسم بداء محرض
قضى البعد عليه كارهالا يردّ النّاس أمرا قد قضى
كلّ يوم ينتضى سيف أذىبالتّكاذيب عليكم منتضى
ما يبالى إذ رأى فيك المىغضب الدّهر عليه أم رضى
وهذه الأبيات لم تهنّ بها المدة، ولا راضها الفكر. وإنما قيلت مقتضية فليست بالمختارة، وإن صفرت من العيب. ولولا أن الحاجة دعت إلى ذكرها ما ذكرتها، وسيمر بعون الله من جيد الشعر فى أوقاته ما يعفى عليها إن شاء الله.
فلما فرغت منها جاءنى رسوله برقعة منه يقول فيها:
«قد كنت عرفتنى أن إبراهيم بن المهدى لما بويع أيام الفتنة بالخلافة
أراد أن يكون له ولى عهد فأحضروا منصور بن المهدى وسموه المرتضى، وما أحب أن أتسمى باسم قد وقع لغيرى، ولم يتم له أمره، وقد اخترت الراضى بالله» فكنت أشكر الله على ما وفقه له ووهبه فيه فمضى اسمه على ذلك، وما زال الناس يبايعونه بقية يومهم.
ووجه من وقته فاستحضر أبا الحسن على بن عيسى، ومعه اخوه أبو على عبد الرحمن بن عيسى بالنظر فى الأمور، وأراده للوزارة فاحتج بكبر وضعف وأقرها إلى أخيه بذلك، وأن يكون الاسم والخلعة له، ويتولى هو النظر فى أمر الملك وتدبير الناس وجباية الأموال على كره منه لذلك وتغلب، لما رأى من تعذر مال البيعة إلا أنه كتب بالبيعة إلى النواحى ونظر فى المهم الذى يوجبه الوقت. ومعه أخوه معرفا له ما يعمل، ومستأذنا له فيه. إلى أن وافت وقعه أبى على بن مقلة إلى سيما المناخلى، يتضمن له أنه يحتال فى وقته خمسائة ألف دينار يصرفها فى الرجال للبيعة، ويتضمن له إن أتم ذلك خمسائة ألف دينار لنفسه.
وكان المتولى لا يصال الرقعة إلى المناخلى كاتب له حدث، يعرف بعلى بن جعفر وضمن له ألفى دينار معجلة وأضعافها مؤجلة، فصار المناخلى بالرقعة بضمان الخمسمائة ألف دينار إلى الراضى بالله، فلما وقف عليها أحضر على بن عيسى وأقرأه إياها فقال له: أمير المؤمنين
فى هذا الوقت محتاج إلى زكاة هذا المال! وما عندى وجه لبعضه! والصواب إن صح هذا المال أن يمضى أمر هذا الرجل ويستكتبه وانصرف، فجلس فى منزله فكان الراضى بعد ذلك يقول «لم يتحصل لنا من الخمسمائة ألف دينار درهم، وأخذ من أموالنا وأموال الناس مثلها» واختير أبو على محمد بن على للوزارة يوم السبت لتسع خلون من جمادى الأولى، وخلع عليه وركب الناس معه إلى داره، ولقينى أبو سعيد ابن عمرو الكاتب- كاتب للراضى قبل الخلافة- وكان أخص الناس به فقال لى إن أمير المؤمنين قد أمرنى بإعطائك عشرة آلاف درهم لتقسيمه وما عندى دراهم، فلا تلح على ودعنى أدفعها إليك فى مرات قلت فعجل منها ما ترى فأعطانى ثلاثة آلاف درهم ووفانيها بعد شهرين.
وبلغ الراضى بالله أن هارون بن غريب خال المقتدر بالله مقبل إلى بغذاذ فكره ذلك وما كان بصافى النية له، لأن الراضى بالله كان فى حجر مؤنس المظفر، وكان العباس بن المقتدر فى حجر الخال ثم فى حجر ابنه هارون بعده، فكان يتهمه بإيثاره عليه. ولأنه كان أيضا منحرفا عن جدته شغب أيام حياة أبيه، ثم رأيت من ذكره لها فى خلافته وتحننه عليها ما كنت أسمع ضده منه فى أيام إمارته، وكذلك عاد منه كل تشعيث كان قديما نفث به فى أبيه مدحا وتقريظا، ووصف محاسن. وإنى لأذكر يوما فى إمارته وهو يقرأ على شيئا من شعر بشار وبين يديه كتب لغة وكنب أخبار إذ جاء خدم من خدم جدته السيدة فأخذوا
جميع ما بين يديه من الكتب فجعلوه فى منديل دبيقى كان معهم، وما كلمونا بشىء ومضوا فرأيته قد وجم لذلك واغتاظ فسكنت منه وقلت له ليس ينبغى أن ينكر الأمير هذا فإنه يقال لهم إن الأمير ينظر فى كثير لا ينبغى أن ينظر فى مثلها، فأحبوا أن يمتحنوا، ذلك وقد سرنى هذا ليروا كل جميل حسن، ومضت ساعات أو نحو ذلك ثم ردوا الكتب بحالها.
فقال لهم الراضى «قولوا لمن أمركم بهذا قد رايتم هذه الكتب وإنما هى حديث وفقه وشعر ولغة وأخبار وكتب العلماء، ومن كمله الله بالنظر فى مثلها وينفعه بها، وليست من كتبكم التى تبالغون فيها مثل عجائب البحر، وحديث سندباد والسنور والفأر».
وخفت أن يؤدى الخادم قوله، فيقال: من كان عنده؟ فيذكرنى فيلحقنى من ذلك ما أكره إلى ما لى عندهم مما سأذكره والسبب فيه فى موضعه من أخباره إن شاء الله فقمت إلى الخدم فسألتهم ألا يعيدوا قوله فقالوا: والله ما نحفظه فكيف نعيده! فكتب الراضى بيده إلى هارون بن الخال أن يقيم بمكانه ولا يتجاوز ذلك إلى ناحية الحضرة، ويعده أنه يأذن له فى القدوم عليه فى الوقت الذى يراه صلاحا، فكتب جوابا عن هذا الكتاب بأنه جاء محتاطا مشفقا من أشياء قد بلغته وأقلقته وأقبل حتى نزل النهروان
فاشتد ذلك على محمد بن ياقوت وكان قد حجبه وملك على الوزير محمد بن على، فندب الراضى الناس للخروج مع ابن ياقوت لمحاربته من غير أن يرى ابن الخال أنه يحب، قتاله وإنما أحب تأخيره مديدة استيطارا منه لأنه لم يدر كيف تؤول الأمور. فلقيه ابن ياقوت بنهر يتن بقرب النهروان، فقتله واحتز رأسه فجىء به الى الراضى فأظهر سرورا بذلك وسلمه إلى أهله فدفن بقرب قبر أبيه فى قصر عيسى بن على فى الكرخ فى الجانب الغربى.
وخلع فى يوم الأربعاء لست بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة على محمد بن ياقوت لقتله ابن الحال وطوّق وسوّر.
وخلع فى يوم الخميس بعد ذلك بيومين على الوزير محمد بن على لمعاونته على ذلك وكان قتل هارون بن غريب فى يوم الثلاثاء لسبع بقين من جمادى الآخرة وإلى هذا الوقت فما ذكر الراضى [أحدا] من الجلساء ولا جلس ولا كان يشرب النبيذ ولا يوافقه، وكنت أحسن تركه وكان فى إمارته ربما اشتهى أن يصل مجالسه ويبر من يحضره ويشرب اليسير منه، فيتأذى بذلك ومازال ذكيا فطنا لقنا لما يسمع بحضره ما يريده من غير فكر فدعا يوما اخاه هارون وكانا نفسا واحدة فى جسمين فى ايام ابيهما، مكتبهما واحد وأمرهما واحد، يقدم طباخوه الطعام لهما شهرا ثم يقدمه فى الشهر
الآخر طباخو أخيه هارون، وكان فى حجر نصر الحاجب وكان بره به أكثر من بر الباقين بالأمراء الذين فى حجورهم فدعا يوما أخاه هارون إلى الثريا فشرب هارون وأحب أن يساعده فدخل فى النبيذ الى أن غيره وكان يقرأ على شعر أبى نواس فى تلك الأيام فأنشدت معرضا به بيتا لأبى ذؤيب:
إذا رأتنى صريع الخمر يوما فرعتهابقرآن إنّ الخمر شغب صحابها
ففطن لما أردت، فقال لم أقرأتنى بالأمس قول أبى نواس:
فما العيش إلّا أن ترانى صاحياوما العمر إلّا أن يتعتعنى السّكر
ثم قطع، وانصرف. فلما فرغ قلبه من أمر ابن الخال وجه إلى «من هاهنا ممن جالس الخلفاء، وممن يصلح أن يجالسنى؟» فوجهت اليه: إنه لم يبق ممن جالس الخلفاء غير إسحاق بن المعتمد، وهاهنا من رسم بالمجالسة وما جالس بعد، مثل محمد بن عبد الله بن حمدون ومثل ابن المنجم. فقال: قد عزمت على الجلوس وتقدم بإحضار الجماعة، وأمر أن يكون فيهم أحمد بن محمد المعروف بالعروضى، واليزيديان إسحاق وعلى ابنا إبراهيم، وكانا يعلمان الجماعة الخط، وكان العروضى مرسوما بتأديب أبى إسحاق المتقى بالله أمير المؤمنين، وأخيه على رسمه بذلك والمعروف بابن غالب، وكانت رياسة التأديب اليه لأن الزجاج النحوى كان ندب لتأديب المقتدر بالله فاستخلفه فغلب على الأمر وحظى به دون الزجاج، ووهب له وأقطع لما ولى المقتدر ما أغناه وكفاه. فرسم العروضى بهذين، ورسم أبا عبد الله محمد بن العباس اليزيدى بتأديب الراضى وأخيه
هارون، ورسم لتأديب العباس بن المقتدر رجلا آخر يعرف بابن غدانة العمانى.
ثم إن على بن المقتدر توفى فكان العروضى يصير إلى الراضى وأخيه هارون فيكرمانه، وتوفى اليزيدى وابن غالب قبل خلافة الراضى بالله. فلم يكن يجلس اليهما غيره، وغير على بن إبراهيم اليزيدى، على نوبة وملازمة.
ورسم لتأديب عبد الواحد بن المقتدر المعروف بابن الأنبارى النحوى فأمر الراضى أن يحضر الجماعة الدار فى مستهل رجب سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ليجالسوه وأحضرنا وأمر بأن يكون ترتيب جلوسنا على ما أنا أذكره- رسم أن يكون على يمينه أقربنا إليه إسحاق بن المعتمد، ثم أكون أنا تاليا له، ثم يكون العروضى تاليا لى، ثم يكون ابن حمدون تاليا له؛ ثم يجلس الباقون عن يسرته على ترتيب ربما اختلف فكنا فى المجلس فى أول جلسة جلسها أربعة عن يمينه، كما ذكرت وخمسة عن يساره وهم: يوسف وأحمد ابنا يحيى بن المنجم، وعلى بن هارون بن على بن يحيى واليزيديان إسحاق وعلى ابنا إبراهيم، وكان قد أمرنى أن أعمل أبياتى الضادية على قافية المرتضى قصيدة ضادية غيرها على قافية الراضى، فعملتها فلما وصلنا اليه فى ذلك اليوم أنشده أحمد بن يحيى وعلى بن هارون قصيدتين يهنيانه فيها بالخلافة، ويصفان سرورهما لاغتباطهما فاستمعهما وأظهر استحسانهما، ثم أمر بإنشاد
الضادية فأنشدته أياها، وأنا أذكرها هاهنا لأنها ليست من الشعر الذى يأباه القلب ويمجه السمع، وفيها مدح لابن ياقوت وللوزير وهى:
أصبح الملك عاليا بأبى العبّاس أعلى الملوك بعد انخفاض واستفاض السّرور فى سائر النّاس بملك المهذّب الفيّاض
رضى الله هديه فاصطفاهفهو بالله والمقادير راضى
من غذته العلوم يرتع منهافى جنان أنيقة ورياض
كمل الفضل والفضائل فيهقبل عشرين من سنيه مواضى
فهو بالعلم والتّفرّغ فيهخير آت من الملوك وماضى
خطرت نحوه الخلافة طوعاباتّفاق من الورى وتراض
واصطفاق من الأكفّ دراكاواجتماع موف وعزم مفاض
مرض الدّين قبله وأتاهبارئا عنده من الأمراض
واستلذّ الزّمان إذ أسفرالملك وجلّى سواده ببياض
واجد بالعلوم وجد محبّراعه من يحبّ بالإعراض
يرد النّاس منه أغدار جودطيّب الورد مترع الأحواض
حمدوا من محمّد حسن ملكبتقضّى حقّ الورى وتقاضى
نعم للولّى منه حباهومنايا على العدوّ مواضى
تملك الخطب منه عزمة رأىيذعن الصّعب عندها لارتياض
يا إماما إليه حلّت عرىالفخر وفلّت معاقد الأغراض
حاز بالمكرمات كامل مجدعلق النّاس فيه بالأبعاض
وتعالى على النّجوم ببيتسامق العزّ ظاهر الأعراض
حجّة الله أتت يا قبلةالدّين فليست تردّ بالإدحاض
آذن السّيف من عصاك منالنّاس بهلك واشك وانقراض
وبثقل من العذاب ووزرينقض الظّهر أيّما إنقاض
لست ممّن يريد بالمدح حالايبسط الجاه منه بعد انقباض
قد تروّيت من نوال إماملست ما عشت فيه بالمعتاض
بشره زائد العطاء كما البرق دليل الغيوث بالإيماض
وتقدّمت فى مديحى له النّاس على الرّغم من ذوى الإبغاض
وافترعت الأبكار من عزّة الشّعرفذلّلت صعبها بافتضاض
وغذانى بطول منه فى سابق أيّامى الطّوال العراض
جاء عفوا بلا سؤال ولا وعد ولا مذكّر به متقاضى
صافيا من تكدّر المطل يجرىجرى ماء صاف على رضراض
وتشرّفت بالجلوس لديهبحديث يلتذّه مستفاض
وبلغت المنى وبشّرنىالنّاس بثوب من الغنى فضفاض
وتبدّلت بالتّذلّل عزّاآذن الهمّ عنده بانفضاض
واطمأنّ الفراش من بعد أن جانب جنبى تجنّب النّهّاض
واستردّ العدوّ وكدى وعادتأعين السّخط وهى عنّى رواضى
لا أرى مزعجا نوالى وإنأبطأ عنّى جناه بالايغاض
لا ولا خاطبا بذمّ زمانأتشكّى منه ندوب عضاض
قد كفانى الامام ما قد عنانىوانتضانى من خلّة الانفاض
واجتنيت الغنى بمدحى غضّامن أياد له رطاب غضاض
لم أجب نحوه الفلاة ولا أقبلت نقضا أهوى على أنقاض
تترامى بى المفاقر طوراواعتراضا كرمية المعراض
بعد أن حلّت النّحوس محلّىوهوى نجم أسعدى لانقضاض
فتك اليأس بى فأهدى صدودامن وصول كفتكة البرّاض
وأرانى تحيّف الهجر للطّير بما نسّى تحيّف المقراض
واقتضانى دين الشّباب مشيبفيه عسف له وقبح تقاضى
عجبى له كيف أوجب ذنبالم يكن عن تسلّف واقتراض
ظالم منصف سريع بطىءسابق ركضه بغير ارتكاض
فتسوّدت بالبياض وعذت به عن وصال بيض بضاض
واكتسيت الوقار بالكره منّىونضت بشرتى ليال نواضى
وأتتنى قوارض من أناسمثل وقع الشّهاب فى الأغراض
كلّ واهى القوى نؤوم إذا مانهض النّاس للعلى ربّاض
تركتنى لما أحاذر منهاحرضا هالكا من الأحراض
علم الله ما الذّى كنت ألقىفيكم من تألّم وامتعاض
لم أذق مذ ركبت راحلةالخوف الى الآن لذّة الإغماض
لا أطيق الدّفاع عنك ولاأملك غير الهموم والإرتماض
زأرتنى أسود حقد عليكملم تغيّب بغابة وغياض
وفرانى الزّمان منه بناببعدكم مرهف الشّبّا عضّاض
وانتحى آكلا للحمى ورضّ العظممنّى بكلكل رضّاض
واكتحلت السّهاد والحذر الدّائمخوفا بمرود مضّاض
من حسود منافس لى عليكملبحار اغتيابكم خوّاض
مبغض لى لما أسيّر فيكممن مديح على الأذى حضّاض
فأرانى الاله ما كنت أرجوهـ وعوّضت أحسن الإعتياض
يا إمام الهدى استمع لولّىسائر فى مديحكم ركّاض
بذل النّفس واجب لك محضالنّصح من أسرة لكم أمحاض
كلّ عاص بجلدته العرّفهم هانئوه بالخضخاض
يفضل النّاس فى الشّجاعة والبأس كفضل الدّيس لابن مخاض
قبلة الحرب حين تجتنب الحرب وتردى خيولها فى العراض
عضّد الملك فيه بالأيّدالعالم شافى المحل بالاحماض
باذل الرّأى سالك شعب عزمما المصاعيب فيه كالأحفاض
أخصبت أربع الورى بإمامقاتل المحل جابر المنهاض
عرف النّاس فضله مثل مايعرف قصد السّهام بالانباض
من رأى حبّه كنافلةالفرض فإنّى أراه كالإفتراض
أيّد الله ملكه بوزيرمستقلّ برأيه نهّاض
عالم بالزّمان قد راض منهجامحا آبيا على الرّوّاض
لم يطف باليقين من ظّنه الشّكولا حال دونه باعتراض
ضرب فى لهى وليّك ماضوسهاد على عدوّك قاضى
ناصح لم يخض ضحاضح غشّفى الزّمان الماضى مع الخوّاض
موّل الله بيت مالك منهباجتماع منه لا بارفضاض
غير ما حافل اذا انتخلالنّصح بشكوى مغاضب أو مراضى
من أناس أقلامهم أسهمالملك ولكنّها بغير وفاض
جامعات للأمر بعد افتراقجابرات للعظم بعد انهياض
مارأت ساعيا على البين إلّاقيّدت سعيه بغير الاياض
نفثت بالمداد سمّا عليهنفث أنياب حيّة نبناض
فابق يا سيّد الملوك له تبرم بالرّأى منه كلّ انتقاض
وتملّ النّيروز تسعين عاماساميا والعدوّ ذو إعضاض
فقال لى- وكان عالما بالشعر ناقدا-: ما أعرف مثل هذه الضادية لقديم ولا محدث وإنها لحمتك رميت بها كما كانت- قد جبر الدّين الإله فجبر ... - حمة العجاج رمى بها فقلت له يبقى الله سيدنا وهاهنا حماة مثلها كثيرة.
وكان من أول ما خاطبنا به أن قال: والله لقد جاءنى هذا الأمر وما شرعت فيه ولا أحببته، ولا علم الله ذاك منى فى سر ولا علانية، لا جهلا منى ما فيه من الشرف والجلالة لكنى لتغير الأحوال وقلة الأموال وكلب الجند وخاب الدنيا وإنه يستصحبنى من الغم والأسف والغيظ والاهتمام اكثر مما يؤمل من السرور واللذة، فما أجد فى زمانى مياسير من الكتاب والتجار يجمل بمثلهم الملك ويلجأ المهم اليهم مثل ابن الجصاص فى التجار ومن يقاربه، وأرجو أن يعيننى الله
بجميل نيتى، فقد ضقت ذرعا بما دفعت اليه فقلت له إذن يعينك الله يا أمير المؤمنين، ويوفقك بشهادة من رسول الله صلى الله عليه بذلك ووعد به قال وكيف ذاك؟ قلت:
حدّثنا إبراهيم بن عبد الله النميرى قال حدثنا حجاج بن منهال عن المبارك بن فضالة عن الحسن بن أبى الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال قال لى رسول الله صلى الله عليه يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسئلة وكلت اليها، وإن أعطيتها عن غير مسئلة أعنت عليها. فقال لى: قد والله سرنى الله بهذا الحديث ولست أشك الآن فى عون الله لى وتوفيقه إياى.
ثم قطع المجلس، قطعه ما لقيه من إغنات القاهر له وخوفه لقتله أباه فى ليله ونهاره وما دفع اليه من مداراة من لا تعرف طريقته ولا يوثق بدينه، ولا بعقله ولا تؤمن بوائقه، ولا ترضى خلائقه. إلى أن قال أليس بابن المعتضد؟ وأخ المقتدر وعم لنا؟ هذا والله عار لا يرحض وعيب لا يزال ثم نبهتنا سهامه.
فقلت قد أزال الله عن سيدنا كل عيب وألحق به كل حسن، وله فى رسول الله صلى الله عليه أسوة حسنة هذا عمه أبو لهب أنزل الله ﷿ فيه وفى امرأته سورة من القرآن يعرفها كل إنسان ويلفظ بها كل لسان فما ألحقه عاره وقد ولده جد رسول الله عبد المطلب، وهذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه
كان يهجوه قبل إسلامه ثم أسلم وشهد حنينا مع رسول الله صلى الله عليه وحسن أثره وما زال محمودا مرضيا إلى أن توفى ويقول له حسان بن ثابت وكان كافرا:
أبوك أب حرّ وأمّك حرّةوقد يلد الحرّان غير نجيب
فلا يعجبنّ النّاس منك ومنهمافما خبث من فضّة بعجيب
فقال لى «قد والله سرنى جميع ما جرى وأرانى طريق المسلاة وأعتقنى من هم كان قد ملكنى وغلب على أعلمت أن الناس يظنون أن هذا من قول حسان، إنما هو لأبى سفيان صخر بن حرب. وأنا قد كنت أظن ذلك حتى عرفتنيه فقلت له. إن حسان هجاه بقصيدة فيها بيت يقال إنه ما سمع بهجاء قط أنصف منه، وهو قوله:
هجوت محمّدا فأجبت عنهوعند الله فى ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بمثلفشرّكما لخيركما الفداء
هذا أنصف بيت قيل قط من هجاء.
قال الصولى: وما حكيت من ألفاظه التى مرت، وما أحكيه من كلامه بعد فهو كما أحكيه أو شبهه أو مقارب، إذ كنت لا أقدر على أن أحفظ لفظه على حروفه وأنا أحفظ معناه وكان والله إذا جمع نفسه وأحضر خاطره [ك] أنه ينطق بلسان المنصور
إذا أراد الكلام فى معنى من المعانى، كذلك خيل إلى. أو المأمون من بلاغته وحسن سلوكه سبل المعانى وما أخطأه من شىء فلن يخطئه أن يكون أحسن الناس علما، بالشعر ونقدا له كما ينقده العلماء به. وإنه من أطبع ملوك بنى العباس فى الشعر وأكثرهم شعرا وأكرمهم عشرة لجلسائه وما رأيت ولا سمعت بخليفة أحسن منه أخلافا ولا أسمح بكل شىء بالمال والطعام حتى يفرط، وبالثياب والطيب ما بخل بشىء قط ولا تعاظمه شىء يهبه ولولا اتباعه لشهوته كثيرا، عالما بما فى ذلك من العيب محتملا له على بصيرة لظنت أنه لا يقدم أحد عليه.
فكنا بين يديه فى ذلك اليوم ثلاث ساعات من الليل نشرب وكان هو لا يشرب، قد ترك النبيذ جملة ثم انصرفنا وكان النوروز فى تلك الأيام فجلس على بركة مرصصة الجوانب والمجارى حسنة قد عملها وأحضرنا فجلسنا حول البركة وملئت ماء وأمر فرمى فيها بمثقلات كافور كبار وصغار، ثم قال لنا كل من وقف بين يديه مثقلة فهى له فوقفت بين يدى بعضنا مثقلة وقدام بعضنا مثقلتان أنا منهم وقفت لى صغيرة وكبيرة، باعهما لى ابن خزابة بثلاثة آلاف درهم ودفع إلينا ندا كثيرا وعنبرا، ووصل الجماعة بصلات مختلفة على أقدارهم عنده ثم واصل الجلوس بعد ذلك إلى أن كثر شغب الحجرية والساجية فى طلب المال فقطع الجلوس معنا مدة لئلا يقولوا إنه مشغول بلذاته. ولما قبض على القاهر حبس فى بيت وطولب بأموال
فلم يقر بشىء وكأنه عرف ماله عند الراضى لسوء ما كان يعامله به فعذب عذابا شديدا فما أنعم بشىء فأمر بعض الناس فكحله فأعماه وتردد المكروه عليه فما أقر بشىء ووجد له مال يسير وآلة فأخذت وحسن وفاء زيرك له فأعجب ذلك للراضى فاصطنعه وحسنت خدمته له فتمكنت عنده حاله وغلب عليه فأحسن اليه إحسانا كثيرا وأقطعه البستان المعروف بالشفيعى ووهب له من أنواع الطيب ما كان أمله يقصر عن مثله، وكذا من الجواهر والباور وآلة الذهب والفضة- وما رأيت البلور عند ملك أكثر منه عند الراضى، ولا عمل ملك منه ما عمل ولا بذل فى أثمانه ما بذل حتى اجتمع منه له ما لم يجتمع لملك قط.
وعظم فى أول أيام الراضى أمر مرداويج السلى بأصبهان، وتحدث الناس عنه أنه يريد تشعيث الدولة وقصد بغداد وأنه لمساهم لصاحب البحرين مجتمع معه على ما يحاوله، ثم ورد الخبر بأن غلمانه قتاوه وأن رئيس الغلمان غلام يعرف ببجكم، وأنه خرج عن أصبهان ومعه جماعة من الأتراك قد رضوا به صاحبا لهم ورئيسا عليهم، فزعم ابن ياقوت أنه هو الذى دبر ذلك وكاتب فيه الغلمان ووجه برسل إليهم يحضهم على ذلك ويرغبهم فى حسن الفائدة عليهم فى العاجل من جهة الخليفة، وفى الثواب بطاعتهم للخليفة ونفذت كتبه إلى بحكم
والغلمان بتحقيق ظنونهم، والتقدم اليهم لقصد مولاهم وقتله ليبلغ لهم ما أملوه.
ودخل ابنا المنجم احمد بن يحيى وعلى بن هارون فأنشدا الراضى فى يوم خميس شعرا يهنيانه بهذا الفتح، وتخلفت أنا لشىء وجدته ثم دخلت إلى الراضى فى يوم السبت بعد الخميس بيومين وأنشدته:
ضحك الدّهر بعد طول عبوسطالعا بالسّعود لا بالنّحوس
وأتتنا الأيّام معتذراتلابسات نعيمها بعد بوس
بالإمام الرّاضى المطلّ على الآداب شمس الملوك وابن الشّموس
سبعة من خلائف ولدوهلم يكن ذا لغيره من رئيس
رضى الرّاضى الإله لملكأوضح النّهج منه بعد الدّروس
فهو كالخصب بعد وافد جدبرعى الغضّ منه بعد اليبيس
آنس الله بالخليفة ملكاموحش الرّبع واهن التّأسيس
فهو يختال فى الجديد مناللّبسة والحسن بعد لبس الدّريس
يا نسيم الحياة أضحكت دهراكان لو لاك دائم التّعبيس
انّ أيّامك اللّذاذ كوصلالحبّ طيبا ونومة التّعريس
مردواج بسيف حظّك مقتول فأهون بذاك من مرموس
قصفته رياح أيّامكالغرّ فأخمدن منه نار المجوس
ثلّ عرش الّلعين أسرع ممّاسلب العرش من يدى بلقيس
وتولّت بمأتم الدّهر أيّام أتتنا تجرّ ذيل العروس
بعد كفر لنعمة وقبيحكفر عبد فى نعمة مغموس
وجزى المسلمين تؤخذ قسرابخروج عليهم ومكوس
حابس المال عنهم مستضامباتّساع الأذى وضيق الحبوس
وكأنّ العيال إذ فقدوهمأنشروا فى البلاد بعد الرّموس
وكأنّى بهم حمايل إقبال طويلى الإطراق والتّنكيس
حسّهم سيفك الحسام فأضحواهمّدا منه مالهم من حسيس
يا حلّى الّزمان يا زينة الأرض ورأس الملوك وابن الرّءوس
إنّ نصحى وصدق ودّى قديملم أشبه بالزّور والتّدليس
قبل أن يأكل الزّمان شبابىخالسا غرّتى بشعر خليس
ما أطيل المقال خوفا لإضجار إمام مؤيّد محروس
وأرى النّاس أظهروا بمديحلى منه البكور بالتّغليس
ربّ بذل سقيتنى منه كأسافأعد لى مدار تلك الكئوس
حين شرّفتنى فكنت بنعماك جليسا من قبل كلّ جليس
ثمّ أفردتنى خصوصا ببرّمفرد طاهر من التّدنيس
إنّ بينى وبين دهرى حرباجاوزت حرب داحس والبسوس
أنا منه لغير هجر ووصلواقف بين لوعة ورسيس
فاعتبر ما شكاه عبدك منهثمّ داو الخناق بالتّنفيس
هو فى مخلب الزّمان فريسفارحم الآن نفس هذا الفريس
واسقه من سلاف جودك بذلافاق طيبا سلافة الخندريس
يطلق الشّعر فى أناس وشعرىوقف مدح على الإمام حبيس
لم تزل فى القديم تلبس منهمستجدّ الطّراز غير لبيس
لا أعلّى به لعلوة فكرافى مشيب لها ولا للعميس
مدح لم يزد عليها زيادوهو خاش ردى أبى قابوس
لا ولا حاك مثلهنّ جريرعند إيحاش ربعه المأنوس
قام هذا المديح بالعذر منّىنائبا عن نشيد يوم الخميس
فالقه بالنّجاح يا أكرمالأمّة أعطى به يمين غموس
لى سبق المديح فيك على النّاس وفخر بالسّبق فى التّأسيس
هى حال ليس الشّباب وإن فضّلخيرا فيها من التّعنيس
يا إماما به أمرّت عرى الحقّوحلّت معاقد التّلبيس
أيّد الله ملكه بوزيرعالم بالزّمان طبّ رئيس
ضامن بالوفاء منه رضى اللهبحفظ الرّئيس والمرءوس
ظمىء الملك قبله فسقاهريّه من زلال نصح مسوس
حاصد للعدى بأقلام رأىتقطع السيف عند حمى الوطيس
كيده وافد عليهم بيومقمطرير بما يشقّ عبوس
بان فضلا على الكفاة كما بان على ابن اللّبون فضل السّديس
طاب أص وبابنه طاب فرعاغرس الملك منه خير عريس
قد أمّر الزّمان طوعا عليهفسخا بعد نفرة وشموس
فترى النّاس خاضعين اليهمن قيام بأمره وجلوس
أمتع الله بالوزير إماماخصّ من نصحه بعلق نفيس
وأطال البقاء للملك الرّاضى إله أصفاه ودّ النّفوس
وقد يعلم الله تعالى أن الراضى بالله فى حال إمارته وأخاه هارون لما
أمر نصر الحاجب أن يتقدم إلى بخدمتهما، وان تجعل على نوبة لهما يومين فى كل أسبوع ففعل ذلك دخلت إليهما فرأيتهما ذكبين فطنين عاقلين إلا أنهما خاليان من العلوم، فعاتبت ابن غالب مؤدبهما على ذلك وكان الراضى أذكاهما وأحرصهما على الأدب، فحببت العلم اليهما واشتريت لهما من كتب الفقه والشعر واللغة والأخبار قطعة حسنة فتنافسا فى ذلك وعمل كل واحد منهما خزانة لكتبه وقرآ على الأخبار والأشعار فقلت إن الحديث أولى بكما وانفع لكما من هذه وهو أولى أن يبتدأ به وجئتهما بأعلى من بقى من الزمان إسنادا، وهو أبو القاسم ابن بنت منيع، واختلف اليهما مجالس ونسخت لهما علو حديثه ومشايخه، مثل على بن الجعد وابن عائشة وأبى نصر التمار، وجميع علوه ومختار حديثه، واحتجنا إلى أن نبره بدنانير، فوجه إلى من جهة والدتهما «والله ما عندنا دنانير لهذا المحدث، ولا بنا حاجة إلى مجيئه» فعرفت نصرا الحاجب ذلك فقال «خذله من مالى كل شىء يريده» فأوصل إليه فى مدة شهرين أربعمائة دينار.
وقرآ على من كتب اللغة كتبا كثيرة منها خلق الإنسان للأصمعى فمضى خدم سمعوا ذلك إلى المقتدر وإلى والدته، فقالوا لهما:
«إن الصولى يعلمهما أسماء الفرج والذكر» فدعا المقتدر نصرا الحاجب فعرفه ذلك، ودعانى نصر الحاجب. وكان من أحسن الناس عقلا، فسألنى عن ذلك، فعرفته السبب فيه فقال: جئنى بالكتاب، فجئته وعرفته أن هذا من العلوم التى لابد للفقهاء والقضاة منها، وأنهم
يلجأون إلى أهل اللغة فيها فأخذ الكتاب وأدخله إلى المقتدر وعرفه ما عرفته فأزال كل شىء خفته. ثم قلت للراضى بالله قد أمرت أن تجلس فى غد ليملك بحضرتك ابن الجواليقى بدار السيدة، وقد وعدوا جماعة فيهم الحسين بن اسماعيل المحاملى، وسيبكر إلى هاهنا فى غد فارفع مجلسه وأقبل عليه وانبسط فى مذاكرته، وإنى أحب أن يسمع الناس وصفك والثناء عليك من مثله، ففعل جميع ذلك. ثم حضرت وانقضى أمر الإملاك، فأخذ المحاملى بيد أبى بكر الخرقى، وقال «ما رأيت فى أهل هذا البيت شيخا ولا كهلا ولا حدثا يشبه هذا الفتى يقول حدثنا وأخبرنا وينشد ويعرب، وهذا كله من فعل هذا- وأومأ إلى- فأحب أن تتحمل رسالتى إلى القهرمانة ريدان، وتقول لها ما الذى فعلتم بمن صير هذا الأمير فى هذا الحال، فقلت أنا لأبى بكر الله يعلم ما أفعل هذا الا لله ﷿، لأنى أقول لعلهما أن يليا من أمور المسلمين شيئا فينفعهم الله بهما. وجعلت أقتضى أبا بكر الجواب فدفعنى أياما ثم قال لى أنت فى طرف والقوم فى طرف أديت إلى ريدان قول القاضى فقالت لى «إن هذه المحاسن من هذا الرجل عند السيدة ومن يخدمها مساو [ىء] فقل له عنى يا هذا، ما نريد أن يكون أولادنا أدباء ولا علماء، وهذا أبوهم قد رأينا كل ما نحب فيه وليس بعالم. فاعمل على ذلك» فأتيت نصرا الحاجب فأخبرته بذلك فبكى، وقال: كيف نفلح مع قوم هذه نياتهم! فقلت والله ما أعود اليهما بعد هذا. فقال ولا لك حظ فى ذلك. ولكن امض ساعة فى الأيام ثم اقطع
وكان ابن أبى الساج فى هذا الوقت بواسط عازما على لقاء القرامطة؛ وكنت أنفذت اليه رسالة طويلة فى كتاب عملته له أوصيه فيه بالمطاولة، وهى رسالة حسنة- قد سرقها الناس منى- تجمع ضروبا من العلوم، فجاءنى جوابه مع كاتب له يعرف بابن حراشة، وفى آخر الكتاب «وقد بلغنى خبرك وقول من قال لا نريد أن يكون اولادنا علماء وإنا لله على ما بلى الناس به» وأفزعنى ذلك وخفت أن يظن أتى المبدى لهذا، والمتكلم به فصرت إلى نصر الحاجب فعرفته ذلك، فقال إن لابن أبى الساج خدما فى الدار. لا يخفون عنه الأنفاس، وهذا فإنما علمه من جهتهم، فسكنت نفسى إلى ذلك وانقطعت عنهم، وكان لهم بعدى، هنة سر لحجبتهم لها كل أحد، وكان ثم قوم قد نفسوا على موضعى منهم. وكان الراضى وعدنى بفص كنت استحسنته فكتبت اليه بقصيدة أساله فيها التوجيه إلى بالفص، فكتب إلى «إنما أتفرخ بما يرد على من جهتك، فاكتب إلى بشعر صادى قافيته الفص» فعملت القصيدة وكتبت بها اليه وهى:
ألاقل لخير النّاس نفسا ووالداورهطا وأجدادا مقالة مختصّ
محمّد المأمول والمقتدى به الأمير أبى العبّاس ذى الفضل لا النّقص
ومن جمع الآداب بعد افتراقهاوثقّفها بالبحث منه وبالفحص
دقيق حواشى الذّهن هذّب طبعهومحّص فى قرب المدى أيّما محص
بعيد القبول من حسود مكاشرتخلّف عن أولاه بالتّزغ والفرص
لئن ساغ لى أكلى وشربى فإننّىكذى شرق من غيبتى عنه مغتصّ
وقد كنت ذا حظّ لديه وزلفةفجاء الّذى حاذرت فيه على غفص
بفسخ الّذى سدّى وألحم باطلاوقد وقصاه عاجلا أيّما وقص
من اكلب خوزستان نغل محقّرضئيل خفىّ الشّخص فى صوره الدّرص
وألهب منه الجمر بالنّفخ حابلعلوق بأذناب الأكاذيب كالشّصّ
بنو معورات الطّرق جاءوا بعورةذوو الآنف الذّكّاء والأعين الرّمص
أولوا بطنة فى باطل وتكذّبوصدقهم يأوى إلى أبطن خمص
فما أسندوا قولا إلى ذى تماسكولا شيّدوا زور المقال على إصّ
وبالقصر قوم إن رأونا تبلّغواوحطّوا لنا الأعياق كالرّخم القص
تلاقت بتأليب علينا جفونهموفرّقت الأقوال بالثّلب والغمص
وما قبلوا نصح العروضىّ فى الّذىرآه ورصّوا إفكهم أيما رص
وقد هطلته غيبة من سحابهموكالوا له صاعا من النّثّ والقصّ
وهبّ له فى بعده لك قاصفمن الحزن ينئى صبره عنك بل بقصى
فغصّ بشرب من فراقك آجنعصوف بجدواه أمرّ من العفص
وإن أنجز الإمكان يوما بجلسةلديك أتاك القول بالشّرح واللّخص
فأدنيت حقّا قد أطيح بشخصه إلىنزوان القوم بالزّور والقنص
فأقتبل العيش الغرير بقربكموأسحب فى لذّاته أذيل القمص
بحقّ أفاض القلب فاضل شربةمن الهمّ حتّى جاءنى الأمر من فصّ
وأطلع شخص الحقّ عندك وجههإلى أن يقود القرب منطق مستقصى
تحيّفنى ريب الزّمان ببعدكمتحيّف مقراض المجازف فى القصّ
اليك ترامت بى الأمانى همّةعلى لحق الأقراب ضامرة حصّ
وخوص سقتها الآل كأس هجيرهفأفنته بالوجد المواشك والرّقص
إلى ابن الّذى أحيا البريّة عدلهفشبّه بالفاروق فيهم أبى حفص
وقد كان لى وعد عليك بخاتمعلوق بلحظ العين مستملح الشّخص
شريف إذا ما رفعوه لسيّدتعاظم واستعلى به شرف الفصّ
فلا أنا طالعت الأمير بذكرهبتعريض قول فى الخطاب ولا نصّ
ولا أنجدتنى منه فى ذاك حظوةتذكّر إنجازا ولست بذى حرص
وإنّى لأرجو أن يسرّى لبسهفيأخذ منه اللّبس أخذة مقتصّ
وإن لم يكن كرع يقاوم غلّتىبرىّ قنعنا فيه بالرّشف والمصّ
إذا لم يكن كلّ الّذى يشتهى الفتىففى الرّأى أن يرضى ويقنع بالشّقص
ولست كمن يمضى على الظّنّ حكمهويجعل إسناد الرّجال إلى حصّ
وإنّى لأغلى المدح إلّا على الّذىيغالى بإعطاء ولست بذى نقص
بذى هام قلب لا بخريدة بهايميس بها غصن رطيب على دعص
صليبة عزم القلب كالصّخر قلبهاعلى أنّه يكتنّ فى جسد رخص
ولا بشمول لذّة الطّعم قرقفمناسبها فى عمر كركين والقفص
فلو كان فى حمص يرجّى شبيههلساق مطاياى الرّجال إلى حمص
أميل إلى شرب الكرام بغلّتىولست لأوشال اللّئام بممتصّ
فقولوا لمن قاس الأمير بغيرهتأيّد فما الكيل المحصّل كالخرص
تيمّمت زورا فى المقال وباطلالدى خرق ساد الصّخور على رهص
محاسن هذا الخلق منك ابتداؤهاويجذبها ذو كلفة منك كاللّصّ
كذا المجد لا بالمال يجمع شملهوبالدّور شيدت بالقراميد والجصّ
فلا زلت للدّهر المملّك مالكايطيعك فيما تشتهيه ولا يعصى
وحزت من الأعمار أقصى نهايةتفوت مدى الإحصاء فيها يد المحصى
فوجه بخاتم فصه ياقوت سمانجونى ووجه معه بصلة، وكتب إلى «ما أعرف والله مثل هذه الصادية لأحد، وقد بخستك فى القيمة اضطرارا لا اختيارا إلى أن يستقيم الزمان إن شاء الله» وإنما آتى من الأشعار التى قلتها فى الراضى بطرف، للحاجة إلى المعنى الذى قيلت فيه، وإلا فالشعر كثير فيه. وقد أتيت فى عملى أخبار المقتدر بشىء يسير منه، إلا أننى آمل أن لا يستهجن الأدباء ما أورد منه لصلاحه وصفوته، وصعوبة قوافيه، وسلامته مع ذلك من تكلف يهجنه، وسخافة لفظ ترذله إن شاء الله.
وتمزق الأمر بين محمد بن ياقوت ومحمد بن على بن مقلة. واستبد ابن ياقوت بالأمر دونه، ولم يمض أمرا إلا بتوقيعه. ونظر فى الأموال، ورمى بأكثر أمره إلى كاتبه محمد بن أحمد القراريطى، إلى أن أظهر الوزير إطباق دواته، وترك النظر فى شىء البتة، فإذا اضطر أن يوقع فى أعمال أو ينظر فى أمر مال عرضت توقيعاته على ابن ياقوت، فما أراد أمضاءه رضيه وقع فيه بامضائه وما لم يرده لم يوقع فيه فبطل، ولم يلتفت إلى توقيع غيره. فما زال الوزير يعمل فى أمره حتى قبض عليه وأنا أذكر ذلك فى حوادث السنين إن شاء الله.
وكنا ليلة نشرب مع الراضى، فوصلنا وجىء برغيف كبير بحرف وافر قد عمل من ند فرمى به الينا. وقال انتهبوه فبدرونى، فاستلبوه دونى وسخفوا وتبذلوا حتى تكشف واحد منهم، وكل ذلك بعينه فسألته العوض فقال «صف أمرك معهم وصف الزبيدية فإنك»
مشغوف بها، وأنا على العبور عليها حتى أعوضك» وانصرفت فعلمت فى ذلك قصيدة زائية هى من خير زائية قيلت قط، فلذلك أذكرها وكان ذلك فى أيام النيروز وهى:- بارك الله للأمير أبى العبّاس خير الملوك فى النّيروز
وأراه أولاده الغرّ أجدادا بملك نام وعزّ عزيز
فهو أولى به وبالجود فيهمن ابرويز ومن فيروز
لهم فى الهلال هرمز روزولنا الدّهر فيك هرمز روز
فاقتبل جدّة الزّمان بعامبارز باللّجين والإبريز
ضاحكات أيّامه طائعاتطاعة الحبّ بعد طول النّشوز
واقض حقّ النّيروز فيه بكأسمزعج سقيها بكأس وكوز
فيه نقش ملوّن من يدى منلم تشبه معايب التّلويز
طلعت شمس وجهه تحت داجىالشّعر الجعد صبغة الشّيروز
من عقار ترى الفتيّة منهاعجزت عن كمال حسن العجوز
يشتكى كرمها الأوام لدىالقطف وما زال كارعا فى البزوز
وعلى مقبل من السّعد محجوب عن النّحس والأذى محجوز
بالزّبيديّة المشهّرة الحسنوحوز اللّذاذة الماحوز
وصنوف من الجواهر تبدوكلّ يوم من كنزها المكنوز
ياسمين حكى قراضة تبرفتقوا طيبه بمرماحوز
يضحك الورد عنده بين نسرينوبستان لعنهم آيروز
ورياح من الرّياحين ادّتنشر مسك بعنبر معروز
وبها من حماحم هام رنجمشرفات الطّلى على سينين
ومياه يشكو الجداول أبسالم تمزّقه حادثات النّزوز
وبنارنجها المحمّل تبراومياه من آسها المجزور
ونخيل ترفّع النّوع منهاعن حوار الأنقال والشّهريز
وبها الطّلع مثل بيض أكفّبرزت من مخصّرات القزوز
وتجافت عنها الجفوففشّبهن كماما مفتّقات الدّروز
كم زمان مضى بها مستلذّليلنا فيه مثل ليل الحزيز
قبل أن ترحل البوارح عنّاوتحطّ الرّحال من تمّوز
رضى الرّاضى الإله لملكعزّز الدّين أيّما تعزيز
فهو بالله فى محلّ أمانتحت حرز من القضاء حريز
أيّد الله ملكه بنصيحراز منه الزّمان أذكى مروز
بوزير مؤيّد الرّأى قدحاز بيمن التّدبير خير محوز
فكنوز الآباء ثابتة منهكلّ يوم مجدّد بكنوز
قلم يملك الورى فهو أمضىمن حسام على الأعادى جروز
ومن السّهم حين يستلب العمراختطافا وعامل مجلوز
حتف الله مردواج بحدّمنه فى أنفس الورى مركوز
كم عدوّ أباده غير مقبون بمردى الرّدى ولا مجنوز
وكذا يستمرّ فى كلّ عاصونبيط لهم عتاة وخوز
عرزوا كالجراد نسل فسادمحق الله ذاك من تغريز
فهو كالشّهد للنّصيح الموالىوكسيف على العدا مهزوز
لم يضق بالأمور صدرا ولاأصبح فيها كحائر ملهوز
وعلىّ كذاك غير ظنينفى مراعاته ولا ملموز
بل ينادى الأعداء منه برأىغير مستنقص ولا مغموز
فرداء الشّباب ضاف عليهوهو ذو حنكة ورأى مريز
كم عدوّ يبيت منه على صحّة جسم بليلة المنكوز
يا أجلّ الملوك عقلا وعلمامفرد السبق غير ما ملزوز
لك عبد كساك فاخر مدحرائق لبسه لباس الخزوز
لم يشنه ذكر السّباسب والوصف لعيس تحت الرّحال جموز
من قواف على سواه صعابسبّق الجرى ظاهرات البروز
خطرت نحوك القوافى بمدحغير مستهجن ولا مكزوز
بين صاد وبين ضاد وسينثمّ زاى مبينة التّبريز
سائل الطّبع مشرق اللّفظ سهلما تغشّيه ظلمة التّكزيز
فائض ماؤه يجىء مطيعاغير مستجلب ولا منحوز
يرجع الشّعر عنه حين يساميهـ بأنف مجدّع محزوز
من يرم نسج مثله تختطفهلا معات من ذلك التّطريز
قصّر المخلف المعلّم عنفيض صيود معاود التّكريز
وكذا لا يقاس بين خسيففائض عدّها ببئر نكوز
جزت فيه ميدان قوم أراهمشعراء بالخطّ والتّجويز
يستميزون لفظ غيرهمفيه غلابا كغارة التّكليز
بقواف مدوسة ومعانمخلقات ومنطق مرموز
وكزوه ليلحقوه فآبوابقصير عن المذى موكوز
حرموا الطّبع صاغرين فساروامن طريق إليه غير مجوز
عجب والقضاء يقعد ذاالقوّة عن خطوة الضّعيف العجيز
كيف يحوى التّجويد صاحب قلبموجع من تأسّف موخوز
لا أرى كارعا لهم فى إناءلا ولا فى بحارهم ذا نهوز
ليس لى غلّة تحصّل ممّافى موازينهم ولا فى قفيز
لا ولا لى فى أرضهم قيد شبرفى وهاد لهم ولا فى نشوز
درّة الغزر هاميات عليهمولنا درّة القطوع العزوز
غرّزوا أرجل الطّماعة فى ركب أخسّت مقدارهم وغروز
لو يكون التّجويد دار ثواءلم يجوزوا منها مدى الدّهليز
قلت إذ جوّزت بغير انتقابلك حظّ القناع فينا فجوزى
فاز منهم جماعة بأناسواتّكالى عليك فى التّفويز
لست أرجو سواك بعد إلهىعند تقصيدهم ولا التّرجين
ووزيرين جهّزانى بجودتعّشانى بذلك التّجهين
حين عىّ الزّمان عن ذكر حظّىجبرا فاقتى بجود وجيز
أنت أدرى بالشّعر من قائليهفاقض فيه بالحزم والتّعجيز
وكذا العلم بالمحرّك والسّاكن فى نحوهم وبالمهموز
ليس إلّا الّذى يضمّهمالمجلس للانتحال والتّمييز
فهم فوق من يرى قول حقّغير مستنكر ولا منهوّز
فأجزنى بقدر علمك بالأشعار يا خير منعم ومجيز
بدنانير لا أحال على الجهبذ فيها ولا على كتب روز
ورغيف النّدّ الّذى غصبونيهوأكرم بذاك من مجنوز
غلبتنى عليه أيدى نهابنهزته بحظّها المنهوز
سبقتنى اليه سبق ذئابخاطفات بهزّة وأزيز
كان ختلا منهم كختل الحوارىّسيف الله ذى الرّدى جرموز
لو خشينا البدار منهم لعثنافيهم كاللّيّوث فى الأمعوز
ثمّ آبوا بجانب طيّب النّشروأبنا بجانب مخبوز
لهف نفسى عليه ملقى كترسوافر الحرف مشرف التّفريز
فدموعى من التّأسّف تجرىجرى وفراء وافيات الخروز
جمزتنى فوايت الحظّ منهوابلائى من حظّى المجموز
قد رأى سيّدى وقوفى حيران كمصمى الرّمية المتروز
فابق يا سيّدى بقاء ثبيرغير ما مزعج ولا محقوز
وتملّ السّرور سائر ملكغير مستنقص ولا مبزوز
تتخطّى مداس كلّ إمامقاهر العزّ غير ما معزوز
فلما أنشدته إياها استحسنها وقال «ما أعرف زائية مثلها بل لا أعرف زائية إلا للشماخ، وتلك عجوز وهذه شابة» ثم عوضنى أحسن تعويض بصلة وند وعنبر.
ولما جاء بحكم وهزم ابن رائق قال لنا ما أحسن هذه الأبيات، فى المعنى الذى نحن فيه وأنشدنا
إذا قلت يبرا بعض داء عشيرتىتلاقت غواة واستجّد نشور
كما نشرت مخشيّة العرّ بعد ماعلا اللّون برء ظاهر وطرور
ومولى عصانى واستبدّ برأيهكما لم يطع بالبقّتين قصير
فلمّا رأى أن شتّ أمرى وأمرهوولّت بأعجاز الأمور صدور
تمنّى حبيش أن يكون أطاعنىوقد حدثت بعد الأمور أمور
كذا أنشدنى تمنى خبيش ثم قال أتعرف مثله؟ قلت لا ولكن نحوه
لطارق بن ديسق اليربوعى:
إذا أنت جاوزت أمرأ السّوء لم تزلغوائله تأتيك من حيث لا تدرى
وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاعنكما طرّ أوبار الجراب على النّشر
ثم قلت إن سيدنا أطال الله بقاه نشأ فى حجر الصواب، فمن أين له تمنى حبيش؟ فقال لى من حيث لا يطيف براويه عيب، فقلت لو أن أبا عمرو بن العلاء روى هذا لكان أخطأناسه فقال: إن الطبرى يقول هذا فى كتاب تاريخه فقلت له: الطبرى ليس فى الغريب مثله فى غيره روى الأصمعى وأبو عبيدة وابن الأعرابى وأبو عمرو الشيبانى
تمنى نئيشا أن يكون أطاعنى
ومعناه أنه تمنى شيئا بعد مافاته يقال رأى هذا نييشا إذا رآه فى آخرة وقد فات، قال بلال بن جرير:
كم ناصح قد قال لى وما وشاإنّك لم تنأش لوصل منأشا
يقول لم تطلبه فى أوله وأنشدته:
تناءت عنكم عدس بن زيدفلم يعرفكم إلّا نييشا
يريد إلا اخيرا فقال لى فلعل الوراق أخطأ عليه قلت لا ولكن الطبرى رأى نبيشا فى كتاب ولم يدر ما هو فظنه حبيشا اسم رجل وهذا الشعر لنهشل بن جزى النهشلى وهو فى الخزانة فوجه فطلبه فلم يجده
فقلت له وهذا ايضا عجب، يتحدث الناس بأن سيدنا مع جلالة علمه وعلو نعمته عمل خزانة كتب كما عمل متقدمو الخلفاء، طلب فيها شعر هذا الشاعر المشهور فلم يوجد! قال فما الحيلة وقد شغلنا بغيرها عنها؟ قلت كتب عبيدك لك فتبتدىء فى عمل الأشعار من الخزانة، تبدأ بمضر ثم ربيعة ثم اليمن، فما لم يكن فيها حمله عبيدك من كتبهم، وما كان سماعا لعبيدك أو شيئا لا يعتاضون منه، نسخه وراقوك الذين تجرى عليهم.
وجلده مجلد والخزانة فسكت كالمفكر. فقلت له إن الذى قلته ليس لشىء أجتلبه إنما هو حيف على كتبى، ولكنى آنف أن يتحدث الناس بشىء يفعله سيدنا لا يكون فى نهاية الجلالة. فقال ويحك فاذا جاء ما يشغل كيف نصنع؟ قلت يجعل سيدنا هذه الخزانة للأميرين، ويقتصر على ما يريد النظر فيه، قال أما هذا فنعم فأمر بإخراج الكتب اليه يوما يوما، وأجلسنا فميزناها وقسمها بين يديه، بين ابنيه واقتصر على ما أراد ووهب لنا الباقى فاقتسمناه. وكان أكثره ما يباع وزنا.
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع