من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
فمن شعره على قافية الباء
لو أنّ ذا حسب نال السّماء بهنلت السّماء بلا كدّ ولا تعب
منّا النّبىّ رسول الله ليس لهشبه يقاس به فى العجم والعرب
فان صدقتم فأعلى الخلق نحن وإنملتم عن الصّدق اعنقتم إلى الكذب
وقال فى الغزل
ضحك الزّمان إلىّ عن إعتابوأعارنى سمعا لبثّ عتاب
رمد بعينى صرفه عن لحظتىإذ كان بى فى شرّتي وشبابى
سابق بلذّتك الشّباب فانّنىأصبحت فيه مجرّرا أثوابى
وعلمت أنّ الدّهر حرب شبيبتىفخلست فى غفلاته آرابى
وقال
ألذّ وأشفى لنا من طربوأطيب من رشف ماء العنب
تبذّل ساق أدار العقاريكفيك بالبذل ذلّ الطّلب
أدار لنا ذات ياقوتةوألبسها خلعا من ذهب
وعدّل سائر سوراتهاوذرّ عليها جيوب الحبب
ومعتدل الحسن لكنّهيخطّى الذّنوب وحبّ الرّيب
تألّف من خدع كلّهبسحر اللّسان وظرف الأدب
لهونا بها ونعمنا بهفكانا جميعا عنان الطّرب
فلمّا ترنّح من سكرهوجرّعته فضل ما قد شرب
تنشّرت من نشره مسكةوناجيت فتكى بسرّ عجب
وكم من ليال لنا أسعفتمطالبنا بسرور الغلب
وقال
يلومنى فى لحاظ الطّرف غيركموالذّنب ذنبك إذ أغريت سقيك بى
يا من يحمّل ذنب الرّاح شاربهاأقبل بوجه الرّضا فى ساعة الغضب
وقال فى قصيدة أولها
أأن قال لى صحبى تسلّ بغيرهاسلوت وهل عنها أصادف مذهبا
فقال فيها
وليل أضاع الخلو عرفان طولهترى النّجم فيه لا يروم تغيّبا
وعقربه فى الغرب تهوى كأنّهاتشكّل فى حقّ التّشابه عقربا
قطعت مداه بالأمانى أكرّهااذا قلت ولّى الهمّ عاد فأنصبا
وأزرق خفّاق تلوح كأنّماتجلّد درعا أو بسلخ تجبّبا
نأت عنه أذيال السّحائب فأختلىوسرّب للتّرب القذى فتسرّبا
ويلمحه لمح الرّياح بطيبهفيرّعد منه الجسم لمحا محبّبا
وإنّى لذو صبر على رغم حاسدىأفلّق هام النّائبات تعقّبا
وأغضى على بعض الأذى فتثيرنىعواصف ذنب الحلم شرقا ومغربا
وكم من عدوّ قد رعت لهواتهمنابت عرضى فاستجاب مكذّبا
وثبت اليه ذا اعتزام وسطوتىعلى الظّلم لا يزداد الّا توثّبا
وأوطأته ذلّا يباقيه وسمهوأنشب كيدى فيه نابا ومخلبا
وإنّى امرؤ تصفو موارد رأفتىوتحرب سطواتى العدوّ المحرّبا
إذا عدّت الأبيات أبصرت بيتناكأن الثّريّا بالبنىّ مطنّبا
رويدك إنّ النّار تظهر تارةويكمن فى الأحجار منها تغيّبا
وقال يهجو ابن رايق وأحسن
أيطلب كيدى من يهون كيادهفيوقد نارا مثل نار الحباحب
لقد رام صعبا لم يرمه شبيههوراض شموسا لا يذلّ لراكب
صغرت عن الأمر الّذى رمت فعلهفطالعتنى بالضّغن من كلّ جانب
وأظهرت لى حبّا يطيف به قلىكخائب برق فى عراض سحائب
أتعقد لى كيد النّساء بمرصدوإنّي فتىّ السّنّ شيخ التّجارب
ألا ربّما عزّت على الحازم الّذىتراها بكفيّه فريسة طالب
تكشّف لى الأيّام منك معايباوقد جرّيت لا شكّ أخزى المعايب
فأصبحت مقهورا وعادتك نكبةتشكّى إليك الشّوق شكوى الحبايب
وكنت إذا عات تعبّث جهلهعبثت له بالمرهفات القواضب
وكم من جليد رام مارمت فانثنىوقد لسبته متلفات العقارب
وقال يفخر
سقى الله أطلالا رعيت بها الصّباسحابة غيث لا يكفّ سكوبها
زمان مغانى اللهو مأنوسة الحمىوحوز الغوانى غصنها وكتيبها
وعود الصّبا لم يذو غضّ نباتهوشرخ الشّباب إلفها وقرينها
يقولون كفّ النّفس عن ظبياتهاوقد مردت عشقا وحارت ذنوبها
ظعنت وقد خلّفتنى نهبة الأسىلعلّة وجد لا يصاب طبيبها
لتهنك لو عات تردّد فى الحشاوعصيان عين ما تطيع غروبها
وتضييع رأى فى اصطناع معاشريسوّد وجه الإصطناع عيوبها
أنا ابن الألى من هاشم زنت هاشماكما زانها العبّاس قبلى نسيبها
سلى تخبرى من كان طفلا ويافعافعزّت به الدّنيا وذلّ خطوبها
ألم أطل الآمال علما وسؤدداوتفخر بى شبّان فهر وشيبها
لأنّى إن ضلّ الغريم غريمهاوإن فحم الخطّاب منها خطيبها
وسيفى على أعدائها سيف نقمةجرىء على الأعمار فيما يوبها
وقال
يوم أتى بديمة هطّالةتبرز من نبت الرّياض ما احتجب
وقد كست يد النّدى وجه الثّرىثياب زهر من لجين وذهب
ونهر شقّ الرّياض جريهمنفجر يحكى لنا شقّ الطّرب
تراه ينساب كأفعى كارهاخوف طلوب مدرك لما طلب
وزادنى فى طربى منعمدانى الرّضا منّى ناء بالغضب
يدير راحا لمعت فى كأسهوألبست فى مزجه تاج ذهب
كلّ سرور فيه من تمامهوكلّ حسن فإليه ينتسب
يركض سعيى إن قصدت فتكةوإن قصدت النّسك فالسّير خبب
وقال
تأوّبنى طارق الهمّ نصباوأبدل سلمى للدّهر حربا
فقال فيها
ونار على شرف أوقدتفشاهدت موقدها حين شبّا
فلله ما خبّأ الدّهر لىأفى كلّ قطر عدوّ مخبّا
وثوب ظلام تدرّعتهأهبّ له يقظا حين هبّا
فأنبت مزعى على دمنةأراقب من عطفة الدّهر وثبا
وقالوا حليم ولم أستطعلراية سطو على الذّنب نصبا
أأشهر سيفى على نابحوأفرس للثّأر قردا وكلبا
إذا لا رتوى من دم خدّهولا سار بالعدل شرقا وغربا
وكم قد وطئت على فتنةوثرت بأخرى فقضّيت نحبا
أخال إذا دهمتنى الخطوبوفى كلّ عضو بجسمى قلبا
ومن حادث دست أمثالهوأتبعت نكب معانيه نكبا
أرى مستكينا لأقرانهإذا لا أسغت من الماء عذبا
وقال يعذر نفسه فى خروجه إلى الموصل
أمغنية مع الظّلم الخطوفيغفر ما جنته من الذّنوب
عجبت لصرف دهر صافياتمكارهه وعيش لى مشوب
كأنّ الدّهر يطلبنى بذحلفحظّى منه إضراء الخطوب
وهوّن بعض ما ألقاه أنّىنقىّ الجيب من دنس العيوب
إذا لم أوت من رأى مصيبفما علمى باضمار الغيوب
وكم ريب لصرف الدهر هابجلاه النّصر من ربّ مهوب
وقال وزعم أنه قصد بها اتباع على بن محمد العلوى على هذا الوزن
سقيا للذّات وطيببين الشّباب الى المشيب
ولنظرة مهتوكةتدنى البرىء من المريب
معقولة بيد الهوىمربوبة بيد الرّبيب
إذ غالبت كفّى الزّمانوإذ شربت على الرّقيب
بخيول لهو أرسلتسحّا به ذيل الغيوب
ركضت بنا وشعارهالا حكم الّا للحبيب
شوق يعرّم فى الحضور فكيف يفعل فى المغيب
وقال
وقهوة يترامىشعاعها بلهيب
جعلتها حظّ نفسىعشقا لها ونصيبى
بيوم سعد مصفّىمن الزّمان المشوب
فسقّنى تذكارالطاعة المحبوب
واعص الرّقيب فإنّىأحلّ قتل الرّقيب
أبى شبابى إلّاعصيّة لمشيبى
ما سوّد النّسك منّىالّا بياض ذنوبى
وقال فى طريق الموصل
جدّد البين كروباوكوى الفقد قلوبا
باعد المقدار بغداد ضرارا ونكوبا
أوجب البين أناسعلّموا قلبى الوجيبا
لهف نفسى لزمانكان لى غضّا رطيبا
ربّ خذ لى من حسودحجب الظّبى الرّبيبا
فلذاك النّوم فىعينى قد صار غريبا
فلذا أهوى معالرّؤية هجرا ورقيبا
يا حبيبىّ وهلخلق يرى اليوم حبيبا
أعفياني عن ملامبالّذى يعفو الذّنوبا
وعقار ذوب شمسجمعت حسنا وطيبا
أضوأ اللّيل سناهالمعانا ولهيبا
سلبت عقلى ختلاوسرت فىّ دبيبا
ضحكت بالمزج كرهاونفى عنها القطوبا
ذرّ من درّ عليهاحين صافاها جيوبا
قد سقانيها غزالعالم منّى عيوبا
حقّق الرّيبة لحظمنه خلّانى مريبا
وترى الغصن لعطفيه إذا اهتزّ نسيبا
كم تحمّلت حروباوتخطّيت خطوبا
ورأى الأعداء بعدىلمداراتى قريبا
فدعى اللّوم فماربعى لذى اللّوم خصيبا
وقال
كلّ داع سواى غير مجابوعذاب الهوى أشدّ عذاب
كم يكون الخلاف والبعد قل لىمع ذلّى وطاعتى واقترابى؟
كلّ يوم يروعنى منك وعدمطمع لمعه كلمع السّراب
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع