من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
يخصي المغنِّي
أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي ثابت الحافظ، قال: حدَّثنا أبو نعيم الحافظ الأصبهاني بها، قال: حدَّثنا سليمان الطبراني، قال: حدَّثنا محمد بن جعفر بن أعين، قال: حدَّثنا علي بن حرب المؤمَّلي عن عامر بن الكلبي عن حماد الراوية، قال: حدَّثني بعض خدم سليمان بن عبد الرحمن، قال: خرَج سليمان بن عبد الملك يريد بيت المقدس، وكان أغيَرَ قُريش وأسرع طيرةً، فنزل منزلًا من غور البلقاء بديرٍ لبعض الرهبان، فحفَّ بالدير أهل العسكر، وكان في من خرج معه رجلٌ من كلب يُقال له سِنانٌ، وكان فارسًا ومُغنِّيًا مُحسِنًا، وشُجاعًا، وبغيرة سليمان بن عبد الملك عارِفًا، ولم يكُ يُسمع له صوتٌ في عسكره، فزاره في تلك الليلة فتيةٌ من أهله، فعشَّاهم وسقاهم، فأخذ فيهم الشراب، فقالوا: يا سنان! ما أكرمتنا بشيء إن لم تُسمعنا صوتك. فترنَّم فغنَّاهم، فقال:
محجوبةٌ سمعت صوتي فأرَّقهامن آخِر الليل لما بلَّها السحر
تُثني على فخذها مُثنى مُعصفرةوالحليُ منها على لباتِها حَصِرُ
لم يَحجب الصوت أحراسٌ ولا غَلَقٌفدمعها لطُرُوق الصوت منحدرٌ
في ليلة النِّصف ما يَدري مُضاجِعهاأوجهها عنده أبهى أم القمر
لو خُلِّيت لمشت نحوي على قدمٍتكاد من رقةٍ للمَشي تنفطِرُ
فلما سمع سليمان الصوت قام مفزعًا يتفهَّم ما سمع، وكان معه جاريته عوان، ولم يكن لها نظيرٌ في زمانها في الجمال والتمام والحذق بالغناء، وكان يُحبها، فلما فهم الصوت ارتعدت فرائصه غيرةً، ثمَّ أقبل نحو عوان وهي خلف سِتر، فكشَف الستر رويدًا لينظر أنائمة هي أم مُستيقظة، فوجدها مستيقظة، وهي صفة الأبيات: عليها مُعصفَرة، وحليها على لباتها، فلما أحسَّت به وعلمت بأنه قد علم بأنها مستيقظة قالت: يا أمير المؤمنين! قاتل الله الشاعر حيث يقول:
ألا رُب صوتٍ جاءني من مُشوَّهٍقبيحِ المحيا واضع الأبِ والجدِّ
قصير نجاد السيف جَعْدٍ بنانُهُإلى أَمةٍ يُعزَى معًا وإلى عبدِ
فسكَن مِن غضبه قليلًا، ثمَّ قال لها: فقد راعك صوته على ذلك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، صادف مني استيقاظًا. فقال: ويحك يا عوان! كأنه والله يراكِ ويَنعتُك في غنائه في هذه الليلة، والله لأقطعنه أطباقًا كائنًا ما كان. ثمَّ بعث في طلبه، فبعثت عوانُ خادِمًا إليه سِرًّا، وقالت له: إن أدركته فحذَّرته، فأنت حرٌّ ولك ديته. فخرج سليمان حتى وقف على باب الدير، فسبقت رُسلُ سليمان، فأتوا به إلى سليمان مربوطًا حتى وقفوا بين يديه، فقال له: من أنت؟ قال: أنا سنان الكلبي فارسُك يا أمير المؤمنين. فأنشأ سليمان يقول:
تُثكلُ في الثكلى سنانًا أمُّهكان لها ريحانةً تشُمه
وخاله يثكلُهُ وعمُّهذو سفهٍ هناته تَعُمه
فقال سنان: يا أمير المؤمنين:
استبقني إلى الصَّباح أعتذرإن لساني بالشراب مُنكسِر
فارسُكَ الكلبي في يومٍ نَكرفإن يكن أذنبَ ذنبًا أو عثر
فالسيد العافي أحق من غفر
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع