تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

مدرك الشيباني وعمرو النصراني

مِنْ عاشِقٍ ناءٍ هواهُ دانناطِقِ دمعٍ صامِتِ اللسان
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «من عاشق ناء هواه دان»

القصيدة جميعها.

وقال أبو القاسم جعفر بن شاذان القُمِّي: وكان عمرو بن يوحنا النصراني يسكن في دار الروم ببغداد من الجانب الشرقي، وكان من أحسن الناس صورة وأجملهم خُلقًا، وكان مُدرك بن علي الشيباني يهواه، وكان مدرك من أفاضل أهل الأدب والمطبوعين في الشعر، وكان له مجلس يجتمعُ إليه الأحداث لا غير، فإن حضَره شيخٌ أو كهلٌ قال له مدرِك: إنه يَقبُح بمثلك أن يختلط بالأحداث والصبيان، فقم في حفظ الله. فيقوم.

وكان عمرو بن يوحنا ممن يَحضر مجلسه، فعشق مدرك وهام به، فجاء عمرو يومًا إلى المجلس، فكتب مدرك رُقعةً وطرحها في حجره، فقرأها فإذا فيها:

بمجالس العلم التيبك تمَّ جمعُ جُموعِها
ألا رثيت لمقلةٍغَرِقت بماء دموعها
بيني وبينك حرمةٌالله في تضييعها

فقرأ الأبيات، ووقف عليها من كان في المجلس وقرءوها، واستحيا عمرو من ذلك فانقطع عن الحضور، وغلب الأمر على مدرك فترك مجلسه ولزم دار الروم، وجعل يتبعُ عمرًا حيثُ سَلَك، وقال فيه هذه القصيدة المزدوجة العجيبة.

ولمدرك في عمرو أيضًا أشعارٌ كثيرة، ثمَّ خرج مدرك إلى الوسواس. وسُلَّ جسمه وذهل عقله، وانقطع عن إخوانه ولزم الفراش، فحضره جماعةٌ، فقال لهم: ألستُ صديقكم القديم العشرة لكم، أفما فيكم أحدٌ يُسعدني بالنظر إلى وجه عمرو؟ فمضوا بأجمعهم إليه، وقالوا له: إن كان قتلُ هذا الفتى دِينًا فإنه إحياءه لمروءة! قال: وما فعل؟ قالوا: قد صار إلى حالٍ ما نحسبُك ترضى به. فلبس ثيابه ونهض معهم، فلما دخلوا عليه سلَّم عليه عمرو وأخذ بيده وقال: كيف تجدُك يا سيِّدي؟ فنظر إليه فأغميَ عليه ساعةً ثمَّ أفاق، وفتح عينيه وهو يقول:

أنا في عافية إلامن الشوق إليكا
أيها العائد ما بيمنك لا يخفى عليكا
لا تعُد جِسمًا وعُد قَلْــبًا رهينًا في يديكا
كيف لا يهلِكُ مرشوقٌ بسهمَي مُقلتَيكا

ثمَّ شهق شهقةً فارَقَ فيها الدنيا، فما برحنا حتى دفنوه.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.