من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
صوت بأربعة آلاف دينار
أخبَرَنا القاضيان أبو الحسين أحمد بن علي التَّوَّزِي، وأبو القاسم علي بن المحسن التَّنُوخِي، قالا: حدَّثنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدَّثنا محمد بن خلف المحولي، أخبرني أبو الفضل الكاتب، عن أبي محمد العامري، قال: قال إسماعيل بن جامع: كان أبي يَعظُني في الغناء ويُضيِّق، فهربتُ منه إلى أخوالي باليمن، فأنزلني خالي غرفة له مشرفة على نهرٍ في بستان، فإني لمشرفٌ منها إذ طلعت سوداء معها قربةٌ، فنزلت إلى المشرَعة، فجلست فوضعَت قِربتها وغنَّت:
إلى الله أشكو بُخلها وسماحتيلها عسلٌ مني وتبذلُ علقَمَا
فرُدِّي مُصابَ القلبِ أنت قتلتِهولا تَتركيه هائم القلبِ مغرَمَا
وذرفت عيناها، فاستفزَّني ما لا قِوام لي به، ورجوتُ أن تردَّه فلم تفعل، وملأتِ القربة ونهضت، فنزلت أعدو وراءها، وقلت: يا جارية! بأبي أنت وأمي ردِّي الصوت! قالت: ما أشغلني عنك! قلت: بماذا؟ قالت: عليَّ خراجٌ كلَّ يوم درهمان. فأعطيتُها درهمين، فتغنَّت وجلست حتى أخذتُه وانصرفتُ، ولهوت يومي ذلك وكرهت أن أتغنَّى الصوت، فأصبحتُ وما أذكر منه حرفًا واحدًا، وإذا أنا بالسوداء قد طلعَت ففعلَت كفعلها الأول، إلا أنها غنَّت غير ذلك الصوت، فنهضتُ وعدوتُ في إثرِها. فقلت: الصوت قد ذهب عليَّ منه نغمةٌ. قالت: مثلك لا يذهب عليه نغمة، فتبيَّنْ بعضه ببعض. وأبت أن تُعيده إلا بدرهمَين. فأعطيتها ذلك، فأعادته فتذكَّرتُه، فقلت: حسبُكِ! قالت: كأنك تُكاثرُ فيه بأربعة دراهم، كأني والله بك، وقد أصبتَ به أربعة آلاف دينار.
قال ابن جامع: فبَينا أنا أغني الرشيد يومًا، وبين يدَيه أكياس في كلِّ كيس ألف دينار إذ قال لي: من أطربني فله كيس، فغنِّ لي الصوت. فغنيتُه فرمى لي بكيس، ثمَّ قال: أعِد! فأعدتُ، فرمى لي بكيس، وقال: أعِد. فأعدتُ، فرمى لي بكيس، فتبسَّمت، فقال: ما يُضحكك؟ قلت: يا أمير المؤمنين؛ لهذا الصوت حديثٌ أعجب منه. فحدَّثته الحديث فضحك، ورمى إليَّ الكيس الرابع، وقال: لا تُكذِّب قول السوداء. فرجعتُ بأربعة آلاف دينار.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع