من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
المجنون وولي الصدقات
وأخبرنا أبو القاسم علي بن أبي علي، حدَّثنا محمد بن العباس، حدَّثنا محمد بن خلف، حدَّثني محمد بن إسحاق، حدَّثني ابن عائشة عن أبيه، قال: وُلِّي نوفل بن مُساحق صدقات كعب بن ربيعة، فنزل بمجمعٍ من تلك المجامع، فرأيت قيس بن مُعاذ المجنون وهو يلعب بالتراب، فدنا منه فكلَّمه، وجعل يجيبه بخلاف ما يسأله عنه، فقال له رجلٌ من أهله: إن أردتَ أن يكلِّمك كلامًا صحيحًا فاذكر له ليلى. فقال له نوفل: أتُحبُّ ليلى؟ قال: نعم! قال: فحدِّثني حديثك معها! قال: فجعل ينشده شعره فيها ويقول:
وشُغِلتُ عن فهم الحديث سوىما كان فيكِ وأنتُم شُغلي
وأُديمُ نحوَ مُحدِّثي ليرىأن قد فَهِمتُ وعندكم عَقلي
وأنشد أيضًا:
سَرت في سواد القلب حتى إذا انتهىبها السَّيرُ وارتادَت حِمى القلب حلَّتِ
فللعين تهمالٌ إذا القلب مَلَّهاوللقلبِ وسواسٌ إذا العين ملَّتِ
ووالله ما في القلب شيءٌ من الهوىلأخرى سِواها أكثرَتْ أم أقلَّتِ
وأنشد أيضًا:
ذكرتُ عشيَّةَ الصدَفَين ليلىوكل الدَّهرِ ذكراها جديدُ
عليَّ أليَّةٌ إن كنتُ أدريأينقُصُ حبُّ ليلى أم يزيد
فلما رأى نوفل ذلك منه أدخله بيتًا وقيَّده وقال: أُعالجه. فأكل لحم ذراعَيه وكفيه، فحلَّه وأخرجه، فكان يأوي مع الوحوش، وكانت له دايةٌ ربَّته صغيرًا، فكان لا يألف غيرها ولا يقربُ منه أحد سواها، فكانت تَخرُجُ في طلبه في البادية وتحملُ له الخبزَ والماء، فرُبَّما أكل بعضه ورُبَّما لم يأكل، فلم يزل على ذلك حتى مات.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع