تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

العاشق المتكتم

وأخبرنا أحمد بن علي، حدَّثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدَّثنا عبد الله بن إبراهيم البصري، حدَّثنا محمد بن خلف، حدَّثني أبو موسى عيسى بن جعفر الكاتب، حدَّثني محمد بن سعيد، حدَّثني إسحاق بن جعفر الفارسي: سمعتُ عمر بن عبد الرحمن يحكي عن بعض العمريين، قال: بينا أنا يومًا في منزلي إذ دخل عليَّ خادمٌ لي، فقال لي: رجلٌ بالباب معه كتاب. فقلتُ له: أدخله، أو خذ كتابه. قال: فأخذتُ الكتاب منه، فإذا فيه هذه الأبيات:

تجنَّبكَ البلا، ولقيتَ خيرًاوسلَّمكَ المليكُ من الغُمومِ
شكَوْنَ بناتُ أحشائي إليكُمهَوَايَ حينَ ألفَتْني كَتُوم
وحاولن الكِتابَ إليكَ في مايُخامِرُها فدَتكَ من الهُمُومِ
وهُنَّ يَقُلن يا ابن الجودِ: إنَّابَرِمنا مِن مُراعاةِ النُّجُومِ
وعندكَ لو مَننتَ شفاءُ سُقميلأعضاءٍ ضنينَ من الكُلُومِ

فلما قرأتُ الأبيات قلت: عاشق. فقلت للخادم: أَدخله. فخرج إليه الخادم بالخبر فلم يجده، فقلت: أخطأتُ، فما الحيلة؟ فارتبتُ في أمره، وجعَل الفكر يتردد في قلبي، فدعوت جواريَّ كُلُّهنَّ ممن يَخرجُ منهن ومن لا يخرُج، فجمعتُهن ثمَّ قلت: أخبرنني الآن قصة هذا الكتاب.

قال: فجعل يَحلفن، وقلن: يا سيِّدنا ما نعرف لهذا الكتاب سببًا، وإنه لباطلٌ. ثمَّ قلن: من جاء بهذا الكتاب؟ فقلتُ: قد فاتَني. وما أردتُ بهذا القول لأني ضننتُ عليه بمَن يَهوى منكن، فمن عرفَت منكنَّ أمرَ هذا الرجل فهي له، فلتذهب إليه متى شاءت، وتأخذ كتابي إليه.

قال: فكتبتُ إليه كتابًا أشكره على فعله وأسأله عن حاله، وعما يقصده، ووضعتُ الكتاب في موضع من الدار، وقلت: من عرف شيئًا فليأخذه. فمكث الكتابُ في موضعه حينًا لا يأخذه أحدٌ، ولا أرى للرجل أثرًا، فاغتممتُ غمًّا شديدًا، ثمَّ قلت: لعله من بعض فتياننا. ثمَّ قلت: إن هذا الفتى قد أخبَرَ عن نفسه بالورَع، وقد قنع ممن يحبُّه بالنظر. فدبَّرتُ عليه، فحجبتُ جواريَّ من الخروج.

قال: فما كان إلا يومٌ وبعضُ آخر حتى دخل الخادم ومعه كتاب، فقلتُ له: ما هذا؟ قال: أرسل به إليك فلان. وذكر بعض أصدقائي، فأخذتُ الكتاب ففضضته، فإذا فيه هذه الأبيات:

ماذا أردتَ إلى رُوحٍ مُعلَّقَةٍعند التراقي، وحادي الموت يَحدوها
حثثتَ حاديها ظُلمًا فجَد بهافي السيرِ، حتى تولَّت عن تراقيها
حَجَبتَ من كان يَحيى عند رؤيتهرُوحي، ومن كان يَشفيني تلاقيها
فالنفسُ ترتاح نحو الظلمِ جاهِلةًوالقلبُ مني سليمٌ ما يؤاتيها
والله لو قِيلَ لي تأتي بفاحِشةٍوإن عُقباك دُنيانا وما فيها
لقُلتُ: لا والذي أخشى عُقوبتَهولا بأضعافِها ما كُنتُ آتيها
لولا الحياءُ لبُحنا بالذي كَتَمَتبنتُ الفؤاد، وأبدَينا تمنِّيها

قال: قلت لا أدري ما أحتالُ في أمر هذا الرجل، وقلت للخادم: لا يأتيك أحدُ بكتاب إلا قبضتَ عليه حتى تُدخِله إليَّ، ولم أعرف له بعد ذلك خبرًا.

قال: فبينا أنا أطوف بالكعبة، إذا أنا بفتًى قد أقبلَ نحوي، وجعل يطوفُ إلى جنبي ويلاحظني، وقد صار مثل العود. قال: فلما قضيتُ طوافي خرجتُ واتبعني، قال: يا هذا! أتَعرِفُني؟ قلت: ما أُنكرُك لسوء. قال: أنا صاحب الكتابين.

قال: فما تمالكتُ أن قبَّلت رأسه وبين عينَيه وقلت: بأبي أنت وأمي، والله لقد شغلتَ عليَّ قلبي، وأطلت غمِّي لشدة كتمانك لأمرك، فهل لك فيما سألت وطبت؟

قال: بارك الله لك وأقرَّ عينك، وإنما أتيتُك مُستحلًّا من نظرٍ كنت أنظرُه على غير حُكم الكتاب والسنة، والهوى داعٍ إلى كل بلاء، وأستغفر الله.

فقلت: يا حبيبي، أتحبُّ أن تصير معي إلى المنزل، فآنس بك وتجري الحُرمة بيني وبينك.

قال: ليس إلى ذلك سبيل، فاعذر وأَجب إلى ما سألتك.

فقلت: يا حبيبي! غَفَرَ الله لك ذنبك، وقد وهبتُها لك ومعها مائة دينار تعيش بها، ولك في كل سنة كذا وكذا.

قال: بارك الله لك فيها، فلولا عهودٌ عاهدت الله تعالى بها وأشياء وكَّدتُها على نفسي لم يكن شيء في الدنيا أحبَّ إليَّ من هذا الذي تَعرِضُه عليَّ، ولكن ليس إليه سبيل، والدنيا فانيةٌ منقطعة.

قال: قلتُ له: فأمَّا إذ أبيت أن تصير إلى ما دعَوتُك إليه، فأَخبرني من هي من جواريَّ حتى أُكرِمها لك ما بقيتُ.

فقال: ما كنتُ لأسمِّيها لأحدٍ أبدًا. ثمَّ سلَّم عليَّ، ومضى فما رأيته بعد ذلك.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.