من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)
قولهم رمتني بدائها وانسلت
كان سبب هذا المثل أن سعد بن زيد مناة كان تزوج رُهمَ ابنة الخزرج
بن تيم الله بن رُفيدة بن كلب بن وَبَرَة، وكانت من أجمل النساء، فولدت له مالك بن سعد، وكان ضرائرها إذا سابَبْنها يقلن لها: يا عَفْلاء. فشكت ذلك إلى أمها، فقالت لها أمها: إذا ساببنك فابدئيهن بعفال سُببْتِ فأرسلتها مثلاً. قال فسابّتها بعد ذلك امرأة من ضرائرها، فقالت لها رُهم: يا عَفْلاء، فقالت ضرتها: رمتني بدائها وانسلت. وبنو مالك بن سعد رهط العجّاج كان يقال لهم بنو العُفَيْل. فقال اللعين وهو يُعرِّض بهم:
ما في الدَّوائر مِنْ رِجْلَيَّ من عَقَلٍعند الرِّهان وما أُكْوى من العَفَلِ
الْبَسْ لكلّ حالةٍ لَبُوسَهاإِمَّا نَعِيمَها وإِمِّا بُوسَها
ومُكْرَهٌ أَخُوكَ لا بَطَل
أول من قال ذلك بَيْهَس، وهو رجل من بني غُراب بن فزارة بن ذُبيان بن بَغيض، وكان سابع سبعة إخوة، فأغار عليهم ناس من بني أشجع وهم في إبلهم فقتلوا منهم ستة، وبقي بَيْهَس وكان يُحمَّق وكان أصغرهم، فأرادوا قتله، ثم قالوا: ما تريدون من قتل هذا، يُحسب عليكم برجل ولا خير فيه؟ فتركوه. فقال: دعوني أتوصّل معكم إلى أهلي، فإنكم إن تركتموني أكلتني السباع أو قتلني العطش. ففعلوا. فأقبل معهم، فلما كان من الغد نزلوا فنحروا جَزوراً في يوم شديد الحر. فقالوا: أظِلّوا لحمكم لا يفسد، فقال بَيْهَس: لكن بالأثَلاث لحمٌ لا يُظَلُّ. فقالوا: إنه لمنكر.
فهمّوا بقتله ثم تركوه. ففارقهم حين انشعب له طريق أهله فأتى أمه فأخبرها الخبر فقالت: ما جاءني بك من بين إخوتك؟ فقال: لو خيّرك القوم لاخترت. فأرسلها مثلاً. ثم إن أمه عطفت عليه ورقّت له. فقال الناس: أحبّت أم بَيْهَس بيهساً ورقّت له. فقال بَيْهَس: ثُكلٌ أرْأَمَها ولداً. فأرسلها مثلاً. ثم جعلت تعطيه ثياب إخوته يلبسها ومتاعهم. فقال: يا حبذا التراث لولا الذلّة. فأرسلها مثلاً. ثم إنه مرّ بنسوة من قومه يُصلحن امرأةً منهن يُردن أن يُهدينها لبعض القوم الذين قتلوا إخوته، فكشف ثوبه عن استه وغطى به رأسه. فقلن: ويحك أي شيء تصنع؟ قال:
الْبَسْ لكلّ حالةٍ لَبُوسَهاإِمَّا نَعِيمَها وإِمِّا بُوسَها
فأرسلها مثلاً. فلما أتى على ذلك ما شاء الله جعل يتتبع قَتَلَة إخوته ويتفصّاهم حتى قتل منهم ناساً، فقال بَيْهَس:
يا لهَا نَفْساً لَهَاأَنَّى لها الطُّعْمُ والسَّلاَمَهْ
قد قَتَّلَ القومُ إخوتِيبكلِّ وادٍ زُقاءُ هامَهْ
فَلأَطْرُقَنَّهُمُ نِياماًولأَبْرُكَنَّ بِركَةَ النَّعامَهْ
قَبْضَةَ رِجلٍ وبَسْط أُخرَىوالسَّيْفَ أقْدَمْتُهُ أمامَهْ
ثم أخبر ناساً من أشجع في غارٍ يشربون فيه، فانطلق بخالٍ له يُكنى أبا حشرٍ، حتى إذا قام على باب الغار دغع أبا حشرٍ في الغار. فقال: ضرباً أبا حشرٍ. فقال بعضهم: إن أبا حشرٍ لَبطل. فقال أبو حشرٍ: مُكرهٌ أخوك لا بطل. فأرسلها مثلاً. فقال المتلمّس:
ومن حَذَرِ الأيَّامِ ما حَزَّ أَنْفَهقَصِيرٌ وخَاضَ المَوْتَ بالسَّيْفِ بَيْهِسُ
نَعَامَةُ لمَّا صَرَّعَ القومُ رَهْطَهُتَبَيَّنَ في أثوابهِ كيف يَلْبَسُ
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع