تجاوز إلى المحتوى

من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)

قولهم تسمع بالمعيدي لا أن تراه

أول من قال ذلك المنذر بن ماء السماء. وكان حديثه أنّ كُبيْش بن جابر بن قَطَن بن نهشل بن دارِم بن مالك بن حنظلة كان عرض لأمةٍ لِزُرارة

بن عُدُس بن زيد بن عبد الله بن دارم يقال لها رُشيَّة، كانت سبيَّة أصابها زُرارة من الرُفيدات، فولدت له عمراً وذُئيباً وبَرغوثاً، فمات كُبيش وترعرعت الغلمةُ، فقال لقيط بن زرارة: يارُشيّة مَن أبو بنيك؟ قالت: كُبيش بن جابر. وكان لقيط عدوّاً لضَمْرة بن جاب أخي كُبيش. قال: فاذهبي بهؤلاء الغِلْمة فعَبِّسي بهم وجه ضَمْرة. فأخبريه من هم. فانظلقت بهم إلى ضمْرة فقال: ما هؤلاء؟ قالت: بنو أخيك كُبيش بن جابر. فانتزع منها الغِلْمة، وقال: الحقي بأهلكِ. فرجعت فأخبرت أهلها الخبر. فركب زرارة، وكان رجلاً حليماً، حتى أتى بني نهشل فقال: ردوا عليّ غلمتي. فشتمه بنو نهشل وأهجروا له. فلما رأى ذلك انصرف فقال له قومه: ما صنعت؟ قال خيراً. ما أحسن ما لقيني به قومي. فمكث حولاً ثم أتاهم فأعادوا عليه أسوأ ما كانوا قالوا له. فانصرف فقال له قومه: ما صنعت؟ قال: خيراً قد أحسن بنو عمي وأجملوا. فمكث بذلك سبع سنين يأتيهم في كل سنة فيردونه بأسوأ الردّ. فبينما بنو نهشل يسيرون ضُحىً لحقهم لاحق فأخبرهم أن زُرارة قد مات. قال ضَمْرة: يا بني نهشل قد مات حِلمُ إخوتكم اليوم فاتّقوهم بحقّهم. ثم قال ضمرة لنسائه: قِفْنَ أقسم بينكن الثُكل. وكانت عنده هند بنت كرِب بن صفوان بن شجنة بن عُطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة، وامرأة يقال لها خُليْدة من بني عِجل، وسبيَّة من عبد القيس، وسبيّة من الأزد من طَمَثان، وكان لهنّ أولادٌ غير خُليدة. فقالت لهند وكانت لها مُصافية، وَلَّي الثُكل بنت غيركِ! فأرسلتها مثلاً. فأخذ ضَمْرة شِقَّة بن ضمرة وأمه هند، وشهاب بن ضمرة وأمه العبدية، وعَنْوَة بن ضمرة وأمه الطمثانية، فأرسل بهم إلى لقيط بن زُرارة. وقال: هؤلاء رهنٌ بغلمتكَ حتى أُرضيك

منهم. فلما وقعوا في يديْ لقيط أساء ولايتهم وجفاهم وأهانهم. فقال في ذلك ضَمْرَة بن جابر:

صَرَمْتُ إِخاءَ شِقَّةَ يوْم غَوْلٍوإِخْوَتِه فلا حُلَّت حِلالي
للشاعر ضمرة بن جابر التميمي، اقرأ القصيدة
كأَنِّي إِذْ رَهَنْتُ بَنِيَّ قَوْمِيدَفَعْتُهم إلى الصُّهْبِ السِّبالِ
للشاعر ضمرة بن جابر التميمي، اقرأ القصيدة
فَلمْ أَرْهَنْهُم بِدَمٍ ولَكِنْرَهَنْتُهم بِصُلْحٍ أو بمَالِ
للشاعر ضمرة بن جابر التميمي، اقرأ القصيدة
صَرَمْتُ إِخاءَ شِقَّةَ يوْم غَوْلٍوحُقَّ إِخاءُ شِقَّةَ بالوِصَالِ
للشاعر ضمرة بن جابر التميمي، اقرأ القصيدة

فأجابه لقيط بن زُرارة:

أبا قَطَنٍ إِنِّي أراك حَزِينَاوإِنَّ العَجُولَ لا تُبِالِي الحَنِينا
أَفِي أَنْ صَبَرْتُم نصفَ عامٍ لَحقَّنَاونحنُ صَبَرْنا قبلُ سبعَ سنينا

وقال ضمرة بن جابر:

لعمرُك إنَّني وطِلابَ حُبِّيوتَرْكَ بَنِيَّ في الشُّطُر الأعادِي
للشاعر ضمرة بن جابر التميمي، اقرأ القصيدة
لَمِنْ نَوْكَى الشُّيوخِ وكان مِثْلِيإذا ما ضَلَّ لمْ يُنْعَشْ بهادِي
للشاعر ضمرة بن جابر التميمي، اقرأ القصيدة

ثم أن بني نهشل طلبوا إلى المنذر بن ماء السماء أن يطلبهم من لقيط، فقال لهم المنذر: نحُّوا عني وجوهكم. ثم أمر بخمرٍ وطعامٍ ودعا لقيطاً فأكلا وشربا، حتى أخذت الخمرة فيهما قال المنذر للقيط: يا خير الفتيان ما تقول في رجل اختارك الليلة من نُدماء مُضر؟ قال: وما أقول فيه! أقول: إنه لا يسألني شيئاً إلا أعطيته إياه غير الغِلْمة. قال له المنذر: وما الغِلْمة، أما إذا استثنيت فلست قابلاً منك شيئاً حتى تعطيني كل ما سألتك. قال: فذلك لك. قال فإني أسألك الغِلْمة أن تهبهم لي. قال: سلني غيرهم. فأرسل لقيط إليهم فدفعهم المنذر. فلما أصبح لقيط لامَه قومه فندم فقال في المنذر:

إِنَّك لو غَطِّيْتَ أرْجَاءَ هُوَّةٍمُغَمَّسةً لا يُسْتبان تُرابُها
بِثَوْبِك في الظَّلْماءِ ثم دَعَوْتَنيلجِئْتُ إليها سادِراً لا أهابُها
فأصبحتُ موجوداً عليَّ مُلَوَّماًكأنْ نُضِّيتْ عن حائضٍ لي ثيابُها

وأرسل المنذر إلى الغلمة وقد مات ضمرة. وكان ضمرة صديقاً للمنذر. فلما دخل عليه الغلمة وكان يسمع بشقّة ويُعجبه ما يبلغه عنه. فلما رآه المنذر قال: تسمع بالمُعَيدي لا أن تراه. فأرسلها مثلاً. فقال شِقّة: أبيت اللعن وأسعَدك إلهك، إن القوم ليسوا بجُزُرٍ، يعني الشاءَ، إنما يعيش الرجل بأصغريه: لسانه وقلبه. فأعجب المنذر كلامه وسرّه كل ما رأى منه. فسماه ضمرة باسم أبيه. فهو ضمرة بن ضمرة بن جابر. وذهب قوله: إنما يعيش الرجل بأصغريه، مثلاً.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفاخر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.