من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)
قولهم عند جهينة الخبر اليقين
قال خالد بن كلثوم: هو جُهينة يهودي من أهل تيماء كان نازلاً في بني صِرمة بن مرة وكان ناس من بني سلامان بن سعد أخي عُذرة حُلفاء لبني صِرمة نزولاً فيهم، وكانت الحُرَقة وهي حُميس بن عامر بن مُودَعة بن جهينة حُلفاء لبني سهم بن مرة نزولاً فيهم. وكان في بني سهم خمّار يهودي من أهل وادي القُرى يقال له غُصيْن بن حيّ. وكان أهل بيتٍ من بني عبد الله بن غطفان يقال لهم بنو جَوْشَن يُتشاءَم بهم في بني صرمة، ففُقِد رجل منهم يقال له خُصيْل، فكانت أخته تسأل عنه الناس. فجلس ذات يوم أخٌ للمفقود في بيت اليهودي الذي في بني سهم يبتاع خمراً، ومرّت أخت المفقود تسأل عنه، فقال الخمّار:
تُسائِلُ عن خُصَيْلٍ كُلَّ رَكْبٍوعِنْد جُهَيْنَةَ الخَبَرُ اليَقِينُ
يعني اليهودي الذي في بني صرمة. فقال له أخوه: نشدتك الله هل تعلم مِن أخي عِلماً. فقال: لا. ثم تمثَّلَ اليهودي ببيتٍ آخر فقال:
لَعَمْرُكَ ماضَلَّتْ ضَلالَ ابنِ جَوْشَنٍحَصاةٌ بِلَيْلٍ أُلْقِيَتْ وَسْطَ جَنْدَل
فتركه حتى أمسى ثم أتاه فقتله، فقال:
طَعَنْتُ وقد كادَ الظَّلامُ يُجِنُّنِيغُصَيْن بن حَيٍّ في جِوَارِ بَنِي سَهْمِ
فأتى الحُصين بن الحُمام وهو سيد بني سهم يومئذٍ فقيل له: إن جارك اليهودي قد قُتل، قتله ابن جوشن وهو في بني صرمة. قال: فاذهبوا إلى جارهم اليهودي فاقتلوه. فانطلقوا فقتلوا اليهودي، فقتلت بنو صرمة ثلاثة من الحُرقة. فبلغ الحُصين فقالوا: اذهبوا فاقتلوا من جيرانهم ثلاثةً. فجاءت بنو سهم فقتلوا من بني سلامان ثلاثة. فجاءت بنو صرمة إلى الحُصين وكانوا أكثر من بني سهم بكثير فقالوا: قتلت من جيراننا ثلاثة قال: نعم. قلتم يهودِيَّنا فقتلنا يهودِيَّكم. وقتلتم من جيراننا ثلاثة فقتلنا من جيرانكم ثلاثة، وبيننا وبينكم رحم ماسَّة فلا نَشُطُّ عليكم. تأمرون جيرانكم فيرتحلون ونأمر جيراننا فيرتحلون. وقال في ذلك الحُصين بن الحُمام:
يا أخَوَيْنَا من أبِينا وأُمِّنَادَعا أَخَوَيْنَا من قُضاعةَ يَذْهَبا
فإن أنتُم لم تَفْعَلوا وأَبَيْتُمُفلا تعلَقونَا ما كَرِهْنَا فَنَغْضَبا
ويروى فلا تَعنُفونا. وقال بعضهم: جُفينة بن معاوية بن سلامان وكان قتل رجلاً من الحُرقة يقال له غُصين بن عامر. وكنيته أبو السبَّاق فغَبِيَ قتله، ثم إنهم ظهروا عليه، فقال الحُصين للحُرقة: اذهبوا فاقتلوا رجلاً من بني معاوية بن سعد. رجع إلى الحديث الأول. قال فأبت بنو صرمة أن يقولوا لجيرانهم ترحلون، وأجمعوا على
قتال بني سهم. وكانت بنو سعد بن ذبيان قد أجلبت على بني سهم. مع بني صرمة وأجلبت معهم مُحارب بن خَصَفة. فساروا إليهم ورئيسهم حُميضَة بن حرملة الصرمي، ونكصت عن الحُصين بن الحُمام قبيلتان من بني سهم وخذلتاه وهما: عدوان بن وائلة بن سهم، وعبد غُنْم بن وائلة. ولم يكن معه إلا بنو وائلة بن سهم. فساروا إليهم فلقيهم الحُصين ومن معه بدارةِ موضوع فظفر بهم وهزمهم، وقتل منهم فأكثر، ففي ذلك يقول في كلمته:
فلا غرْوَ إلا يَوْمَ جاءت مُحارِبٌيَقودُون ألفاً كلّهم قد تَكَتَّبَا
مَوالِي مَوالينا لِيَسْبوا نساءَناأثعلبَ قد جئتم بنكْراءَ ثعلبَا
وقال قي قصيدة له أخرى:
فيا أَخَوَيْنا من أبِينا وأُمِّناإليكم وعند اللهِ والرَّحم العُذْرُ
أَلاَ تَقْبَلُونَ النِّصْفَ مِنَّا وأَنتُمبنو عَمِّنا لا بَلَّ هَامَكُمُ القَطْرُ
سنَأْبَى كما تَأْبَوْنَ حَتَّى تُلِينَكُمصَفائِحُ بُصْرَى والأَسِنِّة والأصْرُ
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع