تجاوز إلى المحتوى

من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)

قولهم لا ماءك أبقيت ولا حرك أنقيت

أول من قال ذلك الضبّ بن أَوْرى الكَلاعي. وذلك أنه خرج تاجراً من اليمن إلى الشام، فسار أياماً ثم حاد عن أصحابه فبقي فرداً في تيهٍ من الأرض، حتى سقط إلى قوم لا يدري مَن هُم. فسأل عنهم فأُخِبر أنهم هَمدان فنزل بهم وكان طريراً طريفاً. وأنّ امرأة منهم يقال لها عَمْرة بنت سُبيع هَوِيَتْه وهَوِيَها. فخطبها الضبُّ إلى أهلها. وكانوا لا يُزوجون إلا شاعراً أو عائفاً أو عالماً بعيون الماء. فسألوه عن ذلك فلم يعرف منه شيئاً فأبَوا تزويجه. فلم يزل بهم حتى أجابوه فتزوجها. ثم أنّ حيّاً من أحياء العرب أرادوا الغارة عليهم فتطيّروا بالضبِّ فأخرجوه وامرأته وهي طامثٌ فانطلقا ومع الضبِّ سقاء من الماء، فساروا يوماً وليلة وأمامهما عينٌ يظنّان أنهما يُصبِحانها، فقالت له: ادفع لي هذا السقاء حتى أغتسل فقد قاربنا العين، فدفع إليها

السقاء فاغتسلت بما فيه ولم يكفيها. ثم صبحا العين فوجداها ناضبةً وأدركها العطش. فقال الضبّ: لا ماءك أبقيت ولا حِرِك أنقيت! ثم استظلا بشجرة حيال العين فأنشأ الضبّ يقول:

تالله ما طَلَّةٌ أًصَابَ بهابَعْلاً سِوايَ قَوارِعَ العَطْبِ
كَيْما يكون الفُؤاد مُصْطَبِراًويَكتَسِي من عَزائِه قَلْبي
وأيُّ مَهْرٍ يكونُ أَثْقَلَ منما طَلَبُوه مِنَّي على الضَّبِّ
أنْ يعرِفَ الماءَ تحت صُمٍّ صَفاًأو يُخْبِر الناسَ مَنْطِقَ الخُطْبِ
أخرجَني قَوْمُها بأنَّ رَحىًدَارَتْ بِشؤْمٍ لها على القُطْبِ

فلما سمعت امرأته ذلك فرحت وقالت: ارجع إلى القوم فإنك شاعر. فانطلقا راجعين. فلما وصلا خرج القوم إليهما، فقال الضبّ: إني شاعر. فتركوهما.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفاخر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.