تجاوز إلى المحتوى

من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)

قولهم انصر أخاك ظالما أو مظلوما

أول من قال ذلك جُندَب بن العنبر بن عمرو بن تميم. وكان رجلاً دميماً فاحشاً، وكان شجاعاً. وأنه جلس وسعد بن زيد مناة يشربان، فلما أخذ الشراب فيهما قال جندب لسعد وهو يمازحه: ياسعد، شُرْبُ لبن اللقاح، وطول النَّكاح، أحب إليك من الكفاح، ودعس الرماح، وركض الوقاح. قال سعد: والله إني لأعملُ

العامل وأنحر البازل، وأُسكت القائل. قال جُندَب: إنك لتعم أنك لو فزِعتَ دعوتني عِجلاً، وما ابتغيت لي بدلاً. ولرأيتني بطلاً. فغضب سعد وأنشأ يقول:

هل يَسُودُ الفَتِى إذا قَبُحَ الوَجْهُ وأمْسَى قِراهُ غَيْرَ عَتِيدِ
للشاعر سَعد بِن زَيد مَناة، اقرأ القصيدة
وإذا النَّسُ في النَّدِيِّ رأَوْهُناطِقاً قال قِوْلَ غَيْرٍ سَدِيدِ

فأجبه جندب:

لَيْسَ زَيْنُ الفَتَى الجَمَالَ ولكنزَيْنُهُ الضَّرْبُ بالحُسام التَلِيدِ
إن يجُدْك الفَتَى فَذَاك وإلاَّرُبَّما ضَنَّ باليَسيرِ العَتِيد

قال سعد، وكان عائفاً: أما والذي أحلفُ به لتأْسِرنَّكَ ظَعينَةٌ، بين القرية والرقينة، ولقد أخبرني طيري، أنه لا يُغيثك غيري. وتفرّقا على ذلك. فغبرا حيناً ثم إن جُنباً خرج على فرس له يطلب القنص، فأتى أَمةً لبني تميم يقال أصلها من جُرْهُم. فقال: لتُمكّنني مسرورةً، أو لتُقهرنَّ مجبورة قالت: مهلاً فإن المرء من نُوكِه، يشرب من سقاء لم يوكِه. فنزل عن فرسه ودنا منها، فقبضت على يديه بيدٍ واحدة فلم يقدر على أن يتحرك، ثم كتفته بعنان فرسه وراحت به مع غنَمِها وهي تحدو به وتقول:

لا تأْمِنَنَّ بَعْدَها الوَلائِدافسوف تَلْقَى باسِلاً مُوَارِدَا

وَحَيَّةٌ تُضْحِي بحَقٍّ رَاصِدَا

فمرّ سعد في إبله فقال: يا سعد أغِثني. فقال سعد: إن الجبان لا يُغيث! فقال جُندَب:

يا أَيُّهَا المَرْءُ الكَرِيمُ المِشْكُومانْصُر أَخَاكَ ظَاِلِماً أَوْ مَظْلُومَا

فأقبل عليه سعد فأطلقه. وقال: لولا أن يُقال قتل امرأة لقَتلتُكِ. فقالت كلاَّ لم يكن ليكذب طيرك، ويصدق غيرك. قال: صدقت ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: انْصُر أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً. قيل يا رسول الله هذا ننصُره مَظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ فقال: تَرُدُّهُ عَن الظُّلْمِ.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفاخر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.