تجاوز إلى المحتوى

من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)

قولهم هو أحلم من الأحنف

هو الأحنف بن قيس، واسمه صخر. وكان في رجله حتف وهو الميل، فغلب عليه لقبه. وكانت أمه ترقصه وهو صغير، وتقول:

واللهِ لولا ضعفه من هزلهِوحنفٌ ودّقةٌ في رجله

ما كانَ في فتيانكم من مثلهِ

وكان حليماً موصوفاً بذلك، حكيماً معترفاً له به. فمن حلمه أنه اشرف عليه رجل وهو يعالج قدراً يطبخها، فقال الرجل:

قدرٌ ككفّ القردِ لا مستعيرهايعارُ ولا منْ يأتها يتدسَّمُ

فقيل للأحنف ذلك، فقال: يرحمه الله لو شاء لقال أحسن من هذا.

وقال: ما أحب أن لي بنصيبي حمر النعم. فقيل له: أنت أعز العرب. فقال: إن الناس يرون الحلم ذلاً. وقال: رب غيظ قد تجرعته مخافة ما هو أشد منه.

قال: وكان لا يقول لأحد الطريق، وقال: إنما أنحيه عن الطريق.

وكان يقول: كثرة المزاح تذهب بالهيبة، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن أكثر من المزاح اجترئ عليه. وأنشده رجل:

يومٌ لهمدانَ ويومٌ للصَّدفْولتميمٍ مثلها أو تعترفْ

فقال الأحنف: تعترف يرحمك الله! فما الحاجة؟ ومن سؤدده وحكمته قوله: السؤدد كرم الأخلاق وحسن الفعال. وقال: ثلاث ما أقولهن إلا ليعتبر بهن معتبر: لا أخلف جليسي بغير ما أحضره به، ولا أدخل نفسي في غير ما أدخل فيه، ولا آتي السلطان أو يرسل إلي.

وقال له رجل: يا أبا بحر! دلني على محمدة بغير مرزئة. فقال: الخلق السجيح، والكف عن القبيح. واعلم أن أدوي الداء اللسان البذي، والخلق الردي.

وأبلغ رجل مصعباً عن رجل شيئاً، فأتاه الذي ابلغ عنه يعتذر، فقال: الذي أبلغنيه ثقة. فقال الأحنف: كلا أبها الأمير، فإن الثقة لا يبلغ! وفضائله كثيرة.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفاخر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.