من «سفط الملح وزوح الترح» لابن الدجاجي (ت ٥٦٤هـ)
في تقبيل الرأس
قال أبو رجاء العطاردي: دخلت المدينة في خلافة أبي بكر ﵁ فرأيت رجلاً يقبل رأس رجل، فسألت عنهما، فقيل: عمر يقبل رأس أبي بكر، ويصوبه في قتال أهل الردة، وقد قبل النبي ﷺ بين عيني جعفر بن أبي طالب لما قدم من الحبشة، وبين عيني العباس ﵄ وكان النبي عليه الصلاة والتسليم لا ينام، حتى يقبل عرض وجه فاطمة ﵍.
ودخل أبو بكر الصديق على عائشة وهي مضجعة محمومة، فأكب عليها فقبل خدها، وقال: كيف تجدينك يا بنية.
وقبل ﵇ الحسن بن علي، والأقرع بن حابس التميمي جالس، فقال إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحد منهم قط، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: "من لا يرحم لا يرحم".
وقبل عبد الله بن عمر سالماً، وهو شيخ، ويقول شيخ يقبل شيخاً.
قيل: لا تجالس عدوك فيحفظ عليك عيوبك، ويمار بك في صوابك.
ولبعضهم:
شر العداوة ما أرتك محبةوطوت على البغضاء والشنآن
يأتيك صاحبها ليحفظ زلةوتراه زاد زيادة الأخوان
سمع أعرابي رجلاً ينادي على جارية له يريد بيعها:
هي الجمر حراً إذا أردت حرارةوأضيق من سم الخياط مضيقها
وأيبس من صم الحنادل مهبلاًوألين من خز العراق قليقها
وأظهر من يمشي على الأرض غلمةوأعذبهم ريقاً إذا مص ريقها
وقال بعض الأدباء الغربة ذلة، فإن أردفتها قلة، وأعقبتها علة، فهي نفس مضمحلة.
وقال آخر لا تنهض عن وكرك، فتنتقصك الغربة، وتضنيك الوحدة، ويقال أن الخالي عن مسقط رأسه كالعير الناشز عن موضعه الذي هو لكل سبع فريسة، ولكل كلب قنيصة، ولكل رام رمية.
لبعضهم:
وإن اغتراب المرء من غير خلةولا همة تسمو لها لعجيب
وحسب الفتى ذلاً وإن أدركالغنى ونال ثراء أن يقال غريب
قيل للعباس ابن عم النبي ﷺ: أنت أكبر، أو رسول الله ﷺ فقال هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله، وقيل الحجاج للمهلب أنا أطول منك أم أنت؟ فقال المهلب الأمير أطول مني، وأنا أبسط قامة. وقيل إنه وقف المهدي على امرأة من بني ثعل، فقال لها: ممن العجوز؟ قالت من طي، قال ما منع طياً أن يكون فيها آخر مثل حاتم؟ قالت: الذي منع العرب أن يكون فيها مثلك، فأعجب بقولها، ووصلها. وقدم قوم من العراق على عمر بن عبد العزيز فنظر فيهم إلى شاب يريد الكلام، فقال له عمر: الكبر الكبر تعني دع يتكلم أولو الأسنان، فقال الفتى: يا أمير المؤمنين، ليس الأمر بالسن، ولو كان كذلك تولى هذا الأمر من هو أسن منك، قال له: صدقت بارك الله فيك.
فقال: إنا وفد العراق، لم نأتك لرغبة ولا رهبة، لأن الرعية قد أحضيت من بلادنا، وحصلت لنا بفضلك والرهبة قد أمناها بعد لك. قال: فما أنتم؟ قال: وفد الشكر، فقال: عمر الله أنت، فما أحسن منطقك، وانشد عمر رحمة الله عليه:
تعلم فليس المرء يولد عالماًوليس أخا علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عندهصغيراً إذا التفت عليه المحافل
روي أن مصعب بن الزبير أخذ رجلاً من أصحاب المختار فأمر بضرب عنقه، فقال أيها الأمير ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة فأتعلق بأطرافك، وأقول يا رب سل مصعباً فيم قتلني؟ فقال: أطلقوه، فقال: أيها الأمير اجعل ما وهبت لي من عمر في حفظ، فقال أعطوه مائة ألف درهم، قال بأبي أنت، أشهدك أن لابن قيس الرقيات نصفها لقوله فيك:
إنما مصعب شهاب من اللهتجلت عن وجهه الظلماء
ملكه ملك رأفة ليس فيهجبروت يخشى، ولا كبرياء
يتقي الله في الأمور وقد أفلح من كان شأنه الاتقاء
فضحك مصعب وقال: تلطفت، وإن فيك موضعاً للصنيعة، وأمر له بمائة ألف درهم أخرى، ولابن قيس الرقيات بخمسين ألفاً.
دخل رجل على خالد بن عبد الله القسري، في دية، فقال خالد: يا غلام هات ألف دينار، فأحضرت في كيس، فقال بعض جلساء خالد، فوالله ما رأى حاتم مثلها، فقال الرجل: حاتم، والله أكرم من أن يجتمع عنده مثلها، قال ابن المقفع: وجدت المودة بين الكرام، بمنزلة آنية الذهب، بطيء الانكسار، بطيء الانجبار.
سئل أفلاطون عن الأصدقاء، فقال: نفس واحدة في أجساد متفرقة.
قال الاسكندر لأصحابه: أيما أفضل، العدل، أو الشجاعة؟ فقالوا: إذا استعمل العدل، استغني عن الشجاعة.
دخل على الاسكندر بطارقته فقالوا: أيها الملك قد بسط الله ملكك، فأكثر من النساء ليكثر ولدك، قال لا يحسن بمن غلب الرجال أن تغلبه النساء.
حكى الزبيريون أن امرأة عرضت لكثير عزة فقالت: أنت القائل:
فما روضة بالحزن طيبة الثرىتمج الندى جئجائها وعرارها
ما حسن وجهاً أو ما عذب ريقةلعزة لما أتحفت بمرارها
لبعضهم:
صاح إن الدهر لا تعرفهفخذ الصفو ودع عنك الكدر
كمخطوب قد تصوبت لهاوهي مثل الثمار ترمي بالشرر
خذل الإخوان فيها كلهموأعان الله فيها ونصر
يروى أن علياً ﵇ دخل على أبي بكر الصديق ﵁ بعد البيعة، فقال أبو بكر: والله يا أبا الحسن، إن عصابة أنت فيها لمعصومة، وأمة أنت فيها لمرحومة، وإنا نخاف الله إذا غضبت، ونرجوه إذا رضيت، ولقد حط الله عن كاهلك، ما أثقل به ظهري، ولولا أني جذبت لهذا الأمر، لما أجبت إليه، وإنا إليك لمحتاجون، وبفضلك عالمون، وعلى الله في أحوالنا متوكلون.
في ذكر المعاريض: ساوم رجل رجلاً في ناقة له، فقال له: كيف لبنها؟ قال احلب في أي إناء شئت، قال: وكيف سيرها؟ قال إذا رأيتها في الإبل عرفتها من غيرها، قال كيف ظهرها؟ قال افرش ونم، فقال فكيف حملها؟ قال: علي أحمل الحائط ما شئت فاشتراها فلم يجد شيئاً من ذلك فاستقاله فأقاله.
وسئل ابن شبرمة عن رجل، فقال له: بين وقدم وشرف. يعني بيتاً يسكنه، وقدماً يمشي عيه وشرفه أدناه ومتكاه.
لبعض الشعراء:
وما الحلي إلا زينة لنقيصةيتمم حسناً حيث ما الحسن قصرا
فأما إذا كان الجمال موفراًلحسنك لم يحتج إلى أن يزورا
يروى أنه لما جاء إلى المهدي بالولاية، وهو جالس بين أصحابه سجدوا شكراً لله تعالى سبحانه، ما خلا عمارة بن حمزة بن ميمون: فقال له المهدي: ما بالك لا تسجد؟ فقال عمارة مقام شكر، وهو علي إن كنت معنا فطرت، وتركتنا، فقال فإن طرنا بك معنا، قال الآن طاب السجود وسجد.
قال المنصور لعمرو بن عبيد قد كثر ببابنا من يمت بالنصيحة، ويسأل الاستخدام، فقال يا أمير المؤمنين ابتلهم بالهوان، والحرمان، فمن شكا الهوان دون الحرمان، فاستخدمه، من شكا الحرمان دون الهوان فأعرض عنه، فإن من يكره الهوان، عزيز النفس، ومن صبر عليه فهو خسيس الهمة دنيءٌ ومثله يستخدم.
قال الرياشي البخل قبيح في كل أحد، وهو في ثلاثة: في الشجاع لا يجود بنفسه فكيف يبخل بماله، ومن الشاعر فإنه يذم البخل، ويعيش، ويكرم، ومن الملك فإنه لا يخاف الفقر.
سأل أبو عون الشاعر رجلاً شيئاً، فلم يعطه فألح عليه، فأعطاه، لما أخذ قال: اللهم السائل، والمسؤول نسألهم إلحافاً، ويعطونا كرهاً، فلا يبارك لنا فيهن ولا يؤجرون عليه.
روي أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، تلوت عني الدنيا، وقلت ذات يدي، فال رسول الله: "فأين أنت عن صلاة الملائكة وتسبيح الخلق وبها يرزقون".
فقلت وماذا يا رسول الله؟ فقال: قل: "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، أستغفره مائة مرة، ما بين طلوع الفجر إلى أن تصلي الصبح، تأتيك الدنيا راغمة صاغرة، ويخلق الله من كل كلمة ملكاً يسبح الله إلى يوم القيامة لك ثوابه".
لمهيار:
أخو وجهين تخبره رقاحاًوتبصر بظاهره حيييا
وهوباً سالبا وأخاً عدوابفطرته ومنقاداً أبيا
فطنت لخلقه فزهدت فيهوبعض القوم يحسبني غبيا
وقد روينا في كتاب (حلية الأولياء) عن علي بن الحسين، قال: كتب ملك الروم إلى عبد الملك بن مروان، يتهدده ويتواعده، ويحلف له ليحملن إليه مائة ألف من البر ومائة ألف من البحر أو يؤدي إليه الجزية، فسقط في درعه، فكتب إلى الحجاج أن اكتب إلى محمد بن الحنفية بكتاب شديد فتهدده وتواعده ثم أعلمني ما يرده عليك، فكتب الحجاج ذلك، وشدد فيه، وتواعده بالقتل فكتب إليه ابن الحنفية: إن لله ﷿ ثلاثمائة وستين لحظة إلى خلقه، وأنا أرجو أن ينظر الله ﷿ إلي نظرة واحدة، يمنعني بها منك، فبعث الحجاج بكتابه إلى عبد الملك بن مروان، فكتب عبد الملك إلى ملك الروم بنسخته، فقال ملك الروم ما هذا خرج منك ولا أنت كتبته، ما خرج إلا من بيت نبوة.
قال علي بن الحسين ﵉ لبنيه: جالسوا أهل الدين، والمعرفة، فإن لم تقدروا عليهم فالوحدة أنس، فإن أبيتم إلا مجالسة الناس، فجالسوا أهل المروءات فإنهم لا يرفثون في مجالسهم. قال الصولي عشق المأمون جارية لامرأته، أم عيسى بنت موسى الهادي، فبلغها ذلك فغضبت عليه، ثم أنهما التقيا على غير موعد ورضى، فقال المأمون:
زمان اللهو يقصر عن تجنوأعراض تجر إلى صدود
ذري عنك الذنوب إذا التقيناتعالي لا أعود، ولا تعودي
قال علي بن الجهم، سألني أمير المؤمنين المأمون حاجة، وأراد بذلك فرحي فسرت علي فوقع إلى:
تعجيل جود المرء إكرامهينشر عنه طيب الذكر
والحر لا يمطل معروفهولا يلي المطل بالحر
قال محمد بن العباس الهاشمي: رأيت دعبل بن علي الشاعر وقفاً عند خشبة بابك الخرمي على برذون أشهب، يتأمل الذي في اليوم الذي مات فيه المعتصم، وجلس الواثق، فقلت، له، ويحك، هذا موقف مثلك، امض إلى منزلك لا يصيبك هنه، فتأتي عليك، فقال: ويحك يا هاشمي، أرأيت أعجب مما نحن فيه، ثم أنشأ يقول: رافعاً صوته:
خليفة مات لم يحزن له أحدوآخر قام لم يفرح به أحد
قد مر ذاك ومر الشؤم يتبعهوقام هذا فقام الشؤم والنكد
قيل لأعرابي أي الروائح أطيب؟ قال: بدن تحبه، وولد تربه.
أنشد المبرد لمحمد بن زياد الحارثي:
تخالهم صماً عن الجهل، والخناوخرساً عن الفحشاء عند التهاجر
ومرضى إذا لاقوا حباً وعفةوعند الحفاظ كالليوث الخوادر
لهم ذل إنصاف وأنس تواضعبهم ولهم ذلك رقاب المعاشر
كأن بهم وضماً يخافون عاروما وصمهم إلا اتقاء المعاثر
قال العتبي يقال أن الرجل إذا مرض، ثم عوفي، ولم يحدث خيراً، ولم يكف عن شر. لقيت الملائكة بعضها بعضاً، فقالوا: فلان داويناه، فلم ينفعه الدواء.
قال: حكي أن أبا حنيفة قال لجعفر الصادق ﵁: لم حرم الله الخمر؟ قال: لأنه ما يشربها أحد قط إلا استشعر الظلم، قال: فلم حرم الله الزنا؟ قال: لأنه ما زنا أحد قط إلا سُلب الحياء، قال: فلم حرم الله أكل الميتة؟ قال: لأن ما أكلها أحد قط إلا قسا قلبه، قال: فلم حرم الله الدم؟ قال: لأنه يورث الجذام.
قال: فلم حرم الله تعالى لحم الخنزير؟ قال: لأنه يورث البرص، قال: فلم حرم الله الربا؟ قال: لئلا يتدافع الناس المعروف.
قال محمد بن مسعر كنت جالساً مع حماد بن زيد، فمر بنا عمرو بن بانة المغني، فقلت له: قل لنا شيئاً فرفع صوته وعنى:
ما جرت خطرة على القلب منإلا استترت من أصحابي
من دموعٍ تجري فإن كنت وحديخالياً استعدت دمعي انتحابي
فبكى حماد وقال هذا شوق مخلوق آدمي إلى آدمي مثله فكيف الشوق إلى الحور العين، وما وصفهن الله به.
كان الحسن يقول: لا تحمل على هم يومك هم غدك، فحسب كل يوم همه.
قال كسرى أنوشروان: إنه لا يصلح الملك إلا لرجل صدوق، شجاع، حلين، جواد، لأن الملك إذا كان كذوباً لم يطمع فيه وليه. إذا أطعمه، ولم يغدوه إذا أخافه، وإذا كان جباناً لم يدفع عن بيضة ملكه، وإذا لم يكن حليماً استنفره الشيء اليسير، ثم يذم عليه، وإذا كان شحيحاً لم يكن مناصحاً.
قال أبو مسلم صاحب الدولة إذا طلب المذنب العفو، وضمن التوبة، فمعاقبة في عقوبة ألأم منه في معصيته.
حكي عن أمير المؤمنين علي ﵇ أنه قال: في الطيب ثلاث خصال، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، ما مس رحلاً طيباً إلا زاد في عقله، ولا حضر مجلساً إلا ورفع له عن صدره، وسمعوا قوله، ولا مر في طريق إلا قال الناس من مر في الطريق.
يروى عن رسول الله ﷺ خرج يوماً على أصحابه، وقد أعلنوا بمفاخرهم في الجاهلية، فقال لعلي ﵇: "قم فاذكر مفاخرك في الإسلام".
فقال، فقال شعراً:
محمد النبي أخي وصهريوحمزة سيد الشهداء عمي
وجعفر الذي يضحي ويمسييطير مع لملائكة ابن أمي
وبنت محمد سكني وعرسيمنوط لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ابناي منهافمن هذا له سهم كسهمي
سبقتكم إلا الإسلام طراًغلاماً ما بلغت أوان حلمي
قال النبي ﷺ: "صدقت يا أبا الحسن" جاء في الخبر عن النبي ﷺ: "من أراد أن يؤمنه الله من الفاقة، والفقر، فليقل: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
لبعضهم:
لم أنس إذ قالت غداة النوىودمعها منحدر واكف
لأنت أحلى من لذيذ الكرىومن أمان قاله خائف
قال جعفر بن محمد الصادق ﵇: ثلاث القليل منهن كثير: الفقر منه كثير، والمرض منه كثر، والعداوة منه كثير.
ودع العتابي رجلاً يريد بغداد، فقال له: إنك تأتي بلداً قد اصطلح أهله على سقم السريرة، وزور العلانية، كلهم يعدك كله، ويمنعك أهون شيء عليه.
قال الجمال: قالت لي امرأتي، وقد أصبحنا في يوم مطير ليس بطيب اليوم فقلت لها: الطلاق فسكتت عني.
قال بعضهم: كان في جوارنا فتى من عذرة يهوى ابنة عم له، فبلغه أن عبداً أسوداً كان يأتيها لمرتبله فغمه لك، فمر ببابها يوماً، فقال ورفع عقيرته:
شابت أعالي فروتي وامتحا شعريفيما أحدث عن قمرية الوادي
نبئت أن غراباً بات محتضناًقمرية بين أغصان، وأعوادي
قال فسمعت شعره فخرجت إليه تقول مجيبة له:
حاشا لقمرية بالطلح مسكنهاإن سبيتم إلى الغربان في الوادي
لا تقبلن من الواشي فإن لهقولاً يفرق بين الماء والادي
قال الحسن البصري: لا يخرج العبد من الدنيا إلا بثلاث حسرات: حسرة أنه لم يدرك ما أمل، وأخرى أنه لم يشبع بما جمع، وأنه لم يحسن الزاد فيما يقدم عليه.
قال محمد بن داود الأصفهاني الهجر على أربعة أضرب: هجر ملال، وهجر دلال، وهجر مكافأة على الذنوب، وهجر البغض الطبيعي المتمكن في القلب، فأما الهجر الملال فيبطله مرور الأيام والليالي، وأما هجر الدلال فهو من كثر الوصال، وأما الهجر الذي يتولد عن الذنب فالتوبة تخرجه عن القلب، وأما الهجر الذي يوجبه البغض الطبيعي، فهو الذي لا دواء له إلا الموت الحقيقي.
قال إبراهيم المدبر اختصم رجلان إلى القاضي قد قدم أحدهما هدية، وأراد أن يقضي عليه بحق وجب، فدنا منه، فساره، وقال له، قد وجهت إلى دارك شبابيط دجليبه وفراريج كسرويه وجبنة دينورية وحنطة بلدية وشهدة رومية، فقال له: قم، وصاح عليه ما هذا تشاورني فيه، وتساررني به يا جاهل، إن كانت لك بينة، انتظرناها، وأخرنا الحكم، وصيرنا لك أجلاً، فقال الخصم:
إذا ما صب في القنديل زيتتحولت القضية للمقندل
وعند قضاتنا حكم وعلموزرع حين ترشوهم يسنبل
قيل للاسكندر ما بلغ من شجاعة أصحابك؟ قال: رأيت تسألون أين العدو، ولا تسألون كم العدو.
وقال بعض الحكماء: ينبغي للعاقل أن يظهر من نعمة الله، ما لا يحتقر معه، ويستر منها ما يخاف أن يعاد بسببه.
ذكر أبو عبيدة أنه لما ولى أبو بكر يزيد بن سفيان الشام، أوصاه بتقوى الله ثم قال له: إنك نشأت بخير، وذكرلات بخير، وذلك الشيء خلوت به من نفسك، وقد أردت أستخرجك من قومك، وأنظر كيف خبرتك وعملك، فإن أحسنت زدتك، وإن أسأت رفضتك، عليك بتقوى الله، فإنه يرى من باطنك ما يرى في ظاهرك، فإن أطوع الناس لله أشدهم بغضاً لمعصيته، وإن أولى الناس بالله أشدهم تولياً، وقد وليتك عمل خالد بن سعيد، فإياك وغيبة الجاهلية، فإن الله أبغضها.
وأخرج الناس منها، فإذا أنت قدمت على أهل عملك فابدأهم بالخير وعدهم، وإذا وعدتهم فأنجز لهم، ولا تكثر عليهم، فإن كثير القول ينسى بعضه، وإنما لك ما وعي عنك، وأصلح نفسك يصلح الناس، فإن الوالي قدوة يعمل أهل عملة بعمله، وإذا قدم رسل عدوك، فأكرم منزلتهم، وأقلل حبسهم.
حتى يخرجوا من عندك جاهلين بعسكرك، ولا تريهم جيشك، فيروا خللك، وأنزلهم في ثروة عسكرك، وامنع من قبلك محادثهم، وكن أنت الذي تلي كلامهم، ولا تجعل سرك مع علانيتك، فيمزج أمرك، وإذا استشرت فاصدق الخبر تصدقك المشورة، ولا تكتم المستشار خبراً فتوناً من قبل نفسك، وإذا بلغك عن العدو عورة فاكتمها، حتى تواتيها.
واستمر في عسكرك تأتك الأخبار، وأكثر مفاجأة حرسك بغير علمهم، فمن أغفل محرسه فعاقبه واجعله نوباً بالليل، والنهار، ولا تتخذ حشماً دون غيرهم فيطعن الناس عليك، ويستحلوا معصيتك، ولا تلجن في عقوبة أدناها وجع، ولا تسرع إليها، وأنت مكتفي بغيرها وأصدق الله تعالى إذا لقيت، ولا تجبن فيجبن الناس، ولا تقدم في الغلول فإنه تورث وسطي النصر.
قال بعض الحكماء: وجدت لذيذ العيش في ثلاث: صديق تأمن منه في صداقته ما يرصدك به في عداوته، وامرأة تسرك إذا دخلت إليها، وتحفظك إذا غبت عنها، ومملوك باقي على ما في نفسك من خدمتك كأنه مطلع على غيبك عالماً بإرادتك.
كان مقاتل بن سليمان يقسم أنه من دعا بهذا الدعاء لم يرد، هو أن يقول بعد أن يصلي الغداة (بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم مائة مرة، ثم يقول بعد ذلك يا قديم يا دايم يا فرد يا وتر يا أحد يا صمد يا سند يا من إليه المستند يا من لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد صلى على محمد على آل محمد) ثم يسأل حاجته من دنياه، وأخراه إلا أجاب الله دعاءه، ولم يرده، وكان مقاتل يقول: من دعا بهذا الدعاء، فلم يستجب له فليلعن مقاتل.
قال بعض الحكماء لرجل: أعلمك بيتين خير لك من ألف درهم، فقال: وما هما فقال:
اخفض الصوت إن نطقت بليلوالتفت بالنهار قبل المقال
ليس المقول رحمة حين يبدوبقبيح يكون أو بجمال
أنشدني الشيخ أبو زكريا التبريزي اللغوي:
لما رأيت الزمان نكساًوليس في الخدمة انتفاع
كل رئيس به ملالوكل رأس به صداع
لزمت بيتي وصنت عرضاًبه عن البذلة امتناع
أشرب مما اقتنيت براحاًبها إلى راحتي شعاع
لي من قواريرها ندامىومن قراقيرها سماع
وأجتني من عقول قومقد أقفرت منهم البقاع
دخل أعرابي على بعض ملوك الإسلام، قال: مما يطعمني في بقاء النعمة عليك، ويزيدني بصيرة في العلم بدوامها إليك، إنك أخذتها بحقها واستوجبتها بما في حقها من أسبابها، ومن شأن الأشكال أن تقاوم، والأجناس أن تتواصل، والمشي يتغلغل إلى معدته، ويحن إلى عنصره فإذا صادق منبته ضرب بعرقه وبسق تفرعه، وتمكن تمكن الإقامة وثبت ثبات الطبيعة.
قال أمير المؤمنين علي ﵇: لا تطيعوا النساء على حال، ولا تأمنوهن، ولا تذروهن إلا لتدبير العيال، إن تركن، وما يردن أردن المهالك، وأزلن الممالك، لا دين لهم، ولا ورع لهن عند شهوتهن، ينسين الخير، ويحفظن الشر، يتهافتن بالبهتان، ويتمادين بالطغيان، ويتصدين للشيطان.
قال الاسكندر: ما نلت من الملك شيئاً هو أحب إلي من أني قدرت علي المكافآت بالإساءة فلم أفعل.
خرج عمر ﵁ في سرية ومعه العباس عم النبي ﷺ فتأخر العباس فوقف عمر واستوقف الجيش، حتى لحقه العباس، فقال له: ما كان له أن يتقدمكم، فقال العباس: قد تقدمتنا أنت وصاحبك، فقال عمر: ما كان ذلك لفضل رأيناه عليكم، لكن خشينا ضعفائكم، عن هذا الأمر، فقال العباس: بالله العجب ننهض بالنبوة، ولا نعجز، ونضعف عند الخلافة.
قال معاوية: إني لا أضع سوطي في موضع منعني عنه لساني، ولا سيفي في موضع منعني عنه سوطي، ولو أن بيني وبين أحد شعرة لما قطعتها، إذا مدها أرسلتها، وإذا أرسلها مددتها.
قال أعرابي لقبيلة أراد أن يصلح بينهم: هل لكم في الحق، أو فيمنا هو خير لكم من الحق. قالوا: ما خير من الحق. قال: العفو، قال الله تعالى: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى، ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ قيل للشعبي: كيف أصبحت؟ قال: بين نعمتين، خبر منشور، وشر مستور.
قال بعضهم لرجل: أراك كلمت، فلم تطل! قال: نعم، كان معي حيرة الداخل، وفكر صاحب الحاجة، وذل المسألة، وخوف الرد مع شدة الطمع.
أنشدنا أبو الحسن بن الدهان المرتب، قال أنشدني ابن الشبل لنفسه:
إذا ما شح ذو المالسخا الدهر بإنهائه
إذا لم يثمر الغصنفقطع الغصن أولى به
خطب المنصور بعد مقتل أبي مسلم الخرساني صاحب الدولة، فقال: أيها الناس لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تمشوا في ظلمة الباطل بعد سعيكم في ضياء الحق. إن أبا مسلم أحسن مبتدئأ، وأساء مغضياً.
فأخذ من الناس أكثر مما أعطى، ورجح قبح باطنه على حسن ظاهره، وما علمناه من حيث سريرته وفساد نيته، ما لو علم اللائم لنا فيه، لعذرنا في قتله، وعنفنا في مهاله، وما زال ينقض بيعته، ويحقر ذمته، حتى أحل لنا عقوبته، وأباحنا ذمته، فحكمنا فيه حكمه في غيره، ولم يمنعني من الحق إمضاء الحق فيه، وما أحسن ما قال النابغة:
ومن أطاع فأعقبه بطاعتهكما أطاعك وادلُله على الرشد
ومن عصاك فعاقبه معاقبةتنهي الظلوم ولا تقعد على ضمد
وقف بعض الصالحين على قبر بعض الملوك، فقال: كم قتلتها لتستريح منها، وهي اليوم أكبر أشغالك؟ دخل المنكدر على عائشة ﵂ فقال: يا أم المؤمنين أعينيني، فقد أصابتني خصاصة، فلم يكن عندها شيء، فلما خرج جاءتها عشرة آلاف درهم من خالد بن أسيد ما أوشك ما ابتليت، وأرسلتها إليه، فاشترى بها جارية بألفي درهم، فولدت ثلاثة بنين، كانوا عباد المدينة، محمد وأبو بكر وعمرو بني المنكدر.
كان مسلمة بن عبد الملك إذا كثر عليه الحوائج وخاف الضجر قال لآذنه: ائذن لجلسائي، ثم يفيض، ويفيضون، فيما ذكر الأكارم فيطر، ويأذن في قضاء حوائج الناس.
رأى أسماء بن خارجة بباب داره رجلاً جالساً، فقال: ما يجلسك هنا، وألح عليه. فقال: جئت سائلاً فخرجت فتاة من هذه الدار فاختطفت قلبي فلعلي، فقال: على رسلك وعرض عليه جميع الجواد، ثم أخرجها، وقد اشتراها من ابنته بثلاثة آلاف درهم، فدفعها إليه فأخذها الرجل، فغدا، وهو يقول:
إذا ما مات خارجة بن حصنفلا قطرت على الأرض السماء
ولا جاء البشير بغيم جيشولا حملت على الظهر النساء
دخل أحمد بن داوود على الواثق، فقال له: يا أحمد كان ابن الزيات هاهنا وذكرك بكل قبيح. فقال: يا أمير المؤمنين الحمد لله الذي أحوجه إلى الكذب من كتم عن قول الحق فيه.
يقال: من كتم السلطان نصحه، والأطباء مرضه، والإخوان بثه، فقد خان نفسه.
كتب الشيخ الإمام العالم الحبر الورع المتبع مهذب الدين بقية السلف شيخ العارفين أبو الحسن سعد الله جامع هذا الكتاب، بارك الله في أنفاسه، وأمتع المسلمين بطيب إيناسه، إلى صديق له، فيما يقتضيه بشيء من الكافور، كان عوده أن ينفذه إليه، فقال:
ابعث بشيء كتأثير نردك فيلون نقي كعصرك الصافي
أكسيته منك طيب رائحةومن معانيك أنه شافي
عودتنيه في ذا الأوان مجد ...
فديتك من منعم، ومن وافي
كفاني الله ما أحاذرهفيك فنعم الوكيل الكافي
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: إن هذه الأخبار، والملح مروءة، فانظروا أين تضعوها.
وقال الخليل بن أحمد: أجمل ما في كتبك، كنز، أو ما تحفظه للنفقة.
وقال بعضهم يذم قوماً:
تواصوا عطل الوعد، ثم تجاسرواعلى اللون حتى جانبوا الوعد، والمطلا
ألا ربما أرقي اللئيم فينثنيوأعضلي من يجمع اللؤم، والجهلا
ولآخر:
تساوى أهل دهرك في المساويفما يستحسنون سوى القبح
وصار الجود عندهمو جنوناًفما يستعقلون سوى الشحيح
وكانوا يغضبون من التهاجيفصاروا يغضبون من المديح
في الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة: الذين يحمدون الله على البأساء، والضراء".
يقال إن همتك لا تسع كل شيء، ففرغها للمهم، ومالك، ما يعني كل أحد، فخص به ذوي الحاجة، ومروءتك لا تطيق كل أحد، فأعن أهل الفضل.
قال أفلاطون: إذا درأ الملك حداً عن إنسان فيقضي ملكه، أم يجعل عيشه في حفظ.
ومنه ما حكي أن بعض الملوك كان منزله على ساحل البحر، فكسر مركب بإنسان، فأمر باستنقاذه، فلما مثل بين يديه، سأله عن حاله، فقال: أنا رجل بليت بكثرة عيال، وقلة حال، فحملت نفسي على الركوب في البحر لإحدى حالتين، إما أن أهلك، أو أستريح، وأرجع بعائدة وفائدة، وقد كنت حاصلاً بعرقي هذا إحدى الحالتين، فإن كنت أنقذتني لتردني إلى أهلي، فالذي أخرجتني منه، أحب إلي مما تردني إليهم فأعطاه مالاً جزيلاً.
وقال بعض الفضلاء:
علام أعوم في الشبهوحالي غير مشتبه
أروح وأغدي طمعاًأكثر من أقل به
بفضل غير ذي سنهوجد غير مشبه
جاء في الآثار ونقل الأخبار: أن بينما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يعس في سكك المدينة فسمع امرأة تقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربهاأم هل سبيل إلى نصر بن حجاج
إلى فتى ماجد حلو شمائلهسهل المحيا كريم غير هياج
تنمية أعراق صدق حين تنسبهأخي انفراج عن الإخوان فراج
ساجي النواظر من يعدله يقضله تضيء صورته في المظلم الداجي
نعم الفتى في سواد الليل تطرقهلبائس ولملهوف ومحتاج
فصفق عمر على يديه، وقال: ما أرى بالمصر رجلاً تهتف به العواتق في خدورهن، فلما أصبح قال علي بنصر بن الحجاج، فأُتي به، فإذا هو أحسن الناس، فأمره فاعتم، فافتتن النساء بعينيه فأمره فجز شعره، فخرجت له وجنتان كأنهما قمر، فقال له عمر: لا تساكني في بلد، فأمر به، فسيره إلى البصرة. وجلست ذلك من عمر، فدست إليه أبياتاً:
قل للإمام الذي يخشى بوادرهمالي، وللخمر، أو نصر بن حجاج
يا منية لم أطأ فيها نضائرهوالناس من هالك فيها ومن ناجي
لا تجعل الظن حقاً، أو تبيهإن السبيل سبيل الخائف الراجي
إني رضيت أبا حفص بغيرهماشرب الحليب وطرف فاتر ساجي
إن الهوى رمة التقوى فحبسهحتى أهم بإلجام وإسراج
فأضرب عمر عنها، وأطال على أم نصر غيبته، فجلست لعمر، حتى خرج من الصلاة، فقالت: والله يا أمير المؤمنين، لأحاسبنك بين يدي الله، تبيت بين عبد الله وعاصم، وبيني وبين ابني، المفاوز، والفيافي.
فقال عمر: إن عبد الله وعاصم لم تهتف بهما العواتق من خدورهن، وأبر عمر إلى البصرة إلى عتبة بن غزوان، ناد إلى من كان له حاجة إلى أمير المؤمنين، أو إلى المدينة، فليكتب، فإن بريد المسلمين خارج فكتب نصر بن حجاج:
لعمري لأن سيرتني وحرمتنيما نلت من عرضي عليك حرام
فأصبحت منفياً على غير ريبةوقد كان في الحسين مقام
أإن عنيت للدلفاء يوماً بمنيةوبعض إمامي في النساء غرام
ظننت الظن الذي ليس بعدهتقاء، فما لي في البذيء كلام
ويمنعها مما تقول صلاتهاوحالتها في قومها وصيام
فهاتان حالانا فهل أنت راجعيفقد جب مني كاهل وسنام
فقال عمر أنا ولى السلطان، فلا، ثم بعث إلى البصرة، فأقطعه ما يقيم به، فلما استشهد عمر ركب راحلته وعاد، ويروى بعد ذلك، أن نصر بن حجاج دخل على مجاشع بن مسعود السلمي بعد وفاة عمر بمدة.
وقد شاب يعود مجاشعاً، فكتبت إليه زوجته: مجاشع على الأرض، والله إني لأحبك حباً لو كان على السماء لأظلك، أو على الأرض لأقلك، فمحاه وكتب: وأنا فنظر زوجها إلى ذلك، فكفا عليه فقرأه بعض عواده، فإذا هوة أنا، فقال لزوجته ما كتبت لنصر بن حجاج؟ كنت أقول كم حلبت ناقتكم، فقال ليس الجواب لذلك، وأنا، ولم يزل يبحث، حتى علم فطلقها، فكان ﵁ كما قال الشاعر:
تزيد الأيام إن ساعدتشدة علم بتصاريفها
كأنها في حال إسعافهاتسمعه صيحة تخويفها
وكما قال الآخر:
بصير بأعقاب الأمور كأنمايرى بصحيح الرأي ما في العواقب
لأنه ﵁ توسم فيه فتنة النساء.
قال ابن مسعود بن بشر: قيل لابن هبيرة، وكان يباكر الغداء، أصلح الله الأمير، إن الأمراء لغدائهم وقت، وأنت تباكره، فقال: إن في ثلاث خصال: ينشف المرة، ويطي النفس، ويقل الشهوة.
وقال محمد بن سالم: غدوت على عامر الشعبي، فرأيته يتخلل، فقلت: يا أبا عمرة باكرت الغداء، فقال: نعم باكرته، قبل أن يسخن الماء، ويظهر الزمان ويأتيني ثقيل مثلك.
قال بعضهم: العقل عقلان، عقل مستفاد يستفيده الإنسان بأدبه، وتجربته، وعقل تفرد الله بصنعه، ولا سبيل إلى العقل المستفاد إلا بصحة العقل المركب في الجسد، فإذا اجتمعا قوى كل واحد منهما صاحبه.
قال محمد بن جعفر بن محمد الصادق عليه وعلى آبائه السلام، تعرف محبة الرجل لأخيه بجودة أكله في بيته.
قال الفضيل بن عياض: من أوقف نفسه موقف ذل، لطلب الحلال تحاتت ذنوبه، ولو كانت بعدد القطر.
قال مروان بن أبي حفصة: كان معن بن زائدة، قد أبلى في حرب يزيد بن عمر بن هبيرة بالاختباء، فغاظ ذلك المنصور، وجد في طلب معن، وجعل لمن جاء به مالاً جزيلاً، قال مروان، فحدثني معن باليمن أنه اضطره في شدة الطلب إلى أن أمام في الشمس، حتى شحب لونه، وخف عارضه ولحيته، ولبس جبة صوف غليظ، وركب جملاً من الثمالة، وخرج ليمضي البادية.
قال معن: فلما خرجت من باب حرب، تبعني أسود متقلد بسيف، حتى إذا غبت عن الحرس، قبض على خطام الجمل، فأناخه وقبض علي، فقلت: مالك؟ فقال: أنت طلبة أمير المؤمنين، فقلت: ومن أنا حتى يطلبني أمير المؤمنين؟ قال: معن بن زائدة، فقلت: اتق الله، وأين أنا من معن؟ فقال: دع عنك هذا، فأنا أعرف بك من ذلك، فقلت له: وإن كانت الصفة، كما تقول، فهذا جوهر حملته معي بأضعاف ما بذله المنصور لمن جاء بي فخذه، ولا تسفك دمي، قال: هاته، فأخرجته ونظر فيه ساعة وقال: صدقت في قيمته ولست بقابله، حتى أسألك عن شيء، فإن صدقتني أطلقتك.
فقال: إن الناس قد وصفوك بالجود، فأخبرني هل وهبت مالك كله؟ قلت: لا، قال: فنصفه؟ قلت: لا، قال: فثلثه؟ قلت: لا، فلم يزل حتى العشر، فاستحيين وقلت: أظن أني قد فعلت ذلك، فقال: ما أراك فعلته، وأنا، والله رجل راجل رزقي من أبي جعفر عشرون درهماً، وهذا الجوهر قيمته ألوف من الدنانير، وقد وهبته لك، ووهبتك لنفسك، ولجودك المأثور بين الناس. لتعلم أن الدنيا من هو أجود منك، ولتحقر بعد هذا كل شيء فعلته، وتفعله، ولا تقف على مكرمة، ثم رمى بالعقد في مجرى مع خطام البعير وانصرف.
فقلت: يا هذا قد، والله فضحتني، ولسفك دمي أهون علي مما فعلت، فخذ ما دفعته إليك، فانتحى عنه فضحك، ثم قال أردت أن تكذبني في مقام واحد، والله لا آخذه، ولا آخذ على معروف لي ثمناً ومضى، فوالله طلبته بعد أمنت وبذلك لمن جاءني ما شاء، فما عرفت له خبراً، وكأن الأرض ابتلعته.
وكان سبب رضى المنصور عني أني لم أزل مستتراً، فلما كان يوم الهاشمية، ووثب القوم على المنصور وكادوا يقتلونه، وثب معن، وهو متلثم، وانتضى سيفه، وقاتل القوم عنه، ثم جاء والمنصور راكب على بغلة لجامها في يد الربيع فقال: تنح فإني أحق بلجامها منك في هذا الوقت، وأعظم عناء منك، قال المنصور صدق، ادفع إليه اللجام، فأخذه، ولم يزل يقاتل، حتى انكشفت تلك الحال، فقال المنصور من أنت لله أبوك؟ فقال: أنا معن بن زائدة، طلبتك يا أمير المؤمنين، فقال أنت آمن على نفسك ومالك، ومثلك يصطنع، ثم أخذه معه وحباه وخلع عليه، ودعاه يوماً فقال: إني قد أهلتك لأمر عظيم فكيف تكون فيه؟ فقال: كما يحب أمير المؤمنين، فقال: وليتك اليمن، قلت: أبلغ من ذلك منا تحب علي. قال ذلك على المنصور، فقال له: بعد كلام طويل، وقد بلغ أمير المؤمنين شيئاً لولا مكانك عنده ورأيه فيك لقبض عليك، فقال: وما ذاك يا أمير المؤمنين، فوالله ما تعرضت لذمك قال: من ذلك عطاؤك الذي تعطيه لمروان بن أبي حفصة لقوله فيك:
معن بن زائدة الذي زيدت بهشرفاً على شرف بنو شيبان
إن عد أيام الفخار فإنمايوماه يوم ندى ويوم طعان
فقال يا أمير المؤمنين، ما أعطيته ما بلغك لهذا وإنما لقوله:
ما زلت يوم الهاشمية معلناًبالسيف دون خليفة الرحمن
فمنعت حوزته وكنت وقاءهمن حد كل مهند وسنان
قال: فاستحيا المنصور، وقال: إنما أعطيته لهذا؟ فقال: نعم، والله لولا مخافة الشنعة لأمكنته من مفاتيح أبواب بيوت الخزائن، الذي فيها المال، وابحته إياها، فقال المنصور: لله درك من أعرابي، ما أهون عليه ما يعز على الناس.
قيل للعتابي: إن فلاناً قد مات، فقال نحن الأموات لفقده، وهو الحي لمجده، يقال: إن بنية لصاحب سلطان أحب إليه من دولة، لأنه بمنزلة بيان بين صديقه من عدوه، أنشد ناصح الإسلام أبو الخطابي الكلوذاني لنفسه:
لئن جار الزمان على حتىرماني منه في ضنك وضيق
فإني قد حمدت له صروفاًعرفت بها عدوي من صديقي
للمرتضى:
يبغي الرئاسة قوم لا خلاق لهمومدعيها أناس ما بها وسموا
لا ينزلون من العلياء منزلةولا لهم قدم فيها ولا قدم
وآفة المجد أن تبلى بمنتحللا يهتدي كيف يبنيه فينهدم
قال هشام الأوقص: رأيت الحسن البصري يأكل من دكان بقال زبيبة، وتارة تينة وقسبة ونحوها، فقلت له ما في الورع يا أبا سعيد، فقال: يا لكع إتل آية الأكل، فتلوت، حتى بلغت، أو صديقكم، فقلت: ومن الصديق؟ فقال: الحسن الذي تستريح معه النفس، ويطمئن إليه القلب، فإذا كان كذلك، فلا إذن في ماله.
قدم عبد الملك رجلاً ليضرب عنقه، فدخل ولد لعبد الملك، يبكي من تأديب المعلم له، فجعل عبد الملك يسكنه، فقال الرجل: دعه يبكي، فإنه أنفع لعينيه، وأفتح لذهنه، فقال عبد الملك: إنك لفي شغل عن ذلك، فقال الرجل: إن المسلم لا يشغله عن الحق شيء، فأمر بإطلاقه.
افتتح الاسكندر فظهر من نسائه على جمال أثر في أصحابه، فقال: إن من أقبح القبائح أن تغلب رجل قوم، وتغلبنا نساؤهم.
سُئل الأصمعي عن فصاحته فقال: حفظت لأصلع قريش ثلاثمائة خطبة، فغاصت، ثم غاصت.
ما أحسن ما قال ابن الدمينة:
أبيت خميص البطن غرثان جائعاًوأوثر بالزاد الرقيق على نفسي
وأفرشه فرشي وأفترش الثرىوأجعل مس الأرض من دونه عيشي
حذار أحاديث المحافل في غدإذا ضمني يوماً إلى صدره رمسي
قال سري بن المغلس السقطي ﵀: من يعلم عذره إلا الله ﷿ فهو معذب. قال بعضهم: احذر الناس، فلن يسلم منهم إلا من لم يظهر منه خير فيحسدونه، أو شر فيهتكونه.
وقال آخر: إذا ولي أخوك ولاية فثبت على نصف مودتك فهو كثير. من سماعنا على الشريف أبي المهدي ﵀، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دامت مائدته منصوبة، أو موضوعة بين يديه، حتى ترفع في خير".
آخر عنه ﵇ أنه قال: "من أكل مع مغفور له، غفر له، ومن صلى على مغفور له، غفر له".
قال علي ﵇: شر الأصدقاء من يتكلف له، أو أحوجك إلى مداراة أو ألجأك إلى اعتذار.
قال جعفر بن محمد ﵇: إذا قعدتم على المائدة مع الأخوان فأطيلوا، فإنها ساعة لا تحسب من أعماركم.
قال الشيخ الرئيس أبو القسم علي بن عيسى بنت داوود بن الجراح الوزير: دخلت على أبي بكر أحمد بن موسى بن مجاهد، وهو مريض، وعنده جماعة قد أطالوا، فقال: يا أبا القاسم عيادة، ثم ماذا فصرفت من حضر وهممت بالانصراف، فأمرني بالرجوع، ثم أنشدني عن محمد بن الجهم:
لا تضجرن مريضاً أنت عائدهإن العيادة يوم إثر يومين
بل سله عن حالة وادع الإله لهكقدر بين حلبين
من زار غباً أخاً دامت مودتهوكان ذلك صلاحاً للخليلين
قيل عن المهدي أنه قال: أنه من أتوسل إلى أحد توسيلة، ولا تذرع بذريعة هي أقرب من تذكيره يداً سلفت مني إليه أتبعها أختها فالحسن، وبها فإن منع الأواخر يقطع شكر الأوائل، هذا البيت يجمع حروف المعجم أوله كله ولا ينقط وآخره كله بنقط، وهذا هو:
مسطح أصدر عكلاً لهضغثٌ تستجدُّ فيظنُّ فخرُ
قال الأوقص قاضي للمدينة، وكان قبيح المنظر قالت لي أمي يا بني خلقت خلقة لا تصلح معها مشاهدة القيان، ولا منادمة الفتيان، وإن جلست مجلساً لم ترمقك العيون فيه، ولم تمل نحوك القلوب، فلو ملت إلى العلم الذي ترفع به الخسيسة، وتتم به النقيصة، فقبلت قولها، فنفعني الله به.
قال علي بن عوف كنت يوماً أتغذى مع المأمون فالتفت إلي وقال لي: خلال قبيحة عند الجلوس على المائدة، منها كثرة مسح اليد، ومسح اللحية، والإكباب على المائدة، وكثر أكل البقل.
يقال ثمانية إن أهينوا، فلا يلوموا إلا أنفسهم: الآتي إلى مائدة لم يدع إليها، والمتأمر على رب البيت في بيته، وطالب الخير من أعدائه، وطالب الرفد من اللئام، والداخل بين اثنين في حديث لم يدخلاه فيه، والمستخف بالسلطان، والجالس في مجلس ليس هو له بأهل، والمقبل بحديثه على من لم يسمعه.
دخل أبو علي البصير على عبيد الله بن سليمان، فسأله حاجة كان مطله بها، ثم قام فأنشده في مجلسه:
إن الزمان الذي يضحي الفتى ولهفضل على الناس فيه خير أزمانه
فلا تضيق بمعروف وجدت لهوجهاً وبادر به في وقت إبانه
فربما انقبضت من بعد ما انبسطتكف وأعورني من بعد إمكانه
فلما قرأها في وقت سئل حاجة إلا قضاها.
كان مطرف بن عبد الله يقول لأصحابه: إذا كان لأحدكم حاجة، فلا يواجهني بها، وليقلها لي في رقعة، فإني أكره أن أرى عليه ذل السؤال، ويتمثل بهذه البيات:
يا أيها المعني بذل السؤالوطالب الحاجات من ذي النوال
لا تحسبن الموت موت البلىوإنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موتٌ ولكن ذاأحسن من ذاك على كل حال
فقال خمسة أشياء تقبح في خمسة أصناف من الناس: الشره في الشيوخ، والحرص في القرى، والبخل في ذوي الأموال، وقلة الحياء في ذوي الأحساب، والحدة في السلاطين.
يقال إن أحزم الناس، واصبرهم من لا يفشي سره إلى صديقه، مخافة أن يصير عدوه.
هذا بيت شعر لا يتحرك به اللسان
إن همي، وهم أحبائي همهموما بهم وهمي ما بي
هذه أبيات كتبها مهذب الدين المصنف لهذه المجموعة، يستهدي حلاوة نصف رمضان من له بينهما مباسط:
بلغت المنى شهر الصيام قد انتصفوحلم فاستوفى القضية وانتصف
وفيه معان للكرام ظريفةوسنته فضل سنها سادة السلف
لما حبس كسرى بزرجمهر، أمره أن يختار لنفسه غداء لا يتغير، ولباساً لا يتغير، ولا يطلب سواه، فاختار اللبن لغذائه، والأدم للباسه، ومكث برهة في الحبس، فلما رضي عنه، وأخرجه، رأى لونه طرياً وبدنه عتياً.
فقال له: أخبرني كيف اخترت اللبن والأدم، فقال: أما اللبن فإنه الغذاء الأول، يقوم به الأود، وأستغني بهد عن تكلف أمر النجو وأما الأدم فلا يحتاج إلى الغسل كل وقت ولا يقمل، ولظاهره برد في الحر ولباطنه دفء الشتاء.
فقال من كانت هذه حالته، كيف كان عيشه؟ فقال: أيها الملك اعلم أني اخترت لنفسي جوارشاً من خمسة أخلاط الأول الثقة بالله سبحانه، والثاني كل مقدور كائن، والثالث الصبر مطية الفرج، الرابع أن أصبر ما أصنعه، الخامس لعل ما أنا فيه خير من غيره. شاعر:
لأن ساءني دهر لقد سرني دهروإن مسني عسر لقد مسني يسر
لكل من اليام عندي عادةفإن ساءني صبر، وإن سرني شكر
قال الأصمعي: رأيت شيخاً في جامع البصرة، فتفرست به، أنه شاعر، أو منجم، فقال كلاهما، فقلت: أنشدني شيئاً من أشعارك، فقال تركت الشعر، فقلت أنشدني شيئاً في تركك إياه.. فأنشدني:
قالوا تغير حاله أو عقلهوالهم يمنعني من الأشعار
أما الهجاء ففي مشيي واعظوالمدح قل لقلة الأحرار
قال عبد الله بن ببريدة: ينبغي للمؤمن أن يتعاهد من نفسه ثلاثة أشياء لا يدع الأكل فإن منعه يضيق، ولا يدع المشي فإنه يحتاج إليه، فلا يقدر أن يمشي، ولا يدع الجماع فإن البئر إذا لم ينزح ذهب ماؤها.
أنشدني الشيخ أبو بكر المعرف بابن الشبل المقرئ من ساكني درب يعقوب من شارع الرقيق ﵀ لجده أبي علي بن الشبل:
الحمد لله لا حراماً أفاوضه بنيفبالقول دون المال يسليني
أخفي الأصادق في جسمي سهامهمفليس أدري عدوي أين يرمين
ما أخطأتني من الأنبار راميةفكل رام بحمد الله يرميني
امنحي لي السجن سكناً والأسى سكناًوالهم كأسي وأحزاني تعنيني
حتى تخلصت من آباق كيدهمتخلص الرخ من عقد الفرازين
وأنشد الظهير أبو إسحاق إبراهيم بن الفراء الآمدي لابن الرومي:
غموض الحق حين تدب عنهتفلل ناصر القول المحق
تدق عن الصواب فهوم قومفيقضي للمحل على المدق
كان رجل من أهل الأدب، لا من ذوي الحسب نجا بأدبه، وتخلص بسببه، كما حكي أن الحجاج خرج في عسيسة، فلقي سكراناً، فلما أحضره للعقوبة، قال له: أصدقني ابن من أنت؟ فقال:
أنا أبن الذيب لم ينزل الدهر قدرهوإن نزلت يوماً فسوف تعود
ترى الناس أفواجاً على ضوء نارهفمنهم قيام تارة وقعود
فقال: أطلقوه، فيوشك أن يكون من أولاد الملوك، فلما أطلقوه، سأله عنه، فقيل أيها الأمير، هذا ابن فلان الباقلاني، فقال: لقد صدقنا في نسبه، وأحسن في كنايته، وأنشأ يقول:
كن ابن من شئت واكتسب أدباًيغنيك مضمونه عن النسب
لبعض مخاليع الأعراب:
أنا شيخ وأمرأتي عجوزتطالبني بأمر لا يجوز
تريد جماعها في كل يوموذلك عند أمثالي عزيز
وقالت رق أيرك مذ كبرنافقلت لها بل اتسع القفير
كتب أبو صامد الشاعر إلى أبي القاسم عثمان الغنوي:
رأيت في النوم أني مالك فرساًولي وصيف وفي كفي دنانير
فقال قم لمهم فهم وتجربةخيراًَ رأيت والفتك التباشير
فاقصص منامك عند الأمير تجدتفسير ذلك وللأحلام تفسير
فوقع في جوابه أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين.
قال منقذ العطار، بينما أنا أسير في أبيات شيبان، وإذا أنا بأعرابية تقول: في غيلمها، ويدها على صبي، والأخرى على صبية:
من سره أن يرى شمياً يقابلهابدر وقد طلعا من بين أزراري
فليأت بيتي يرى شمس النهار بهسلمى وبدر الدجى سعد بن سيار
فقمت أبادر لأنظر إلى هذه الشمسي، والبدر، فلما دنوت، فإذا أنا بظبي وظبية كأنهما بعيران أو عودان محرقان، فذكرت، قول الأول، كل فتاة بها معجبة.
قال الحسن بن شيظم: حججت في بعض السنين، فكنت في بعض المنازل، فإذا بصبية كاملة الجمال بارعة السن.
قد رفعت يدها إلى الله ﷾ وهي تقول: اللهم ما أنا أمتك الغريبة، وسائلتك الفقيرة بحيث يرى مكاني، ولا يخفي عليك سوء حالي، وقد هتكت الحاجة حجابي، وكشفت الفاقة نقابي، وقد بذلت لهما وجهاً كريماً عن المسألة، ضعيفاً البذلة، طال ستره الحياء وصانه الغناء، وقد حمت عني أكف المخلوقين، وضاقت دوني أنفس المرزوقين، فمن حرمني لم ألمه، ومن وصلني وكلته إلى رحمتك يا أرحم الراحمين، فمررت بها وقلت يا جارين من أين أنت؟ فأنشأت تقول:
بعض النساء أبرزهاالدهر إلى ما ترى وأحوجها
أخرجها م حجاب نعمتهاوابتزها ملكها، وأزعجها
وطال ما كانت العيون إذاما برزت تستشيف هودجها
ألعزمها مقبل بصفحتهمتهم قد أقام منهجها
إن كان قد ساءها وأحوجهافطال ما سرها وأبهجها
الحمد لله رب داهيةقد ضمن الله أن يفرجها
قيلا لما ملك أردشير بابك البلاد، وحصل في قبضته السبعة أقاليم استدعى صاحبي إيوان شهر، وقال له: أخبرني بما كان لصاحبك من العجائب، فقال كان له ستة أشياء: أحدها بركة عظيمة كبيرة، كان يجلس عليها للشرب، وكان ندماؤه تحضره كل واحد منهم شرابه من داره، فيطرحه في تلك البركة، فتختلط الشربة على تغير ألوانها وطعومها، وأجناسها، فإذا غرفوا، خرج في قدح كل واحد منهم شرابه إلى جهته غير مختلط بشراب سواه.
الثاني: كان له طائر من النحاس على قبته في داره، فكان إذا دخل المدينة غريب صفر ذلك الطائر صفيراً يسمع كل من في المدينة، فيعلمون بدخول الغريب فيؤخذ، ويحضر بين يدي الملك، فيسخره لأي شيء ورد فعلم ذلك.
الثالث: كان له طبل إذا غاب رجل، وأبطأ، خبره ضرب ذلك الطبل، فإذا كان حياً جاء للطبل صوت.
والرابع: كان له مرآة إذا أراد الإنسان يعلم على أي حبال غائبة فيرى فيها خيراً أو شراً، نظر فيرى الغائب على الحالة التي هو عليها.
الخامس: كان له سروة يقف تحتها الفارس، والاثنين إلى الألف فتظلهم، فإذا زاد عن الألف واحد زال الظل عن الكل وصاروا في الشمس.
السادس كانا كبشين عظيمين من حديد على لوح من حديد، بينهما غدير ماء، فإذا اختصم اثنان، أتيا إلى الكبشين فيحمل أحدهما على الظالم، فينطحه فيرمي به إلى الماء فكتب ابن مسرة إلى أبي الفضائل هذه الأبيات:
أسفي عليك، وقد أرقت صبابةمن ماء وجهك في سؤال بخيل
ووجدت طعم سؤاله من لومهمراً كطعم الحنظل المبلول
ولقيت دون طعامه وشرابهرداً كحد الصارم المسلول
أقبلت تنشده، وأطرق معرضاًإطراق دم بذحول
حتى ظننتك قائلاً وظننتهمن فرط نخوته ولى قتيل
وكفلت لي عنه بكل كريمةثم انثنيت وأنت شر كفيل
وأتت عليك خلائق حوريةتأتي إذا ما فاتها بجميل
هلا سألت عن الصناعة أهلهافيخبروك بصنعة التطفيل
القوم لا يعشون إلا منزلاًيغشى العيون دخانه من ميل
قيل لطفيلي: ما بال لونك أصفر؟ فقال: من الفتوة بين العضارتين أخاف أن يكون قد فني الطعام، فيذهب دمي فأصفر.
قال الأصمعي: رأيت شيخاً من الأعراب متعلقاً بأستار الكعبة، وهو يقول:
أما تستحي يا رزاق الخلق كلهمأناجيك عرياناً وأنت كريم
أترزق أولاد المجوس وقد عتواوتترك شيخاً من سراة تميم
فألقيت القميص والأزر، والمناديل من كل جانب، فجعل يأخذها، ويقول شكراً لمن أخاطبه لا لكم.
قال نصر الجهني: كان لي جار طفيلي، وكان إذا دعيت إلى مدعاة، أو حضرت ملاكاً، كرب معي، وجلس حيث أجلس، فيأكل وينصرف، وكان نظيفاً عطراً، حسن اللباس، والمركب، وكنت لا أعرف إلا ظاهره، فاتفق لجعفر بن القاسم الهاشمي حق دعاه إليه أشراف أهل البصرة وكبارها.
وكان الأمير، فقلت: إن تبعني هذا الرجل لأخزينه، فلما حضرت تبعني ودخل لدخولي وارتفع إلى حيث أجلست، فلما حضر الطعام، قلت: حدثنا درست عن ابن زياد عن أبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله "من دخل دار قوم بغير إذنهم، فكأنما دخل سارقاً، وخرج معيراً، وكمن دعي، فلم يجب، فقد عصى الله ورسوله".
وظننت أني قد أسرفت على الرجل وهرت من لسانه فأقبل علي قال أعيذك بالله يا أبا عمر من هذا الكلام في دار الأمير وعلى مائدته فإن الأشراف لا يحتملون التعريض باللوم، وقد حض الدين التعريض وعزر عليه عمر بن الخطاب، ووليمة الأمير دعاة لأهل مصره، فإنه سليل أهل السقاية، والرفادة، والمطعمين، والأفضلين، الذين هشموا الثريد، وأبرزوا الجفان.
فمن غدا إليهم وراج، ثم لا يوزع، وأنت في بيت العلم، معروف بالحديث عن درست بن زياد، وهو ضعيف جداً عن أبان بن طارق، وهو متروك الحديث، بحكم يرفعه، إلى النبي ﷺ والمسلمون على خلاف لأن حكم السارق القطع، والمغير يرى على ما يراه الإمام وهذان حكمان لا ينفذان على داخل دار، في مجمع فيتناول لقماً من فضل الله، الذي أنا أهلها، ثم لا يحدث حدثاً، حتى يخرج عنها، وقد قال ﵊: "طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة".
حدثنا بذلك عاصم النبيل عن أبي جريج عن أبي هريرة عن جابر عن النبي ﷺ ويعلم فأين أنت من هذا الحديث الصحيح الإسناد، والمتن.
قال نصر فأصابتني خجلة شديدة، فأمسكت، فلما رأى الرجل ما بي، أكل ونهض قبلي، فلما خرجت وجدته واقفاً بالباب على دابته، فلما رآني تبعني، ولم يكلمني، ولا كلَّمته، إلا أنِّي سمعته يتمثل:
ومن ظنَّ أن سَيُلاقي الُحُروبَوأَنْ لا يصابَ فقد ظنَّ عَجَزا
لبعضهم يهجو طفيلياً:
كَم لَطْمةٍ في حُرِّ وجهك صلبةمن كفِّ بوَّابٍ شديد ضابطِ
وكان ذاكَ، وكلُّ ما لاقيتهُلمَّا أكلت أصاب عرض الحائطِ
قال عبد الملك بن مروان لجلسائه يوماً: أي المناديل أفضل؟ فقال بعضهم: اليمنية، التي كأنها نور الربيع، وقال بعضهم: المصرية، التي كأنها غرقىء البيض، فقال عبد الملك: ما صنعتم شيئاً ولا قلتم شيئاً، أفضلها مناديل عبدة بن الطبيب، حيث يقول:
ثَمَّ انثنينا إلى جُرد مُسوَّمةٍأعرافهنَّ لأيدينا مناديلُ
وكقول امرىء القيس:
تَمُشُّ بأعرافِ الجيادِ أكُفُّناإذا نحن قمنا عن شواء مُضَهَّبِ
المشّ: مسح اليد بما يقشر عنها الدسم، ويقال: المنديل مشوش.
قيل لأعرابيّ كان يحب امرأة، فزُوجت بابن عمٍّ لها، وعزم أهلها أن يهدوها إلى بعلها، أيسرُّك أن يظفر الليلة بها؟ فقال نعم، والذي أمتعني بحبها، وأشقاني بطلبها، قيل: فما كنت صانعاً؟ قال: كنت أطيع الحب في لثمها، وأعصي الشيطان في إثمها، ولا أفسد عشق سنين بما يبقى ذميماً عاره، وينشر قبيحة أخباره في ساعة تنفد لذتها، وتبقى تبعتها إني إذاً للئيم، ولم يغذني أصل كريم.
قال مالك بن دينار: بينما أنا أطوف بالبيت، وإذا بجارية متعبدة، متعلقة بأستار الكعبة، وهي تقول: يا رب كم شهوة ذهبت لذتها، وبقيت تبعتها، أيا رب ما كان لي أدب إلا بالنار، وهي تبكي، فما زال ذلك مقامها، حتَّى طلع الفجر، فلما رأيت ذلك، وضعت يدي على رأسي صارخاً، وأقول ثكلت مالكاً أمه، وعدمته جويرية، منذ الليلة، وقد بطلته، وأنشدني الحسين في معناه:
وطائفةٍ بالليلِ، والليلُ مظلمُتقول ومنها دمعها يَسَجَّمُ
أيا ربِّ كم منْ شهوةٍ قدْ رزيتهاولذَّة عيش حبلها منصرمُ
أمَ كان ربِّي للعباد عقوبةًولا أدبٌ إلا الجحيم المُضرمُ
فشَبَكتُ مني الكفَّ أهتف صارخاًعلى الرأس أبدي بعض ما كنت أكتمُ
وقلت لنفسي إذ تطاولَ ما بهاوأعيا عليها وردها المتنعِّمُ
ألا ثكلتك اليوم أمُّك مالكاًجُويريَّة ألهاك عنها التَّكلُّمُ
فما زلت بطالاتها طول ليلةٍيُنال بها حظَّاً جسيمٍ، وتنَعُّمُ
يروى أنه تزوج رجل من همدان إلى ابنة عمٍّ له، فلم يلبث أن ضرب عليه البعث إلى آذربيجان، فأصاب بها خيراً واستفاد جارية حسناء وفرساً جواداً فسمَّى الجاريو حبابة، وسمَّى الفرس الورد، وأقام بالثغر، فقال له ابن عمه: ما يمنعك من القفول إلى منزلك؟ فقال: أخشى من ابنة عمي أن تحول بيني وبين الجارية، وقد هويتها، ثم أنشد يقول:
ألا لا أُبالي اليوم ما صنعت هندٌإذا بقيت عندي حبابة والوردُ
شديد نياط المنكبين إذا جرىوبيضها مثل الرِّيم زينتها العقدُ
فهذا لأيَّام الهياج وهذهِبموضع حاجاتي إذا انصرف الجُنْدُ
فبلغها الأبيات فكتبت إليه تقول:
لعمري لئن شَطَتْ بعثمانَ دارهُوأضحى بالحبابة والوردِ
ألا فأقرئهُ مني السَّلاموقل لهُغنينا بفتيانٍ غطارفةٍ مرُْدِ
إذا شاء منهم ناشئاً مدَّ كفهُإلى كفلِ ريّان أو كعثب نهدِ
إذا رجع الجند الذي أنت فيهمُفزادك ربُّ الناس بعداً على بعدِ
فلما وصلته أبياتها باع الجارية، وأقبل مسرعاً، فوجدها معتكفة في محرابها، فقال: يا هند فعلت ما فعلت، فقالت: أجلّ في عيني، وأعظم عندي أن أرتكب مأثماً، ولكن كيف وجدت طعم الغيرة، وإنك أغضبتني فأغضبتك.
يروى أن رجلاً لقي يعقوب بن داوود ومعه قصة فدفعها إليه، فيها مكتوب:
يا الذي لم تزل يمناه مذْ خُلقتْفيها الباع نوال العلّ، والنهلُ
إن كنت مسدي معروفاً إلى رجلٍلفضلِ ودٍّ فإني ذلك الرجلُ
فأمنن عليَّ بفضل منك يُجبرنيفإنني شاكر للعرفمحتملُ
فأمر له بعشرة آلاف درهم. قال أحمد بن محمد بن المدبّر: كنت مع أحمد بن خالد بفلسطين، فجاءه رسول، إن صنَّاعك قد أمر بقبضها، فقال لي الفضل بن مروان، والي العسكر في هذا، فكتب وهيأ رسولاً وتحفاً، فلما قرأ الكتاب، قال: أنفذ منها حرفاً واحداً، أصير رسولي إلى الله تعالى.
ثم أبطل تلك الكتب، وأخذ منها ما يريد إنفاذه، فتصدق به، فما مضى خامس عشر، حتّى جاء رسول، بأن الساعي بك وبضياعك، فتبين أمره، فوجدناه كذّاباً مبطلاً، فعلنا به، وفعلنا به، وأمرنا بإطلاق ضياعك،،وأن لا يتعرض بها، ولا بشيء منها، فشكرت الله تعالى، وتبين حسن معاملته وحسن متاجرته.
خرج الاسكندر ليلة فجعل منجّمه يسير له الكواكب، فعثر المنجم فكادت تندق عنقه، فقال له مضحك الاسكندر: من تعاطى علم ما فوق رأسه أتت به البلية من تحت قدميه.
دخل رجل من بني هاشم على المنصور، فسأله عن وفاة أبيه.
فقال: مرض ﵁ يوم كذا ومات ﵁ يوم كذا، وترك ﵁ من المال كذا، فانتهره الربيع، وقال بين يدي أمير المؤمنين، توالي الدعاء لأبيك، فقال الرجل: لا ألومك لأنك لم تعرف حلاوة الآباء.
دخلسعيد بن مسلم الباهليّ على الرشيد فأومأ إليه بعد السلام فجلس وقال يا أمير المؤمنين: أعرابي من باهلة، وقد ورد عليك، وما رأيت قط أشعر منه، فقال له: أما أنت فإنك قد استنجبت هذين فهبي لي أحجارك.
وكان عنده العماني ومنصور النمري، فقال تهيأني لك يا أمير المؤمنين، ثم أذن للأعرابيّ، فدخل وعليه جُبَّة حبر ورداء يماني، قد شدّ وسطه وثناه على عاتقه، وعمامة قد عصتها على حدرية، وأرخى لها عذبة، وألقيت الكراسي فجلس الكسائي، والمفضل الضبي وابن سلم، والفضل بن الربيع.
فقال ابن سلم للأعرابيّ: خذ في شرف أمير المؤمنين، فاندفع الأعرابي في شعره، فقال الرشيد: ما أحسنك في هذا الكلام، وأنا أسمعك مستحسناً لك، متهماً عليك، فإن يكن هذا الشعر لك، وأنت قلته من نفسك فقل لنا في هذين بيتين، يعني الأمين، والمأمون.
فقال: يا أمير المؤمنين حملتني على العذر غير الجد روعة الخلافة وبَهرُ بديهة ونفور القوافي عن الرُّواة! فأمهلني يا أمير المؤمنين، حتى يتآلف إلى هرابها، ويسكن روعي، فقال: أمهلتك يا أعرابي وجعلت اعتذارك بدلاً من امتحانك، فقال: يا أمير المؤمنين، نفست الخناق، وسهّلت ميدان السباق، وأنشد يقول:
بنيت بعبد الله بعد محمدٍذرى قُبَّة الإسلام فاخضَّر عودها
هما طنباها بارك الله فيهماوأنت أمير المؤمنين عمودها
فقال الرشيد: وأنت يا أعرابي، فبارك الله لك فيك، فاسألنا ولا تكُ مسألتك دون إحسانك، فقالت الهنيدة: يا أمير المؤمنين، فتبسم. فقالت امرأتي: طلقتني يا أبا الجوزاء، فقلت: من أين لك هذا؟ قالت: حدثتني جارتي الأنصارية، قلت: ومن أين لها؟ قالت: ذكرت، أو زوجها خبّرها بذلك، قال: فغدوت على ابن عباس فقصصت عليه القصة، فقال لي: أما علمت أن وساوس الرجل تحدث وساوس، فمن ها هنا يفشو السرّ.
قال أبو نعيم: فكان في نفسي من هذا الحديث شيء، حتى حدثني حمزة بن حبيب الزيات، قال خرجت سنة من السنين أريد مكة، فلما صرت إلى بعض الطريق ضلّت راحلتي، فخرجت أطلبها، فإذا أنا باثنين قد قبضا علي، أحس جسمهما، ولا أرى شخصهما، بل أسمع كلامهما فأخذاني إلى شيخ قاعد على تلة من الأرض، وهو حسن الشيبة، فسلمت عليه فرد السلام، فأفرخ روعي، ثم قال لي: من أين أنت؟ وإلى أين؟ قلت: من الكوفة إلى مكة.
قال: ولم تخلّفت عن أصحابك؟ قلت ضليت براحلتي، فجئت أطلبها، فرفع رأسه إلى قوم عنده وقال أنخ راحلته، فأنيخت بين يدي، ثم قال: أتقرأ القرآن قلت نعم. قال: فاقرأ: فقرأت حم الأحقاف، حتى انتهيت إلى (وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الْجِنّ).
فقال مكانك، أتدري كم كانوا؟ قلت: لا، قال: كنا أربعة، وكنت أنا المخاطب عن النبي ﷺ لهم، فقلت:"يا قومنا أجيبوا داعي الله، ثم قال: أتقول الشعر؟ قلت: لا، قال: فترويه، قلت: نعم، قال: هاته".
فأنشدته قصيدة زهير بن أبي سلمى:
أمنْ أمِّ أوفى دِمنةً لم تَكَلَّمِبحوْمانةِ الدَّرَّاج فالمتثلِّمِ
فقال لمن هذه؟ قلت: لزهير بن أبي سلمى، قال: لجنيّ، قلت: بل لأنسيّ، ثم رفع رأسه إلى قوم عنده، فقال: ائتوني بزهير فأُتي بشيخ كأنه قطعة لحم فألقي بين يديه، فقال له: يا زهير، قال: لبيك، أمن أمِّ أوفى دمنة لم تكلم، لمن هي قال لي، قال حمزة الزيات يذكر أنه لزهير بن أبي سلمى، قال: صدق وصدقت، قال: وكيف هذا؟ قال هو العي من الإنس، وأنا تابعه من الجن أقول الشيء فألقيه إليه في فهم، ويقول الشيء فآخذه عنه، فأنا قائلها في الجن. وهو قائلها في الإنس، قال أبو نعيم فصدق عندي هذا الحديث، حديث إلى الجزاء أن وساوس الرجل تحدث وساوس، فمن ها هنا تفشوا الأسرار، فاستفرغ المتوكل ضحكاً، وقال إليَّ إليَّ يا فتح قضت عليه خلعة، وحمله على فرس وأمر له بمال، وأمر لي بدون ما أمر له، فانصرفت إلى منزلي، وقد شاطرني الفتح ما أخذ فصار لي الأكثر، والأقل للفتح.
قال أبو عبيدة وقف حاجب بن زرارة على باب كسرى يستأذن عليه، فقال كسرى: قولوا له من أنت؟ قال: سيد العرب، فقال كسرى: أما زعمت أنك رجل منهم؟ فكيف تكون سيدهم؟ فقال: أيها الملك، وقفت ببابك، وأنا رجل غير متقدم عليهم، فلما وصلت إلى الملك سُدتهم، فقال كسرى: أحسنت احشوا فاهُ دراً.
قيل لأعرابي: ما السيد فيكم؟ قال: من أفشى سلامه، وملك كلامه، وبذل طعامه.
قالت الخنساء لعمر كان لله لديك نِعم قد أنعم بها عليك وإحسان قد أحسن به إليك، ثم وصَّاك وعهد إليك أن تغيث الملهوف إذا وفد عليك، فإن كان قد انتزع منك تلك العطية، فقد أباحك ترك الوصية، وإن كانت نعمة لديك نامية فوصيته لك لازمة، وها أنا قائمة بين يديك، ورقيباك شاهدان عليك إن أحسنت إليَّ محسناً سخيَّاً (وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
وإن رددتني كتبناك مسيئاً بخيلاً (وَمَن يَبْخَلْ فَإِنّمَا يَبْخَلُ عَن نّفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَآءُ).
ثم ولت منصرفة فاستعادها وردها وقال لا والله ما أرتجع تلك العطية، ولا أباحني ترك الوصية، بل نعمة لدي نامية، ووصيته لي لازمة، فأعطاها ما أمكنه واعتذر.
قال أبو العباس: اختلف الناس في الجمائر الثلاثة ماهي، فقال قوم إن العرب كانت توقد النار في الشتاء للاصطلاء في كل يوم ثلاث مرات في حفر فالأولى وقت الغداة فيبقي جمرتها يصطلون بها إلى قريب الظهر، ثم تصير رماداً، فيعودون فيوقدونها ثانياً في الحفرة من وقت الظهر فتبقى جمرته، يصطلون بها إلى وقت المغرب.
ثم تنطفىء وتصير رماداً، فيعودون، ويوقدون الثالثة من وقت المغرب، فيصطلون بها، حتَّى يناموا، فإذا كان اليوم السابع من شباط حَمِيت الشمس، وانكسر البرد، فأسقطوا جمره، وهي، التي تكون وقت الظهر وسط النار، فلم يوقدوا، وإذا مضى منه أربعة عشر يوماً نزلت الشمس الحوت واشتد حرها، أسقطوا الجمرة، التي تكون آخر النهار، فإذا جاء يوم الحادي والعشرين أسقطوا جمرة الغداة، ولم يوقدوا شيئاً.
وقال قوم إنَّ النار إذا اصطلى بها إنسان، في أيام شباط حمى كبده، فلهذا يقول سقطت جمرة، ولا خلاف أنها تكون في اليوم السابع إلا في ليلته، وما اختلف المنجمون به لا يطلع لذلك كوكب، ولا تغيب الكواكب، لأن الكواكب لا يختص طلوعها يوم سابع، ولا سادس، لأنه قد يطلع في هذا العام في يوم السابع، واليوم الثاني، أما في السادس، أو في الثامن، أو غير ذلك، فبان صحة قولنا. قال لما كَبُرَ المرتضى، وأسنَّ أخذ العكَّاز يتوكأ عليها، وأنشد:
أهدى لي الشيبُ منه رجلاً ثالثةًوكنت من قبلها أمشي برجلينِ
هديَّةً كنت أبَّاها فصيَّرهاإليَّ بالرغم مني قُرَّة العينِ
أمشي بها، وهي تمشي لي معاونةًما كان أحسنني أمشي بلا عونِ
بان الشبابُ وطلَّ الشيب يصحبهُوليتها تبقى بلا عونِ
كان أعرابيّ يجالس الشعبيّ، فيطيل الصمت، فقال له: ألا تتكلم؟ فقال: أسمع، وأعلم، وأسكت فأسلم.
دخل سابق على عامر بن عبد الله بن الزبير، فنظر إلى ابن له صغير يلعب في الدار، فقال له: لأتحبه؟ قال نعم، قال فأشكله بجميل من أدبك قبل أن يُشكِّل نفسه بما تكره، فتريد تحويله، فلاتستطيع! قال ابن سبرة: ما رأيت على رجل لباساً أحسن من فصاحة، ولا على امرأة لباساً أحسن من شحم. وقال آخر: حلية النساء الذهب وحلية الرجال الأدب.
كتب صاحب البريد من الخيل إلى المعتصم يخبره بكثرة الكلأ وخصب السنة، فقال لوزيره ما الكلأ؟ قال: لاأدري، قال المعتصم: إنا لله خليفة أمِّي، ووزير عاميّ.
قال كان ليحيى بن خالد البرمكي كاتب يختص بخدمته، فعزم على ختان ولده، فاحتفل الناس له وهاداه الأكابر وحمل عليه الأعيان الظرائف، وكان له صديق قد اختلف حاله وعجز عما يريده لذلك، وكان من الظرفاء، واللطفاء.
فعمد إلى كيسين كبيرين فملأ أحدهما ملحاً مطيباً، والآخر أشناناً مكوفراً وكتب معهما رقعة يقول فيها، لو تمت الإرادة لأسعفت بالعادة، ولو ساعدت المكنة على بلوغ الهمة لأتعبت السابقين إلى برِّك.
وتقدمت المجتهدين في كرامتك، ولكن قعدت القدرة عن البغية وقصرت الجدَّة عن مباراة أهل النعمة، وخفنان تطوي صحائف البرّ، وليس لي فيها ذكر، فأنفذت بالمبتدأ بيمنه وبركته، والمختتم بطيبه ونظافته، صابراً على ألم التقصير، ومتجرعاً عفص الاقتصار على اليسير، فأما ما لم أجد إليه سبيلاً في قضاء حقك، فالقائم فيه بعذري، قول الله تعالى (لّيْسَ عَلَى الضّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىَ الْمَرْضَىَ وَلاَ عَلَى الّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ)..
ثم حضر يحيى بن خالد الوليمة، وعرض على صاحبه جميع ما حمل إليه، ومن جملتها ذلك الملح، والأشنان، والرقعة فاستضرف الهدية، وأعجب بالرقعة، وأمر خازنه أن يملأ الكيسين عنباً، وينفد بهما إلى الرجل، وكان مبلغ ذلك أربعو آلاف دينار.
ورد أعرابي البصرة فحضر يوم الجمعة، والمؤذنون على المنارة، ولم يكن عهد الأذان، والمنارة، فقال ما هذا؟ فقال له بعض المَجَّانّ: من كان في قلبه حاجة يصعد إلى هذه العلية، ويذكرها ظاهراً فيعطى مناه، فقال: فإني، والله أصعد، وأذكر حاجتي، فقال الماجن لنقيب المؤذنين هذا الأعرابي حسن الصوت بالأذان، فدعه ليؤذن، فصعد، وتنحنح، ثم اندفع يقول:
جزى الله عنّا ذات بعلٍ تصدقتعلى غربٍ حتى يكون له أهلُ
فإنا نجاريها لما فعلت بناإذا ما تزوّجنا وليس لها بعلُ
أفيضوا على غربائكم من نسائكمفما في كتاب الله أن يحرم الفضلُ
فتسارع الناس إليه، وطرحوه عن المنارة فمات، فقال بعض نساء أهل البصرة رحم الله ذاك المؤذن، فما كان أطيب صوته، وأذانه.
قال علي بن الجهم: دخلت على المأمون فرأيته مضطجعاً وعنده تفاحة معضوضة، بعث بها إليه بعض جواريه مكتوب عليها بالذهب:
لا بارك الرَّحمن في عاشقٍيأكل تفاح محبيه
فقال لي المأمون: يا علي قل في هذه التفاحة ثلاثة أبيات ولك بكل بيت ألف دينار، فقلت:
تفاحةٌ جرحت بالدّرّ من فيهاأشهى إليّ من الدّنيا، وما فيها
جاءت بها ظبيةٌ من عند غانيةنفسي من السوء، والآفات تفديها
لو كنت ميتاً ونادتني بنغمتهاإذن لأسرعت من لحدي ألبيها
فقال هات قلت:
بيضاء في حمرة علتْ بغاليةكأنّها قطفت من خدّ مهديها
فأمر لي بأربعة آلاف دينار، فأخذتها وخرجت.
قال أبو الفضل جعفر بن الفرات الوزير، هذا الكلام مجرّب لكل علّة، بسم الله، ويضع يده على الأرض، ويمسحها على موضع الوجع، ويقرأ: (وَإِنّا عَلَىَ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ).
سبع مرات فإنه يزول بإذن الله، سبحانه، وتعالى، لابن حجّاج:
أقول لحمأةٍ وقد طال أمرهاأردّت وما بي الله أن تكسفي البدرا
فقالت معاذ الله لكن أثبتهُلأمرين قد أوضحت بينها القدرا
أبشره بعدي بطول حياتهصحيحاً كما أهوى وأكسبه أجراً
سأل الوليد بن عبد الملك شراعة الشاعر عن طيب المجالس فقال: لولا أن المطر يغرق، والشمس تحرق، لما كان في الدنيا أحسن من شرب على وجه السماء وضوء الماء، وصفو الهوى، وخضرة الكلأ، وسعة الفضاء.
دعا رجلٌ قوماً فيهم أبو نواس، فجلسوا، وطالوا وجاعوا، والرجل يدخل، ويخرج، فقال له أبو نواس:
يا ذاهباً في داره جائياًمن ما معنى ولا فائدة
قد جُنّ! أضيافك من جوعهمفاتلُ عليهم سورة المائدة
قال دعبل دعاني صديق لي مع جماعة من أخوانه، فوضع بين أيدينا عصيدة قد حفر وسطها، وجعل فيه سمناً كثيراً فأخذ أحدهم منها قطعة وغمسها في السمن، وقال: (فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ).
وجرّ السمن إليه، فقال آخر: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً).
وجرّ السمن إليه، فقال الآخر: (فَسُقْنَاهُ إِلَىَ بَلَدٍ مّيّتٍ).
وجرَّ السمن إليه فلم يتكلم أحد، فقلت أنا: (وَقِيلَ يَأَرْضُ ابْلَعِي مَآءَكِ وَيَسَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَآءُ وَقُضِيَ الأمْرُ).
وخلطت السمن بما بقي فأكلته.
رُوي: أُخذ نصراني مع مسلمة قد فجر بها في انقضاء صومهم، وأول شهر رمضان، فضرب خمسمائة سوط. فأسلم، وألزموه مهر مثلها، وكان مهرها أربعة آلاف درهم، فوزنها، ثم شرع في صوم رمضان، وألزموه بالختان فختن، فلقيه رجل من العدو قال له، كيف أصبحت، فقال أصبحت بأعظم مصيبة ابن آدم خرجت من ديني ودين آبائي، وقطع ثلثي ذكري، ووزنت أربعة ألاف درهم، وضربت خمسمائة سوط، وأصوم تمام ثمانين يوماً وحصل في بيتي قَحْبة.
قيل أن أعرابياً بعث إلى امرأته بنحيٍ سمن وثلاثين شاة، فأخذ الرسول بعض ما في النحي، وأخذ من الغنم شاة، فقالت المرأة للرسول أبلغه السلام، وقل له، إنا جرينا الأسود الذي كان يطالعنا أتانا من بها، وإنّ هلالنا كان محاقاً، فلما أدى إليه الرسالة، قال يا عدو الله أخذت شاة من الغنم ونقصت النَّحي، ولم يفارقه، حتى استرد منه ما أخذ.
ذكر ابن السمعاني في التبديل: بينما الشافعي رحمة الله عليه ببغداد في حلقة المناظرة إذا طرحت بين يديه رقعة، فقرأها علينا وفيها مكتوب:
عفا الله عن عبدٍ أعان بدعوةٍخليلين كانا دائمين على الودّ
إلى أن وشى واشي الهوى بنميمةٍإلى ذاك من هذا فحالا عن العهد
قال الشيخ الإمام العالم مهذّب الدين، بقية السلف، شيخ العرافين أبو الحسن سعد الله بن نصر بن الدجاجيّ، مصّنف هذا المجموع، رأيت رقعة ملصقة في محراب مسجدي، المختارة من بغداد وفيها مكتوب:
شكونا شكونا لى ذي العرش لم تقاصرتعن المبتغى أيدي العباد جميعاً
فكن مسعدي يا ابن الدّجاجيّ بدعوةٍعسى يا ابن نصرٍ أن تجاب سريعاً
وأن يلتقي هذا الغريب بأهلهفيطغى جوىً، أو أن يلذّ هجوعاً
فقد مزّقت أيدي النّوى ثوب صبرهوملّ فأذرى أدمعاً ونجيعاً
فكتبت تحته:
أعادك يا هذا الغريب مسلماًإلى جمع شملٍ عاد فيك قطيعا
وسرّك باللقيا لقوم تحبهموضمّكموا ربع الوصال سريعا
جاء سائل إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵀ يطلب شيئاً ما. حضر عنده، ثم أنشأ يقول:
يا لهف نفسي على مالٍ أفرّقهعلى المقلّين من أهل المروءات
إن اعتذاري لمن قد جاء يسألنيما ليس عندي لمن إحدى المصيبات
قال أحمد بن معاوية بن بكر، كانت أم هشام بنت منظور بن زبان عند عبد الله بن الزبان، فلما قتله الحجّاج من قبل عبد الملك بن مروان، بعث إليها عبد الملك بن مروان من يخطبها عليه، فلما بلغها الخبر.
قالت يقتل بعلي بالأمس واتزوجه اليوم، ثم خافت إن ردته تضر بأهلها، وبها في نقيها، وكانت من أجمل النساء، وأحسنهن ثغراً، فدعت بفهر يعني حجراً، فحطمت به فاها، فكسرت ثناياها، وبعد أيام، تلثمت، وأذنت لرسوله، فلما أبلغها الرسالة قالت: ما لأمره مردّ، ولا وراءه مذهب، ثم كشفت عن فيها وقالت: ما أحسب لأمير المؤمنين فيّ حاجة، بعد ما ترى، وحسرت عن فيها، فلما رأى رسوله ذلك انصرف إليه، فأخبره، وأمسك عنها.
وقال ابن عائشة حدثني أبي قال: كانت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل عند عبد الله بن أبي بكر الصديق، فزاد حبه لها، حتّى شغلته عن سوقه وصنعته، فقال أبوه يا بني قد شغلتك هذه عن صنعتك وسوقك، فطلقها واحدة، ثم اشتد وجده عليها فجاء لأبيه على طريقه، وأنشده، وهو يبكي:
ولم أر مثلي طلقّ النّوم مثلهاولا مثلها من غير ذنب تطلّقُ
فرق له أبوه، وأمره بمراجعتها، فلم تزل عنده، حتى ضنى من السهم الذي أصابه في الطائف، ومات عنها، فرثته وقالت:
فُجعت بخير الناس بعد نبيهموبعد أبي بكر وما كان قصَّرا
فآليتُ لا تنفك عيني سخينةًعليك ولا ينفكُّ جلدي أغبرا
مدى الدهر ما غنت حمامةٌ أيكةًوما طرد الليل النهار المنوِّرا
فلله عيناً منْ رأى مثله فتىًأكدُّ، وأحمى في الهياج، وأصبرا
ومنها:
إذا شرعت فيه الأسنةُ خاضهاإلى الموت حتى يترك الموت أحمرا
قال ابن عائشة فقلت لأبي أنشد ما قدمته، قال إنه كان قديم الإسلام، وكان يختلف إلى النبي ﷺ وإلى أبي بكر وهما بثور، تعني جبلاً اسمه ثور بالطعام.
قال محمد بن عمر: فلما هلك عبد الله بن أبي بكر خلف عليها عمر بن الخطاب، قال حماد بن سلمة، وقد كان عبد الله بن أبي بكر أعطاها أربعة آلاف درهم، وقال ابعثي بها إلى أبي بكر، فإن هذا لا يصلح، قال فأولم عليها عمر، ثم دعاه أصحاب رسول الله ﷺ فجاء الزبير فجلس قريباً من المخدر وقال:
فآليت لاتنفكُّ عيني سخسنةًعليك ولاينفكّ جلدي أغبرا
فقال عمر ما أردت بذلك، قال أردت أن أذكرها العهد، قال: وكانت تحضر الصلاة، وكانت جميلة، وكان عمر غيوراً، وكان يقول لها لو أنك صليت في بيتك، فتقول لا، والله، أو تنهاني لا، والله، لا أنهاك، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول:"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله".
فلم تزل عنده، حتى قتل ﵀ ورضي عنه فرثته وقالت:
فجعتني المنون بالفارس المعلّمِيوم الهياج والتلبيبِ
عصمة الناس والمجير على الدهروغيث المكروب والمخروبِ
قل لأهل الضَّرَّاء والبؤس موتواقد سقته المنون كأس شغوبِ
قال فخلف عليها بعده الزبير، وكان يقول لها لو صليت في بيتك فتقول مثل مقالها لعمر، قال حماد بن مسلمة، فخرجت يوماً مغسلة وخرج الزبير في أثرها متنكراً، فدنا منها فضرب بيده على أوراكها، فلما رجعت لزمت بيتها، ولم تخرج فكان يقول لها لم تركت الصلاة في المسجد فتقول هيهات فسد الناس يا أبا عبد الله، فقتل عنها فرثته، وقالت شعراً:
عدير ابن جرموز بفارس بهِمَّةٍيوم اللقاء، وكان غير معردِ
يا عمرو لو نبهته لوجدته لا طائشاًرعش السِّنان، ولا اليدِ
سألت عينيك إن قتلت لمسلماًحلَّت عليك عقوبة المتعبِّدِ
فخلف عليها محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فلم تزل عنده، حتى قتل عنها ومثلوا به، فإنهم أدخلوه جوف حمار، ثم حرقوه، فقالت:
فإن تقتلوا أو تمثلوا بمحمَّدٍفما كان من أجل النِّساء ولا الخمرِ
قال أبو الحسن المدائني، فكان ابن عمر بعد ذلك يقول: من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة بنت زيد.
قارع الزبير بن العوَّام عثمان بن عفان ﵁ فقال الزبير مفتخراً، أنا ابن صفية، قال: هي أذيتك من الظل، ولولاها لكنت صاحباً.
ذكر أن أبا نواس استأذن على الأمين، وعنده بعض جلسائه، فقال يا أمير المؤمنين: ائذن لي في تحريك أبي نواس، إذا دخل، فقال له: أخاف عليك جواباً مسكتاً، فقال قد أمنَّك الله ذلك، قال فدونك، وهو، فلما دخل واستقر به المجلس، قال له البشري: يا أبا نواس، قال على ماذا، قال قد ولاك أمير المؤمنين الرئاسة على القردة، فقال له فاسمع إذن وأطع، فإنك من الرعية، فضحك الأمين وقال للمعرض نهيتك، فلم تنته فذُق.
بعض العباد رفسته دابة فكسرت رجله، فأتاه من يعوده، فقال لولا مصائب الدنيا، لوردنا الآخرة، ونحن مفاليس.
قال محمد بن علي إن الله سبحانه خدع المؤمنين بعضهم من بعض، سبحانه أو ليس قد استغفرت له فيقول يا رب متى؟ فيقول في اليوم الفلاني، قلت اللهم اغفر لي، وللمؤمنين، والمؤمنات، فإن شئت قبلتها منك، وهي أحدهم، وإن شئت رددتها عليك، وأنت أحدهم، فيقول قد شئت أن تقبلها مني فتزول المظلمة منذ ذلك، فخدع الله المؤمنين بذلك. للمعري في تأديب الولد الصغير:
اضرب وليدكَ، وأذلِلهُ على رَشَدٍولا تقل هو طفلٌ غيرُ محتلمِ
فربَّ شقِّ برأسٍ خيرُ منفعةٍوقسْ على نفع الرَّأس بالقلمِ
حكى الأصمعي قال: كنت ببعض البوادي، فمررت بشيخ وبين يديه صبي وصبية، وهو يرقص الصبية، وينشد:
بنيتي ريحانتي أشمُّهايعجبني التزامها وضمُّها
فديتُ بنتيوفديت أمها
فقلت له أما لهذا الصَّبي فيما أنت فيه حظ؟ فقال بلى قد أخذ حظ، فقلت ما اسم الصبي؟ فقال: حكيم، قلت فهل قلت فيه شيئاً قال نعم، وأنشد
يقرُّ بعيني، وهو ينقص مدَّتيمرور الليالي إن يشبَّ حكيمُ
مخافة أن يغتالني الموت دونهفيغشى بيوت الحيِّ، وهو يتيمُ
ثم فارقته برهة من الدهر، وغدوت، وإذا بالشيخ جالس، وقد كبر فدنوت منه وسلمت عليه، وسألته عن ولده حكيم، فقال هو سيد أهل الحي اليوم فقلت كيف هو معك مما كنت معه في صغره فأنشد:
فديتك من رايحٍ يعتديإذا ما البيوتُ اكتسيْنَ الجليدا
كفيتُ الذي كنت أكفيتهُفصرتُ أبالي وصرتُ الوليدا
غبت عنه مدة، وعدت، وإذا به خارج بين يديه جنازةٌ، فقلت يا شيخ ما صنع حكيم، فقال مات حكيم:
لقد كنت أرجو من حكيم إيابهُعليَّ إذا ما النعشُ، ولا تدانيا
فعجَّل قبلي يومهُ فارتديتهُفيا شؤم نفسي من رداءٍ عدانيا
ثم أنشد:
يا مؤنساً سكن الثرى وبقيتُلو كنت أنصف إذ فنيتَ فنيتُ
الحيُّ يكذب لا صديق لميّتٍلو كان ذاك يُميت كنت أموتُ
قيل إنه مر سليمان بن وهب بقبر عبد الله بن يحيى بن خاقان قرب موته، فأنشد شعر مهلهل:
ذهب الخيارُ من المعاشر كلهمُواستبَّ بعدك يا كليبُ المجلسُ
وتنازعوا في كلِّ أمر مُلّمَّةًلو كنت ثم شهدتهم لم ينجسوا
قال المنصور الخالدي كنت ليلة عند القاضي في ضيافته فأغفا إغفاءة فخرجت منه ريح فضحك بعض القوم، فانتبه لضحكته، ففطن، ثم مكث هنيهة، ثم قال:
إذا نامت الفتيان من متيقظتراخت بلا شك تسابيح فقحتهِ
فمن كان ذا عقل فيعذر نائماًومن كان ذا جهلٍ ففي جوف لحيتهِ
دخل عبيد الله بن زيد بن ضبيان على عبد الملك بن مروان، وفي خفه مهماز مكسور، فما وضع رجله على شيء من فرشه إلا أخرقه، فاغتاظ منه، إلى أن وصل إلى جنبه، فقال له عبد الملك: يا عبيد الله بلغني أنك لا تشبه أباك.
قال، والله إني لأشبه بأبي من الماء بالماء، والبيضة بالبيضة، والغراب بالغراب، والتمرة بالتمرة، وإنما الشنآن فيمن لا تنضجه الأرحام، ولم يولد لتمام، ولم يشبه الأخوال، والأعمام، وكان عبد الملك قد ولد لستة أشهر، فقال عبد الملك، ومن ذاك، فقال سويد بن منجوف.
وكان سويد أميراً جالساً بين يديه، ثم خرج عبيد الله وجلس على سرجه، ينتظر سويداً، فلما خرج ابتدره سويد، فقال، والله ما ساءني ما جرى بعد لقيته لهذا الجبار بما لقيته، وكان هذا عبيد الله قد مات أبوه، وخلفه ابن ست سنين.
وقال له يا بني إلى من تحب أن أوصي بك؟ فقال يا أبت، إذا لم يكن للحي إلا وصية الميت، فالحي هو الميت، فقال له أبوه أنت، والله ولدي حقاً، فلما مات أبوه، قلدته أمه بالسيف فقصر عنه، وطال السيف عليه، فقلدته الشمل ودخل على عبد الملك، فقال يا عبيد الله إلى من وصّى بك أبوك؟ فقال: إن أبي أوصى إليّ، ولم يوصي بي، فلما ركب، ركب لركوبه عشرون ألفاً من قومه، وهو الذي قتل مصعب بن الزبير، وجاء برأسه إلى عبد الملك، فلما رآه سجد له، وأمر له بألف دينار، فقال لا تعطيني لقتل مصعب ألف دينار، والله ما قتلته لا لك، ولا لأجلك، ولكن لذحل كان بيني وبينه، ثم ندمكيف لم يضرب رأس عبد الملك بالسيف حين سجد فيكون قد قتل ملكي العرب.
جاء رجل إلى الحجَّاج، فقال يا أمير المؤمنين: عصا عاصي من غرب الحي، وأنا عريف قومي، هدمت داري، وخلف على اسمي وحرمت عطائي، فقال له الحجَّاج: أما سمعت، قول الشاعر حيث يقول:
جانيك من يُجني عليك وقدْأجدى الصِّحاحُ مبارك الحربِ
ولَرُبَّ مأخوذٍ بذنب قرينهِونجا المقارف صاحب الذنبِ
فقال له الرجل: ما قاله الله خير مما قال الشاعر قال، وما الذي قاله الله ﷿، قال: قال ﷾: (أَلاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ وَأَن لّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاّ مَا سَعَىَ) [النجم].
فقال الحجاج صدق الله وكذب الشاعر، يا غلام ابن داره وأعد اسمه واردد عليه عطاءه.
ذكر بعض المفسرين في قوله تعالى (ولا تنسوا الفضل بينكم).
قال: اصطناع المعروف.
قيل إن سبب نقمة الرشيد على البرامكة، أن ميمونة أخت الرشيد هويت جعفراً بن خالد البرمكي، وكانت تراسله وتلاطفه ليزورها، فيأبى عليها، ويخاف الرشيد أن يخونه في أهله وحريمه، فلما انقطعت حيلتها صنعت له طعاماً وسألت الرشيد أن يتغدى عندها فأجابها. وكان لا يصبر عن جعفر لمحبته له، فقال وأخي جعفر، قالت: نعم، فلما أكلا وجلسا إلى المساء يتحدثان، وأرادا الانصراف، فقالت يا سيدي قد اشتريت لك جارية منذ سنتين، أديبة عاقلة كاملة حسنة، وإنما أردتها لهذه، فتبيت معها عندي، فتقر عيني بذلك، فقال وجارية أخرى لجعفر، فلما أدخلت على الرشيد جاريته، لبست ميمونة فاخر ثيابها، وتعطرت ودخلت على جعفر، وهو لا يعلم من هي فباتت معه ليلته.
فلما أصبحت قالت إني ميمونة أخت أمير المؤمنين قد كنت أراسلك، وألاطفك على أن تحبوني بمودتك، فأبيت، فلما يئست منك، احتلت لهذه الحيلة، وأشهد الله لئن لم تزرني لأفضحنك ونفسي، فخاف من شرها، ودقيق حيلتها، ولم يأمنها، فكان يزورها، حتى ظهر الرشيد على أمرهما، فقتلها وقتله، واستأصل البرامكة.
قال المنجمونلكسرى إنك لتقتل، قال لأقتلن قاتلي، ثم أمر بسم فخلطه في أدوية وجعله في برنية، وكتب عليه هذا دواء للجماع مجرَّب، من أخذ منه وزن كذا جامع ما شاء، وجعله في خزانة الطبيب، والأدوية، فلما ابنه شيرويه، رآه في خزانته، فقال بهذا كان يقوى أبي على الجماع، فأكل منه فمات مكانه. يقال إن عروة بن حزام توفي وجداً بحليلته عفراء، فمر به ركب فعرفوه، وهو ميت، فلما انتهوا إلى منزل عفراء صاح منهم رجل:
ألا أيَّتها القصر المغفَّل أهلهُإليكم نعينا عروة بن حزام
فسمعت عفراء فأشرفت من القصر وقالت:
ألا أيها الركب المحثون ويحكمأحقٌ نعيتم عروة بن حزامِ
فأجابها رجل من القوم:
نعم قد دفَّناه بأرض بعيدةمقيمٌ بها في سبسب وآكامَ
فقال مجيبة له:
فإن كان حقاً ما تقولون فاعلموابأن قد نعيتم بدر كل ظلامِ
فلا هنىء الفتيان بالعيش بعدهولا رجعوا من غيبة بسلامِ
ولا وضعت أنثى تماماً مثلهولا بُشِّرت في بعده بغلامِ
ولو تبلغوا ما قد توجتموه لهُونغصتموا الذات كلَّ طعامِ
ثم سالتهم أين دفنوه، فأخبروها، فسارت إلى القبر تسألهم النزول لحاجتها، فانسلت إليه، فما رابهم إلا صوتها فبادروا إليها، وهي ميتة، فدفنوها إلى جانب قبره، وكذلك يحكى أن توبة بن الحمير كان يهوى ليلى الأخيلية، فقال فيها:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمتعلي ودوني جندلٌ وصفائحُ
لسلمتْ تسليم البشاشة أورقاإليها صدىً من جانب القبر صايحُ
وأغبط من ليلى بما لا أنالهألا كل ما قرَّت به العين صالحُ
فقيل إنها مرت عليه، وقيل لها هذا قبره فاطلعت من الهودج وقالت، السلام عليك يا توبة، ثم حولت وجهها إلى القوم، وقالت: ما عرفت له كذبة قبل هذه، فأين قوله، وذكرت الشعر، فما باله لا يرد السلام، وكان إلى جانب القبر بومة كامنة، فلما رأت الهودج طارت، فنفرت الناقة، وألقتها فماتت من وقتها، فدفنت إلى جانب قبره.
لما قتل مصعب بن الزبير، خرجت سكينة بنت الحسين ﵁، تريد المدينة، فأطاف بها أهل الكوفة، فقالوا أحسن الله صحابتك يا بنت رسول الله، فقالت: والله لقد قتلتم جدي، وأبي وعمي فزوجي مصعباً، أيتمتموني صغيرة، وأيتمتموني كبيرة، فلا عافاكم الله في أهل بلد، ولا أحسن عليكم الخلافة.
في الأمثال: أنْ عجوزاً كان لها دجاجة، كانت تعيش بما تلتقط من الأرض، وتبيض في كل يوم بيضة تنتفع بها العجوز، فقالت العجوز لو زدت في علفها، لكانت تبيض في كل يوم بيضتين، فجعلت تواسيها في قوتها فسمنت الدجاجة، فانقطع بيضها بالكلية، وهذا بأن الإحسان ربما ضر.
مثل آخر: دخل جردان إلى دكان حداد، فصادف المبرد، فلم يزل يلحسه، حتى سقط لسانه-وهذا مثل لمن يضر نفسه باللحاح في الباطل.
جاء رجل إلى هلال بن العلاء، فقال قد تزوجت، وأريد الليلة آتي بها، فادع الله تعالى بالبركة، فقال رزقك الله البركة، وشدة الظفر عند المعركة.
لما مات الحجاج وجدوا في حبسه رجلاً له عشرون سنة، فنظروا ذنبه فإذا به قد ضرط في المسجد، فقال ابن عباس لو خريء في الكعبة لما زيد على هذه العقوبة، فلما أطلق من حبسه، ذهب وهو يقول:
إذا نحن جاورنا مدينة واسطِخرينا وصلّينا بغير حسابِ
قال بعضهم، رأيت أعرابياً قد عبر على هشام بن عمر الزهري، وهو أمير الجزيرة بالموصل، فلما بصر به الحجاج ابتدروه ضرباً، فرفع صوته فبصر به هشام فأحضره، قال: من أي العرب أنت؟ قال: من مضر، قال من أيها؟ قال من عقيل، قال: فما أقدمك هذه البلدة؟ قال الأمل، والطمع وحسن الظن، فقال: هل جعلت لحسن ظنك، وأملك سلماً إلى حاجتك؟ قال نعم أيها الأمير: أبياتاً قلتها في ظاهر البرية فاستحسنتهن جداً جداً، حتى إذا وردت إلى باب الأمير فرأيت ما عنده من الهيئة، والأهبة وعظم الشأن وشدة السلطان استصغرته جداً. فلجأت إلى السكوت والاعتذار.
فقال له هشام: يا أعرابي هل لك أن توقع بيننا شرطاً لا نخلفه نحن، ولا أنت؟ قال: وما هو؟ قال: نحضر ألف درهم ندفعها إليك ونشهد الله عليك، ومن حضر، وتنشد أبياتك، فإن كانت أقل من الألف لم تنقصك شيئاً، وإن كانت أكثر من الألف لم نزدك شيئاً. قال الأعرابيّ: رضيت، ثم أنشد يقول:
ما زلت أخشى الدهر، حتى تعلقتيداي بمن لا يتقي الدَّهر صاحبهْ
فلما رآني تحت ظل جناحهرأى مرتقاً منِّي عزيزاً مطالبهْ
رأي جبلاً قد جاوز الحرث في الثرىكما جاوزته في السَّماء كواكبهْ
وليس يخاف الدهر من كان جارههشام ولا يخشى عليه نوائبهْ
فتى كسماء الغيث والناس تحته=من الخلق يحكي فعله ويقاربهْ فضحك هشام وقال: ياأعرابي قد جرنا عليك، ماهذه قيمة أبياتك، بل قيمتها عشرون ألف درهم، فقال الأعرابيّ: إن لي فيها شريك ولا يجوز البيع إلا يرضى الشريك، فضحك هشام من خبث الأعرابيّ ودهائه، وقال يا أعرابيّ كأنك حدثتك نفسك بالخيانة وبالنكث، فقال الأعرابي أيها الأمير رأيت النكث أحسن من الخيانة في الشركة، فازداد هشام تعجباً، وأمر بعشرين ألف درهم فأخذها وانصرف-لبعضهم:
عندي حدائق جود من نوالكمقد مسَّها عطشٌ فليسقِ من غرسا
تداركوهما وفي أغصانها رمقٌفليس يرجى اخضرار العود إن يبسا
ولا يرينكموا طول احتباسكمفالغيث أنفع ما يأتي إذا احتيسا
من قل دقيقة قل رفيقه، يقال من تمام الضيافة الكلام عند أول وهلة، وإطالة الحديث عند المواكلة، يقول: العرب ذهب أبيضاه شحمه وسنانه (وذهب طيباه أكله ونكاحه).
قيل لأبي العيناء إن ابن حمدون يضحك منك، قال كذا، قال الله: (إِنّ الّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ).
جاء المطر فوقعت دار أبي علي الضرير، وكان من ظرفاء أهل بغداد فأنشد:
من تكن هذه السماء عليهنقمةً أو يكنْ بها مسروراً
ولقد أصبحت عذاياً وبؤساًولقينا منها أذىً وشروراً
أيها الغيثُ كنت بؤساً وفقراًوالناس حنطةً وشعيرا
كتب أبو العيناء إلى سليمان بن وهب الوزير: أنا أصلح الله الوزير زرع من زرعك، إن سقيته راع وزكا، وإن تركته ذبل وذوى، وقد مسني من الوزير، أصلحه الله حقاً بعد برٍ، وتغافل بعد تعهد، حتى شمت عدوّ، وتكلم حاسدٌ، ولله در أبي الأسود حيث يقول: لا تهنّي بعد إكرامك لي والسلام، قيل لرجل من أصحاب السرايا تقدم وقاتل وخذ مائتي دينار صحاحاً، فأومأ بيده إلى رأسه وقال: أخاف أن يذهب رأس المال، ثم أنشد:
فلو أنّ لي رأسين أذخر واحداًوألقي الأعادي بعد ذاك بواحد
لأقدمت في الهيجاء إقدام باسلولم أك هيّاباً لوقع الشدائد
ولكن رأسي إذا ما فقدتهوفارقني يوماً فليس بعائد
سئل الحسن البصري، لأي سبب أستحب صيام الأيام البيض، ففكر، ثم قال لا أدري، فقال أعرابي عنده لكني، أدري، قال: وما هو؟ قال: لأن القمر يخسف فيها، ولا تخسف في غيرها، فأحب الله أن لا يحدث في السماء آية إلا حدث في الأرض عبادة، فقال الحسن عند الأعرابي علم، فأسألوه.
يعجبني، قول ابن الرومي:
وقالوا في الهجاء عليك إثمٌفقلت الإثم عندي في المديح
لأني إن مدحتُ أقول زوراًوأهجو حين أهجو بالصَّحيح
ولابن الرومي:
لا تلح من يبكي شبيبتهإلا إذا لم يبكها بدم
لستا تراها حق رؤيتهاإلا أوان المشيب والهرمِ
ولربَّ شيء لايبيتهوجدانه إلاّ مع العدم
كالشّمسِ لا تبدو فصيلتهاحتّى تغشى الأرض بالظلم
ذكر أن بعض الأغنياء افتقروا إلى أن تعذر عليه قوته، فكتب بخطه شفاعة الوزير ابن مقلة، تزويراً عن لسان أبي عمر القاضي، سأله معيشة، ثم سلمها إليه بيده، إلى ابن مقلة في ديوانه، فما شك أنها خط القاضي، فقرأها وقال كرامة لشفاعته وطاعة، اجلس، قال: فجلست، وأنا ورجل من القاضي أبي عمر.
وإذا به قد دخل إلى الوزير فأكرمه وقال الآن وصلت رقعتك وشفاعتك، وأنا مهم بتحصيل شغله، فقال له القاضي: وأيّ رقعة هي؟ قال: فأخرجها وسلمها إليه، فقرأها وانشغل بالنّاس، فجعل القاضي ينظر إلى الناس، فلم يرى غيري، وأنا أتودد، وأتلون، فقال للوزير إي والله، ومن أجله حضرت، وهو من بيت كبير وفضل غزير، وفيه الكفاية، فرفع الوزير إلي حاجبيه.
وقال، قل لكتبة الديوان، يعرضون عليه الأعمال جميعها، الخالية، والمشغولة، ويسلم إليه ما يختار، وتضعف الجباية، فقال القاضي، ويكون معه غلامي ليعلم عنايتي به، وقال لغلامه، إذا قضيت حاجتهفاحمل إلي، قال فأعرضوا علي الأعمال فاخترت ما أردت، ثم حملني الغلام إلى دار القاضي فأجلسني، وجاء القاضي فغير ثيابه، فلما حضرت عنده خجلت، فقام إلي، وأكرمني.
وقال: أيها الشيخ ما ملكني أحد يمثل منتك، فقلت الله الله في أمري قد فعلت ما يجب فيه التلف، أو قطع اليد، فقال لا، والله إلا الكرامة، كيف رأيتني أهلاً لشفاعتك من دون أرباب المناصب، وجملتني عند الوزير بتلك الألفاظ، والبلاغة التي لم تخجلني فبها بلحنة، ولا بغيرها.
ثم قال للغلام، هات ما معك فأعطاني كاغدا فيه خمسون ديناراً، وقال استعن بها على حالك وإصلاح ترحك. إلى أن يهيأ شغلك، ثم قام فودعني، وودعته وانصرفت.
كان المهدي يقرّب رجلاً من بني أمية من ولد سعيد بن العاص، وكان بعض بطارقة الروم، قد عاث وكثر فساده على من يليه من أهل الثغر، فكتب المهدي إلى عماله في أسره وحمله إليه إن ظفروا بهن فاحتالوا، حتى أسروه وحملوه إليه، فجلس حافلاً، وأحضر الأسير مكبلاً، وكان الأموي جالساً قريباً من المهدي.
فأراد المهدي أن يكرمه، بأن يوليه قتلة البطريق، فقال قم يا أخا بني أمية واضرب عنقه، وعلى النطع سيف بمالي قاطع من سيوف الخلافة، فقام، وتناول السيف وضرب به رأس البطريق ثلاث ضربات، ولم يخط فيه خطاً.
فألقى السيف في النطع، وقال أفٍ لك، أما والله لو كان من سيوف الأجداد ما نبا، فغضب المهدي، فوثب يقظان بن موسى، وتناول السيف واستأذن، وضرب به رأس البطريق فأزاله، ثم قال: يا أير المؤمنين إن هذه سيوف الطاعة، لا تعمل إلا في أيدي أهلها، فسر المهدي وكأنه نشط من عقال، فقال أبو دلامة:
أيها الإمامُ سيفكُ ماضٍيمين الوليُّ غير الكهامِ
فإذا ما نبا بكفٍ علمناأنها كفُ مُبغض للإمامِ
قال أبو محمد بن حمدون، عاهدت الله تعالى، أن لا أعتقد مالاً من القمار، وأنه لا يقع في يدي منه شيء إلا ضيعته في ثمن شمع يحترق، أو نبيذ يشرب، أو خدر مغنية، فلاعبت يوماً المعتضد بالنرد، فقمرته سبعين ألف درهم ونهض يصلي العصر قبل أن يأمر بها، فجلست أفكر، وأندم كيف حلفت.
وقلت كم عساي أشتري شمعاً ونبيذاً وخدر مغنية، فلم حلفت، ولم بادرت؟ ولو لم أكن حلفت لاشتريت بها صيغة، وكانت اليمين بالطلاق، والمعناق، وصدقة الملك، فلما أغرقت في الفكر، والمعتضد يراني، وأنا لا أشعر، فلم يسلم، قال لي فبماذا أنت؟ قلت في خير يا مولاي، قال بحياتي فصدقته الحال.
قال وعندك أني أريد أعطيك قمار سبعين ألف درهم، فقلت، وتصنعوا، قال نعم، قد صفوت قم، ولا تفكر في هذا الطمع، ثم مر يصلي، فلحقني غم شديد أشد من الأول، وقلت لم صدقته الحال، فلما فرغ من صلاته، قال يا أبا عبد الله، بحياتي أصدقني عن الفكر الثاني، فلم أجد بداً فصدقته.
فقال أما القمار، فقد فاتك لأني صفوت عليك، ولكني أهب لك سبعين ألف درهم من خالص مالي، فلا يكون إثم في دفعها، ولا عليك في أخذها، وتخرج من يمينك فتشتري بها ضيعة تستغلها، حلالاً، فقبلت يده، فأحضر المال، فأخذته واعتقدت به ضيعة جليلة، وعاهدت الله أنا، وهو أن لا أعود إلى قمار أبداً.
كان الوليد بن عبد الملك أعظم من بني أمية كبراً، فأراد دخول مسجد رسول الله ﷺ والنظر إلى آثاره، فأخرج الناس، وهابوا سعيد بن المسيب أن يقولوا له شيئاً، وعلموا أنه لا يهاب، ولا يخرج، قال عمر بن عبد العزيز فبينما أجول مع الوليد، إذ بصر به من بعيد جالساً، وهو لا يعرفه.
فقال من ذلك الشيخ؟ قالوا شيخ الناس، وعابدهم، وعالمهم سعيد بن المسيب، أما إنه رأى أمير المؤمنين لنهض إليه، قال الوليد فنحن نذهب إليه فأتاه، حتى وقف بين يديه، فوالله ما نهض، ولا حلّ حبوته، فقال الوليد كيف أنت يا شيخ؟ وكيف حالك؟ فقال كما يحب أمير المؤمنين، ثم انصرف الوليد، وهو يقول، هذه بقايا الناس، فكان عمر بن عبد العزيز إذا تعذر عليه أمر من مهم أمره قال إن رباً سخر الوليد، حتى مشى إلى سعيد بن المسيب وقام على رأسه، لقادر أن يسخر لي هذه الحاجة.
قيل لعدي بن حاتم أي الأشياء أثقل؟ قال تجربة الصديق ومسألة اللئيم، ورد السائل، قيل له فأي الأشياء أوضع للرجال؟ قال: كثرة الكلام وإذاعة الأسرار، والثقة بكل واحد.
كان ملك من بني طسم يسمى عمليقاً، وكان عاتياً بلغ من عتوه أنه أمر أن لا تزف امرأة في بني جديس إلى زوجها، فأدخلت على الملك فاستحسنها وافترعها، ثم خلاها فخرجت إلى قومها في دمائها رافعة ثوبها عن عورتها، وهي تقول:
أيصلح ما يأتي إلى فتياتكموأنتم رجالٌ عدد الرَّملِ
فلو أننا كنا رجالاً وكنتموانساءً لكنا لا نقرُّ على الذُّلِ
فبعدُ البعل ليس فيه حميةٌويختال يمشي مشية الرجل الفحلِ
فحميت من ذلك عشيؤتها، وانتخت أقاربها من بني جديس، واغتالوا الملك فقتلوه بتحريضها.
مما قرىء على ابن دريد لبعض العرب:
يلقى السيوف بوجهه، وينحرهويقيم هامته مقام المغفرِ
ويقول للطَّرق اصطبر لشبا القنافعفرتُ ركنَ المجد إن لم يُعْفرِ
وإذا تأملّ شخصٌ ضيف مقبلٍمتسربلاً بسربال محلَّ أغبر
أومى إلى الكرماء هذا طارقٌنحرتني الأعداء إن لم ينحر
قال عطاء بن مسلم شهد رجل عند ابن ابي ليلى، وأنا عنده، فقال اكتبوا شهادته، ثم رفع رأسه فتأملته، فإذا جبينه مصففاً على جبينه، قال: تصفف شعرك، ردوا شهادته، فقال: أصلحك الله، إن لي عذراً، قال: وما عذرك؟ قال بجبيني آثار، وأنا أواريها لقبح منظرها، فقال نعم، اكتبوا شهادته، ثم هم الرجل بالقيام فرأى في يده، وأظفاره آثار الحناء، فقال تخضب يدك بالحناء، ردوا شهادته، فقال إنّ لي عذراً، قال: وما عذرك؟ قال لي أبٌ شيخ كبير فأنا أخضبه، قال نعم اكتبوا شهادته، ثم قام الرجل لنصرفي، فرآه يجر ثوبه، فقال تجر ثوبك، فقال لي عذر، قال: وما عذرك؟ إنا ثلاثة أخوة، وفي حالنا بعض الضعف، فقطعنا هذا القميص على قدر أوسطنا نتجمل به إذا خرجنا، وأنا أصغرهم، وأقصرهم، قال نعم اكتبوا شهادته.
قال الأصمعي: خرجت حاجاً فحل محملي محمل أعرابي. فشتمته وضربته فاحتملني، فلما وصلت البيت، إذا به متعلقاً باستار الكعبة يقول: إلهي إن كنت غفرت فاغفر لمن شتمني وضربني فقلت يا أعرابي، ضربناك وشتمناك، وتدعوا لنا، قال فنظر إلي نظرة، ثم أنشأ يقول:
لا يغضب الحرُّ على سفلةوالحرُّ لا يغضبه النذلُ
إذا لئيم سبّني جهدهأقول زدني فلي الفضلُ
قيل لأعرابي ممن أنت؟ فقال من قوم إن عشقوا ماتوا، قيل، ومما ذاك؟ قال في نسائنا صباحة، وفي رجالنا عفّة.
قال بعض الحكماء: أول العشق النظر، وأول الحريق الشرر، قيل لأعرابي صف النَّاس، وأوجز، فقال: الناس رجلان بخيل يجدُ، ولا يجود، وجواد يزيد، ولا يجد. فنظم المعنى محمود الوراق:
والنّاس اثنان في زمانك ذالو تلتمس غير هذين رمتا لم تجد
هذا بخيلٌ وعنده سعةٌوذا جوادٌ بغير ذات يدِ
قال حميد بن وهب، كانت هند بنت عتبة عند الفاكه بن المغيرة المخزومي، وكان من فتيان قريش، وكان له بيت للضيافة، تغشاه الناس بغير إذن، فخلا ذلك البيت يوماً، فاضطجع فيه الفاكه وزوجته وقت القائلة.
ثم خرج الفاكه لبعض حاجته، فاقبل رجل تغشاه، فولج البيت، فلما رأى المرأة ولى هارباً، فأبصره الفاكه حين خرج، فأقبل الفاكه فضربها برجله، من الذي كان عندك؟ فقالت: ما رأيت أحداً، ولا انتبهت، حتَّى انبهتني، فقال الحقي بأهلك، وأبيك، وتكلم الناس فيها، فقال أبوها: يا بنية إن الناس قد أكثروا.
فيك القول، فأبيتي بناءك، فإن يك صادقاً، عليك دسست عليه من يقتله، فتنقطع القالة عنك، وإنّ يك كاذباً حاكمته إلى بعض كهان اليمن، فحلفت له بما كانوا يحلفون به في الجاهلية، إنه لكاذب عليها، فقال عتبة للفاكه، إنك رميت ابنتي لأمر عظيم، فحاكمني إلى بعض كهان اليمن، فخرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف، وخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم، وخرجت هند ونسوة معها، فلما شارفوا البلاد.
وقالوا غداً نرد على الكاهن، تنكرت هند، وتغير وجهها، فقال أبوها إني أرى ما بك من تغير الحال، وما ذاك إلا لمكروه عندك. فهلا كان ذلك قبل أن تشهد النّاس مسيرنا، فقالت، والله يا أباه ما لهذا أثر ولكن أنتم تأتوا بشر الخطى، ويصيب، ولا آمنه أن يسمني ميسماً يكون علي وعليكم مسبته بين العرب، قال إني اختبره قبل أن ينظر في أمرك، فصفر لفرسه، حتى أدلى، ثم أخذ حبة حنطة فأدخلها في احليل الفرس، وأوكأ عليها يسير، فلما أصبحوا ودخلوا علي فأكرمهم ونحر لهم.
فلما تغدوا، قال له: عتبة، إنا قد جئناك في أمر، وإني قد خبأت لك خباءً اختبرك به، فانظر ما هو؟ فقال ثمرة في كمرة قال احتاج إلى أبين من هذا قال حبة بر في إحليل مهر قال: صدقت، فانظر في أمر هؤلاء النسوة، فجعل يدنو من احداهن فيضرب كتفها، ويقول: انهضي، حتى دنا من هند فضرب كتفها وقال انهضي غير وسخاء، ولا زانية ولتلدن ملكاً يقال له معاوية، فوثب زوجها الفاكه إليها فأخذ بيدها، فنثرت يدها من يده، وقالت: إليك، فو الله لأحرص أن لا يكون ذلك الولد منك، ولا يكون إلا من غيرك، فتزوجها أبو سفيان فجاءت منه بمعاوية.
قال الأصمعي قدم أعرابي البصرة بشيء كثير من المال، إبل وغنم وصوف، وأقط، فأقام بها، وصلح عليها جسمه، وأحل بالبادية، ثم إنَّه اشتاق إلى أهله وماله بظاهر العلج، فخرج يتنسم الأخبار، فلقيه رجل كان له به فعرفه، فقال الله أكبر، ألست فلاناً؟ قال بلى، قال ألست بي، قال بلى، وبأهلك وبمالك؟ قال الحمد لله، كم عهدك بأرضنا قال كذا وكذا يوماً قال عهد قريب، كيف تركت ابني عثمان قال سيد الحي وزعيمه، ووليه وحميمه، قال الحمد لله، خبرطيبأطاب الله خبرك، وكيف تركت أمه؟ أم عثمان؟ قال عميدة النساء إن كان للنساء عميدة:
ويشتاقها جاراتها فيزرنهاويقعدن عن أبياتهن فتعتذر
قال خبر طيب أطاب الله خبرك، قد كانت لي دويرة بيلوق هناك كنت أنقطع إليها أحياناً فتجمع لي همتي، ويراجعني ذهني فكيف تركتها؟ فقال أعز الدَّويرة تسلني، قال نعم قال تركتها محروسة وبرجال الحي مأنوسة، إنها لمسلاة الأحزان وملتقى الجيران، قال الحمد لله خير أطاب الله خبرك، قال قد كنت اقتنيت نويقة سميتها ضبعان، هل تعرف خبرها؟ قال نعم، إن اُستسقيت سَقَتْ، وإن أُستُنستْ، وإلا فهي في الحي لبعض ولدانهم، وقد تمكث لمكوثاً كثيراً منكراً، فقال خبر طيب أطاب الله خبرك كان هناك لي كلب كنت به ضنياً، وكنت أدعوه ريحان، هل لك به علم؟ قال نعم، يدعو الضيفان، ويذود السرحان، ويؤنس الجيران، ويحرس الأوطان، قال خبر طيب أطال الله خبرك، فأين نزلت؟ قال: بعد ما تبوأت منزلاً فعج علينا قليلاً، فأمتعنا بحديثك.
فحمله إلى منزله واحتفل في إكرامه وسقاه، فلما ثمل مد رجله، فرأى رب مثواه به أثراً، فقال ما هذا الأثر؟ قال إني وطئتعلى كلبك ريحان ميتاً، فعقرني ناب من أنيابه، إنا لله، أمات ريحان؟ قال نعم، قال كيف كان سبب موته؟ قال أكل من لحم نويقتك ضبعان فأكثر فمات. قال: ويحك أماتت ضبعان؟ قال نعم، قال خبرسيء أساء الله خبرك، كيف كان سبب موتها؟ قال كانت تنقل ماء لغير أم عثمان فنهشتها حية في مشافرها، فما أكل منها شيء إلا مات، قال: ويلك، أوماتت أم عثمان؟ قال نعم، قال أماتك الله، ولا أحياك، وما كان سبب موتها؟ قال موت عثمان، قال: فحزنت عليه فانصدعت حرارتها فماتت، قال ويلك أمات ابني؟ قال نعم، قال أماتك الله، ولا أحياك، وأماتك شر ميتة، وكيف مات؟ قال وقعت عليه الدويرة، قال: أوقعك الله فيما يسوءك يا ابن الفاعلة، ووثب عليه ليضربه، فولى هارباً، وهو في أثره فحجز الناس بينهما.
قام رجل إلى الحجَّاج بن يوسف، فقال أيها الأمير إن أبي مات، وأمي حامل بي، وماتت أمي، وأنا أرضع، وكفلتني الرجال، حتى بلغ الله بي ما ترى، وإن ضيعة لي تقوتني غلبني عليها الغالب، والأمين أحق من رد الله ظلامة المظلوم ورد يتظلم الظالم.
فقال الحجَّاج أيموت أبوك وأنت حمل أمك، وأنت رضيع ترضع وكفلتك الرجال، وهذا بيانك عن نفسك، وأخبارك غرامك هو والله أدب الله لا أدب الناس، يا غلام اصرف المؤدبين عن محمد بن الحجَّاج.
قيل إنه حضر يحيى بن أكثم باب المأمون، وجلس ليستأذن، فخرج خادم ظريف مفرط في الصباحة والحسن، كامل الأدب، دمث الأخلاق من مقصورة يريد أخرى، فلما رآه القاضي عجب به وقال (لِمِثْلِ هََذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ).
فقال الخادم: (أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىَ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ).
فأجابه القاضي: (نُرِيدُ أَن نّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشّاهِدِينَ).
فقال الخادم: (لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىَ تُنْفِقُواْ مِمّا تُحِبّونَ).
فقال القاضي: (هََذَا مَا لَدَيّ عَتِيدٌ).
فقال الخادم: (قُضِيَ الأمْرُ الّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ).
فقال القاضي: (مَتَىَ هََذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).
فقال الخادم: (قُلْ عَسَىَ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الّذِي تَسْتَعْجِلُونَ).
وكان يسمعهم شيخ مطبوع، قال: (فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآئِسَ الْفَقِيرَ).
فرفع صاحب الخبر ما جرى للمأمون، فوهب الخادم ليحيى بن أكثم، وأحضر الشيخ وقال: ما قلت، فقال سمعت قوماً يتشاطرون بالقرآن فأجبتهم بما حضرني فوهب له شيئاً وصرفه.
يروى عن النبي ﷺ أنه قال لعائشة:"تنظرين إلى امرأة قد خطبتها" فمضت، فلما نظرتها وجاءت، قالت ما رأيت طائلاً، فقال ﵇: "لقد رأيت طائلاً، ورأيت طائلاً، ورأيت بخدها خالاً اقشعرت له ولحسنه كل شعرة في جسدك" فقال يا رسول الله ما دونك ستر، ولا سر.
أخبرنا أبو طالب عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن يوسف، قال قرىء على أبي الحسين محمد بن الأنبوسي الصيرفي في حانوته بباب درب عون في الجانب الغربي ببغداد عشية يوم الأربعاء ثاني عشر جمادى الأولى في سنة خمس وخمسين وأربعمائة، ونحن حضور نستمع، قيل أخبركم القاضي أبوو الفرج المعافىى بن زكريا يحيى بن حميد الحريري أجازه بخطه في شهر ربيع الأول من سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. قال حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن يسار الأنباري.
قال حدثنا أبو يعقوب بن أبي حسان، قال حدثنا هشام بن عمار، قال حدثنا عيسى بن يونس بن أبي اسحاق الشعبي، قال حدثني هشام بن عروة عن عبد الله بن عروة عن عائشة ﵂ قالت: اجتمهت أربعة نساء من العرب، فتعاهدن، وتعاقدن أن لا يكتمن من أمر أزواجهن شيئاً.
فقالت الأولى: زوجي لحم جمل، غث على رأس جبل، وعر لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينثقل، وقالت الثانية: زوجي لا أبث خبره، إني أخاف أن لا أذره أن أذكر عجره وبجره، وقالت الثالثة: زوجي العشَّنق إن نطق أطلق، وإن سكت أغلق، وقالت الرابعة: زوجي كليل تُهامة، لا حرٌّ، ولا قرٌّ، ولا مخافة، ولا سآمة.
وحسبنا الله ونعم الوكيل، أنجز بحمد الله وعونه وصلواته على خير خلقه محمد وآله وسلم في الثالث من شهر جمادى الآخرة لسنة عشر ومائة على يد أفقر عباد الله ﷾، وأحوجهم إلى عفوه وغفرانه محمد صادق بن عبد السلام بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن رضي الدين بن عبد السلام البيروني غفر الله تعالى لهم وعفى عنهم يمنه وكرمه وهدايته وحله.
عن جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يُعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول:"إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب.
اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري، أو قال في عاجل أمري وآجله، فقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، وقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به، قال، ويسمي حاجته"، رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال يوماً لأصحابه:"أيعجز أحدكم أن يتخذ عند الله عهداً".
قلنا يا رسول الله: وما العهد؟ قال: يقول أحدكم:"اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، اللهم إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا، أنك أنت الله لا إله إلا أنت لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك، اللهم لا تكلني إلى نفسي فأعجز، فإن نفسي تقربني من السيئة، وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهداً تؤديه إليَّ يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد".
فمن قالها كتبت في رق أبيض، ثم يطبع عليها بخاتم من مسك، ثم توضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة، قال الله تعالى: أنا أحق من أوفى بالعهد، إنَّ عبدي عهد إليَّ في دار الدنيا وإني موف بعهده.
ثم يغفر له بذلك العهد، وهو الغفور الرحيم (نقل من مختصر التبصرة)
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع