تجاوز إلى المحتوى

من «كشف الحال في وصف الخال» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

المقدمة الثانية في حقيقة الخال معنى وسبب وجوده في الأبشار وما تدل عليه الفراسة في اختصاصه بمكان

دون غيره.

يعتقد الحكماء أن الخيلان دم ينشق من بعض العروق ويحتبس في مكان يشف الجلد عنه فيرى هنالك شامة، كما يشاهد الخال في من حصل له في جسده رضة، فإن الدم يختنق تحت الجلد، ويرى أياماً كالشامة إلى أن تقوى الطبيعة على دفعه فيتضاءل وتفنى مادته، وفي الشامات يرى أسود، فإن كان الدم محترقاً غلب السواد عليه، كما يحصل لمن لازم الشمس معترضاً لها من دون حائل والأشدية والأضعفية في السواد بحسب الاحتراق، كما في بلاد النوبة والزنج، وألوان أناسيهما لقربهما المفرط من الشمس، وكما في بلاد الهند، ولون أناسيه اعتدال اللون [لاعتدال القرب من الشمس]. ألا ترى بعض الصقالبة من بعدهم عن الشمس، كيف أن لونهم البياض الجصي، وفي الشامات ما يميل سواده إلى الحمرة، فإن كان الدم غير محترق وهو في حالة تشبه الغليان كان اللون مائلاً إلى الحمرة، لأن هذه الحالة قريبة من الاعتدال، فلا جرم [أن] يكون اللون في الجلد أبيض مشرباً بحمرة، وإن كان مخالطة مع الاحتراق رطوبة، كان اللون أخضر، والسواد من السوداء المحترقة، والحمرة من السوداء التي خالطتها الصفراء، والخضرة من السوداء التي خالطها البلغم.

فإن قلت: فما بال الخيلان يكون فيه الشعر وبعضها لا يكون فيه شعر؟ قلت: الجواب أنه إن كان في الدم الذي تكونت منه الخيلان أنجزه دخانية، وكان الجلد معتدل المزاج نبت الشعر في الخيلان، وإنما قلنا ذلك لأن البدن حار رطب، وإذا عملت الحرارة في الرطوبة أثرت أبخرة، والبخار من شأنه الصعود إلى سطح البدن، فإذا حاول البخار الانفصال عن البدن لابد أن يحدث منافذ وأثقاباً وإن كان البخار لطيفاً رطباً انفصل من المسام وتبدد.

وإن كان البخار دخانياً يابساً غليظاً فالجلد إن كان ناعماً مسترخياً كجلود الصبيان لم يتولد فيه، لأنه إذا شق الجلد انفصل منه سريعاً، وعاد الجلد إلى اتصاله كما إذا طبخ النشاء تجد البخار يخرج من موضع الغليان، ثم ينسد الموضع بعد خروجه. وأبين من هذا إخراج السمك رأسه من الماء، شق سطحه، وإذا غاص رجع الماء إلى حاله، وإن كان الجلد يابساً قشفاً كجلود الأشياخ لم يتولد شعر أيضاً، لأن الشعر إذا شق الجلد حفظ اليبس ذلك الثقب، وبقي مفتوحاً فتفرق أجزاء البخار، ولا يجتمع بعضها إلى بعض، وإن كان الجلد معتدلاً من النعومة واليبوسة كما في جلود الشبان، لأن الشعر إذا شق الجلد لا يعود متصلاً كما في النعومة ولا مفتوحاً كثيراً كما في اليبس، فحينئذ يبقى ذلك البخار الدخاني الغليظ في ذلك الثقب ثم لا يزال بخار آخر يدفعه إلى خارج من غير أن ينقلع أصله فلا جرم يبقى بعضه مركوزاً في الجلد بمنزلة أصل النبات في الأرض وبعضه يظهر إلى خارج بمنزلة ساق النبات.

قلت: هذا تعليل حكمي في وجود الخيلان، والصحيح أنها من فعل الفاعل المختار ﵎، لأنها توجد في بعض الأناسي دون بعض، بل في الجسد الواحد في مكان دون غيره، وسائر الآدام صالحة لما علله الحكماء، فبطل ما يدعونه، لأن اختصاص أحد الأمكنة بالخال دون بعض مع الاستواء في سائر الجسد للقابلية دليل على [أن] الباري ﷾ اختار أن يستأثر هذا المكان بهذه النكتة السوداء وهذا شأن الفاعل المختار، لا صانع غيره، وإذا عرفت هذا فأقول: إن أرباب الفراسة لهم كلام [في] الخيلان واختصاصها بمكان في الجسد دون غيره، واستبدل بعضهم على صحة هذا العلم بقوله: (إن في ذلك آيات للمتوسمين) ولقوله ﷺ: "أتقوا فراسة المؤمن" الحديث، ويقول الشاعر

فانظر إلى كفي وأسرارهاهل أنت إن أوعدتني صابر

وقد اخترت لذلك ما هو من كلام أبقراط في "دلائل الخلان" قال: من كان على رأس أرنبة أنفه شامة لم يلد، ومن كان برأس فرطوسه، "وهو وسط شفته العليا" شامة كان محباً لإتيان الذكور، ولم يكن يأتيه من النساء ولد. ومن كان في جبهته فوق إحدى حاجبيه شامة كان محظوظاً من النساء، ومن كان له شامة في منبت الشعر من أعالي الحاجبين كان شبقاً محظوظاً من الناس، ومن كان على إحدى جانبي أنفه في القصبة شامة كالعدسة كان شبقاً محبوباً من النساء ومن كان على وجنته اليمين شامة كالترمسة كان شحيحاً ناقص الحظ من أهله ومن كان على وجنته اليسرى شامة كان كداحاً شقياً، ومن كان على إحدى أذنيه من ورائها شامة كان مبذراً سيء التدبير، ومن كان على جانبي عنقه شامة كان تقياً وفياً، ومن كان على حلقومه شامة كان موسيقاراً محباً للطرب، ومن كان على كتفه، أو من قبل وجهه شامة أو خيلان كان ذا حظ وسعة، ومن كان على رأس كتفه، الأيمن شامة مشعرة كان عاملاً، أو والياً، أو ذا وجاهة. ومن كان بين كتفيه شامة أو خيلان كالرز محمر اللون كان سعيداً، أو ملكاً كبيراً، ومن كان على صدره شامة، أو شامات كان وحيداً في أفعاله، ولا يقتدى بغيره. ومن كان على ثديه الأيمن أو الأيسر شامة كان صديقاً لمن صادقه ومحباً له. ومن كان على سرته شامة أو أكثر، كان نكاحاً شديد الشهوة. ومن كان على سرته شامة أو أكثر، كان نكاحاً شديد الشهوة. ومن كان على بطنه شامة كان شبقاً محباً للنساء، ومن كان على منبت عانته شامة يكون له أولاد ذكور كثيرون، ومن كان على إحدى بيضتيه شامة كان محظوظاٌ من النساء ويولد له بناة كثيرة، ومن كان على إحدى جانبي ذكره شامة كان شبقاً شديد الغلمة، ومن كان على إحدى عضديه أو زندية شامة كان سفاراً مرزوقاً في الأسفار، ومن كان على ظاهر كفيه شامة كان تعباً مهدوراً ومن كان على إحدى أصابع يديه أو شامات كان رديء الحظ ممقوتاً سيء الأخلاق، ومن كان على فخذه الأيمن شامه كان رئيساٌ في نفسه عظيماٌ من العظماء، ومن كان على فخذه ومن كان على فخذه الأيسر شامة كان سعيداً في الأسفار، ومن كان على صلبه شامة خضراء كان محبوباً إلى العلماء محظوظا منهم، ومن كان على إحدى إليتيه خيلان أو شامة كان شديد الشهوة منقلبها، ومن كان على إحدى ركبتيه شامة كان سلطاناً على المشي صبوراً على الأشياء. ومن كان على ساقيه في بطونهما شامة كان تعساً ضنك المعيشة والعيشة، ومن كانت له شامة على قدميه كان شقياً معتراً، ومن كان بوجهه شامات كثيرة العدد كان ذلك من تغلب السوداء، وكان كارهاً للنساء، قليل الإلف للناس، ومن كانت له شامة بقدر الحمصة سوداء أو خضراء في وسط ظهره على السلسلة نال أموالاً جزيلة إرثاً ومن غيره. وهذا جملة ما وجدته من كلام أبقراط في هذا الفن والله أعلم بالصواب.

وأحسن الخيلان ما زان الوجه، وأحسن ما في الوجه مكان البلج بين الحاجبين وهو قليل، والخدود. وأحسن ما في الخدود الخد الأيمن صحنه، وهو وسطه، وما كان في وسط الحنك، وما دار حول الفم، وأحسنه ما كان في وسط الشفة العليا، ثم ما كان في الأصداغ، ثم ما كان في صفحة العنق، ثم ما كان في الصدر، في مجال القلائد، ثم ما كان قريباً من السرة، وما كان على ظاهر الكف، ثم على الساعد، وأحسنه ما كان في الجانب الأيسر، ثم في الجانب الوحشي، ثم ما كان على الأرداف، ثم ما كان على الأفخاذ، ثم ما كان في بطون الساقات، ثم ما كان على ظاهر القدم في وسطه.

ولا يليق بالأنف سيء من الخيلان وكذلك الأذن وكذلك الأجفان، وليس الخال في الجبهة بقبيح خصوصاً إذا كان متوسطاً، وأحسن الخيلان ما كان مائلاً إلى السواد أو الخضرة، وهو على الجسم النقي البياض المشرب بحمرة وأحسنها ما خلا من الشعر، فإن كان الشعر في شيء منها فأليقه ما كان بقرب السوالف، وأحسن الشعر ما كان دون الثلاث بطول، وإذا كانت الشعرات كثيرة قصيرة فلا وأحسن أشكال الخيلان ما استدار، وكان مثل العدسة فما فوقها إلى فلقة الحمصة، ولا يكون زائد النفور عن البدن، يعني سطح الجسم، ولا يستحسن كبر الخال إذا كان في الوجه في صحن الخد، فأما إذا كان في العنق فيستحسن كبره، ولاسيما إذا كان [في] الصدر، وما دون ذلك إلى القدم، ولا يستحسن كثرة الخيلان.

قال ابن سناء الملك:

والخد بهجته بخال واحدويقل فيه بكثرة الخيلان
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «يا طرف من فتن الأنام بفتنة»

وقد يزيد عل الواحدة ويستحسن في الموضع، كما إذا كانت الشامات على وضع النسر الواقع في النجوم، وهي على هيئة الأثافي كشكل مثلث متناسب الأوضاع، أو يكون على هيئة النسر الطائر، كمنطقة الجوزاء، وهي خيط مستقيم ذو ثلاث نقط متساوية البعد، فإذا كانت متناسبة المقادير كانت غاية في الحسن. وهذا كله تعنت ممن لم يكن عنده هوى ولا ميل، لأن المحب لا يرى شيئاً أحسن عنده من الصورة التي مال إليها وعلق بها على أي حال وجدة، وعلى أي وضع كانت.

قال الشاعر:

وكم في الناس من حسن ولكنعليك لشقوتي وقع اختياري
للشاعر محمود قابادو، من قصيدة «وقى الله الجوانح حر نار»

وهذا الشاعر أنصف في القول، لأنه اعترف بأن غير محبوبه أحسن منه مع الكره، ولكن مال مع هوى نفسه إليه، وأما غيره فإنه تغالى وبالغ وادعى أنه ظفر بمحبوب هو الغاية التي لا مزيد عليها في الحسن والجمال.

وقال أبو نواس:

تركت والحسن يأخذهيتخفى منه وينتخب
فأنتقت منه طرائفهواستزادت فضل ما يهب

وكان أبو نواس متسلقاً على هذا المعنى، أخذه من قول بشار الشاعر حيث يقول:

خلقت على ما في غير مخيرهواي ولو خيرت كنت المهذبا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «خليلي قوما فاعذرا أو تعتبا»

ثم تناوله أبو تمام الطائي فأخفاه فقال:

ولو صورت نفسك لم تزدهاعلى ما فيك من كرم الطباع

وبشار وغيره أخذ أصل هذا المعنى من قول عبد الله بن مصعب:

كأنك جئت محتكماً عليهمتخير في الأبوة ما تشاء
للشاعر مصعب بن عبد الله الزبيري، اقرأ القصيدة

فأخذه أبو الطيب فقصر عنه لما قال:

حبيب كأن الحسن يحبهفأثره أو جار في الحب قاسمه

وما أحسن قول مهيار الديلمي حيث يقول:

وكأنما وليت خطائط وجهها يدهافجاءت في الجمال كما اشتهت
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أهفو لعلوي الرياح إذا جرت»
أخذت وأعطت من ضياء الشمس مااحتكمت فجمعت الجمال وفرقت
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أهفو لعلوي الرياح إذا جرت»
ملكت على بانات جو أمرهافلها الإمارة ما استقامت واثنت
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أهفو لعلوي الرياح إذا جرت»
فإذا أرادت بالقضيب مساءةوتنقمت جرماً عليه تأودت
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أهفو لعلويَّ الرياح إذا جرتْ»

قلت "أنا" والعياذ بالله في هذه المادة:

تعيب العاذلات وذاك جهلمحياك الذي بهر النواحي
وما أعوذت شيئاً من جمالكأنك خلقت على اقتراحي

وقلت أيضاً:

مليح حلا في كل قلب وناظروكل ضمير نحوه يتلفت
أتى باختلافات المنى في جمالهفما فيه ما يستدرك المتعنت

وقد اختلف الشعراء في تشبيه الخال، وأنا أذكر الآن ما يجود منه التشبيه في ذلك الواقع بحيث الإمكان، فأقول:

يجوز أن يشبه بنقطة كنون الحاجب " وفيه تسامح"، وبنقطة غالية على تفاحة وبنقطة انحدرت من كحا الجفون، وبكوكب كسف، وقطعة عنبر في مجمرة أو ند أو مسك، وأثر شرارة في ثوب أطلس أحمر، أو بجينات يحرسن حديقة الورد وبنكتة الشقيق، وبملك الزنج في حلة حمراء، وبراهب تعبد، وببلبل في سياج العذار، وبحبة القلب قد وقعت في نار الخد، وبالحجر الأسود في كعبة الوجه الحسن، وببلال يؤذن في صحن الفم، وأكرة يلقفها صولجان العذرا، وبختام مسك المدام الرائق، وبذبابة وقعت على شهد الريق، وبمجرم في النار، وهندي تعبد فألقى نفسه في النار.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «كشف الحال في وصف الخال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.