تجاوز إلى المحتوى

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

خطبة الكتاب

﷽

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

العظمة لك، والكبرياء لجلالك، اللهم يا قائم الذات ويا مفيض الخيرات، واجب الوجود، وواهب العقول، وفاطر الأرض والسموات، مبدئ الحركة والزمان، ومبدع الخير والمكان، فاعل الأرواح والأشباح وجاعل النور والظلمات، محرك الأفلاك ومزينها بالثوابت والسيارات، ومقر الأرض وممهدها لأنواع الحيوان وأصناف المعادن والنبات، دام حمدك وجل ثناؤك وتعالى ذكرك وتقدست أسماؤك، لا إله إلا أنت وسعت رحمتك وكثرت آلاؤك ونعماؤك، أفض علينا أنوار معرفتك، وطهر قلوبنا عن كدورات معصيتك، وأمطر علينا سحائب فضلك ومرحمتك، واضرب علينا سرادقات عفوك ومغفرتك، وأدخلنا في حفظ عنايتك ومكرمتك، وصل على ذوي الأنفس الطاهرات، والمعجزات الباهرات، خصوصا على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين «محمد» بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، الذي اخترته للنبوة وآدم بين الماء والطين، وأرسلته رحمة للعاملين، أيدته بنصرك وبالمؤمنين، وختمت به الأنبياء والمرسلين، وعلى إخوانه من النبيين والصالحين وآله وصحبه أجمعين.

يقول العبد الأصغر زكريا بن محمد بن محمود القزويني تولاه الله بفضله، وهو من أولاد بعض الفقهاء الذين كانوا موطنين بمدينة قزوين وينتهي نسبه إلى أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ: لما حكم الله تعالى ببعد الدار والوطن ومفارقة الأهل والسكن، أقبلت على مطالعة الكتب على رأي من قال: «وخير جليس في الزمان كتابي» وكنت مستغرقا بالنظر في عجائب صنع الله تعالى في مصنوعاته، وغرائب إبداعه في مبتدعاته، كما أرشد الله سبحانه إليه حيث قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] ليس المراد من النظر تقليب الحدقة نحوها فإن البهائم تشارك الإنسان فيه. ومن لم ير من السماء إلا زرقتها، ومن الأرض إلا غبرتها فهو مشارك للبهائم في ذلك، وأدنى حالا منها وأرشد غفلة كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ إلى أن قال ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] والمراد من هذا النظر التفكير في المعقولات، والنظر في المحسوسات والبحث عن حكمتها وتصاريفها ليظهر له حقائقها، فإنها سبب اللذات الدنيوية والسعادات الأخروية؛ لهذا قال ﷺ: «اللهم أرني الأشياء كما هي»، وكلما أمعن النظر فيها

ازداد من الله تعالى هداية ويقينا ونورا وتحقيقا، ولهذا قال ﷺ: «تفكروا في خلق الله»، والفكر في المعقولات لا يتأتى إلا لمن له خبرة بالعلوم والرياضيات بعد تحسين الأخلاق وتهذيب النفس، فعند ذلك ينفتح له عين البصيرة ويرى في كل شيء من العجب ما يعجز عن إدراك بعضها، فلو ذكر طرفا منها لغيره لأنكره، ولله در القائل:

إني سمعت عجيبا كنت أحسبهطيفا من النوم أو هجرا من السمر
لما ألفت به ألفيت صحتهوقد رأيت ألوفا مثل ذا العبر

ومن هذا القبيل ما أخبر الله تعالى في كتابه عما جرى بين الخضر وموسى عليهما الصلاة والسلام وما ذكر أيضا أن موسى اجتاز بعين ماء في سفح جبل فتوضأ ثم ارتقى الجبل ليصلي إذ أقبل فارس وشرب من ماء العين وترك عندها كيسا فيه دراهم فجاء بعده راعي غنم فرأى الكيس فأخذه ومضى ثم جاء بعده شيخ عليه أثر البؤس والمسكنة، على ظهره حزمة حطب فحط حزمته هناك واستلقى ليستريح فما كان إلا قليل حتى عاد الفارس يطلب كيسه فلما لم يجده أقبل على الشيخ يطالبه به، فلم يزل يضربه حتى قتله فقال موسى: يا رب كيف العدل في هذه الأمور؟ فأوحى الله ﷿ إليه: إن الشيخ كان قد قتل أبا الفارس وكان على أبي الفارس دين لأبي الراعي مقدار ما في الكيس؛ فجرى بينهما القصاص وقضى الدين وأنا حكيم عادل.

ولقد حصل لي بطريق السمع والبصر والفكر والنظر حكم عجيبة وخواص غريبة فأحببت أن أقيدها لتثبت، وكرهت الذهول عنها مخافة أن تفلت، وقد كثرت على عواطف المولى الصاحب الصدر الكبير العادل المؤيد المظفر، شمس الدولة ظهير الملة علاء الدين عماد الإسلام نظام الملك غياث الأمة عطاء الملك بن محمد بن محمد، ضاعف الله جلاله وأدام في العز العلاء إقباله، فإنه مع شريف منزلته على مرتبته مشهور بالكرم والإحسان، مذكور لوفور الفضل عن أهل الزمان، وقد خصه الله تعالى بمكارم الأخلاق وفضائل الحسب والمجد الموروث والمجد المكتسب، فخدمت بهذا الكتاب مجلسه الرفيع أدام الله رفعه وكبت أعداءه وحسدته فإنه منبع الخيرات ومعدن المسرات، شكرا لأياديه السابقة؛ وقضاء لحقوقه اللاحقة ورجاء أن يتخلد اسمى بتخليد ذكره الشريف، ويتأيد وسمى بتأيد عزه المنيف، والله ولي التوفيق وعلى ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.