من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
المقالة الأولى: في العلويات
والنظر فيها في أمور
(النظر الأول: في حقيقة الأفلاك وأشكالها وأوضاعها وحركاتها بطريق الإجمال) ذهب الحكماء إلى أن الفلك جسم كروي مشتمل على الوسط متحرك عليه ليس بخفيف ولا ثقيل ولا بارد ولا حار ولا رطب ولا يابس ولا قابل للخرق ولا للالتئام، ولهم على ذلك أدلة مذكورة في الكتب الحكمية، وكتابنا هذا ليس بصددها، والأفلاك كرات محيطة بعضها ببعض حتى حصلت من جملتها كرة واحدة يقال لها: العالم، وأدناها إلى العناصر فلك القمر، ثم فلك عطارد، ثم فلك الزهرة، ثم فلك الشمس، ثم فلك المريخ، ثم فلك المشترى، ثم فلك زحل، ثم فلك الثوابت، ثم فلك الأفلاك.
واعلم أن لكل فلك مكانا لا ينتقل عنه، لكنه متحرك فيه بأجرامه لا يقف طرفة عين، وسرعة حركاتها أسرع من كل شيء شاهده الإنسان حتى صح في الهندسة أن الفرس في حالة الركض الشديد من الوقت الذي رفع يديه إلى أن يضعها يتحرك الفلك الأعظم بثلاثة آلاف فرسخ، ثم إن من الأفلاك ما يتحرك من المشرق إلى المغرب؛ كالفلك الأعظم، ومنها ما يتحرك من المغرب إلى المشرق؛ كفلك الثوابت وأفلاك السيارات، ومنها ما يتحرك بالنسبة إلينا دولابية، ومنها ما يتحرك حمائلية، ومنها ما يتحرك رحوية، ومنها ما يشمل على الوسط ولكن ليس
مركزه مركز العالم كالأفلاك التسعة، ومنها ما يشتمل على الوسط لكن ليس مركزه مركز العالم كخارج المراكز، ومنها ما ليس مشتملا على الوسط كأفلاك التداوير، وسيأتي شرحها إن شاء الله تعالى.
ومن الأفلاك ما لم يعرف له إلا كوكب واحد كأفلاك السيارات، ومنها ما لم يعلم عدد كواكبها إلا الله تعالى كفلك الثوابت، ومنها ما ليس له كوكب أصلا في العالم بحسب ما عرف من آراء المتقدمين وأصحاب الأرصاد ولا سيّما بطليموس؛ فإن اعتماد القوم على رصده خمس وأربعون حركة للفلك الأعظم، وحركة لفلك الثوابت، وثمان عشرة حركة لأفلاك الكواكب العلوية لكل واحد منها ست حركات، وحركتان لفلك الشمس، وست حركات لفلك الزهرة، وتسع حركات لفلك عطارد، وست حركات لفلك القمر، وحركتان لما دون فلك القمر وهما حركتا الثقل والخفة، وهذا ما بلغ إليه فهم العقلاء وذهن الأذكياء، والله هو الموفق.
(النظر الثاني) في نظرية القمر وهو يحده سطحان كرويان متوازيان مركزهما مركز العالم:
السطح الأعلى منهما لمقعر فلك عطارد، والأدنى لمحدب كرة النار ويتم دورته في كل ثمانية وعشرين يوما بحركته التي تختص به من المغرب إلى المشرق، وفلك تدويره يدور في الفلك الحاوي في كل أربعة عشر يوما مرة، ففي الدورة الأولى يكون القمر بوجهه الممتلئ إلى مركز الأرض، ثم إن فلكه الكلي ينقسم إلى أربعة أفلاك: ثلاثة منها شاملة للأرض، وواحد صغير غير شامل أما الشاملة فالأول منها: يسمى فلك الجوزهر وهو الذي يماس السطح الأعلى منه السطح الأدنى من فلك عطارد، والثاني منها: يماس السطح الأعلى منه مقعر فلك الجوزهر والثالث منها:
فلك خارج المركز في الفلك المائل من مركزه خارج عن مركز العالم مائل إلى جنب من الفلك الكلي بحيث يماس مقعر سطحية السطح الأدنى من الفلك الكلي على نقطة مشتركة بينهما، ويسمى الأوج، ويماس مقعر سطحيه السطح الأدنى من الفلك الكلي على نقطة مشتركة بينهما، ويسمى الحضيض فيحصل سطحان مختلفا الثخن: أحدهما: حاو للفلك الخارج. والآخر: محوي فيه.
ورقة الحاوي مما يلي الأوج، وغلظه مما يلي الحضيض، ورقة المحوي وغلظه بالعكس، ويقال لكل واحد منهما: المتمم. أما الفلك الصغير فهو في ثخن الفلك الخارج المركز، يقال له:
فلك التدوير والقمر مركوز فيه يتحرك بحركته وحركة هذا الفلك حركة مختصة به، مغايرة لحركة الفلك الكلي، وزعموا أن ثخن فلك القمر وهو بعد ما بين سطحه الأعلى وسطحه الأدنى مائة ألف وثمانية عشر ألفا وستة وستون ميلا، وبطليموس قد ذكر ثخن الأفلاك ومقادير أجرام الكواكب ودوائرها وأقطارها، ولا تستصعبن ذلك فإنه لا يصعب إلا على من لا دراية له بعلم الهندسة، وأما من حل الثانية من إقليدس فيسهل عليه ذلك إن كان فطنا.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع