من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
النوع الأول: الدماغ
وهو جسم لدن محوى في غشاءين منبع للروح النفساني ومنه ينبعث في الأعصاب إلى سائر البدن، ولما كان جوهر الدماغ شديد اللين اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون في غشاء رقيق وهي الأم لتحفظه وتكون وقاية له، ثم خلق بين القحف والدماغ غشاء غليظا يلاقي القحف من داخل يكون كالبطانة لها ويكون هذا الغشاء وقاية للدماغ من الأشياء الغريبة ولما كان جوهر الدماغ لينا سريع الانفعال من أدنى سبب خلق له حصن صلب من العظم وهو القحف وجعل بعيدا منه ليدفع الآفات عنه وجعل خريطة للدماغ معلقة من القحف غير ملاقية له؛ لأنها لو كانت ملاقية والقحف صلب يصادمه دائما فينضغط عنه وكان دائم النكاية وللدماغ ثلاثة بطون وكل بطن في عرضه ذا جزءين، أما البطن المقدم فهو محسوس الانفصال ينقسم إلى جزءين عظيمين يمنة ويسرة، وهذا الجزء يعين على الاستنشاق وعلى نفض الفضول والعطاس، وأما البطن المؤخر فهو أيضا، وهو مبدأ النخاع لكنه أصغر من البطن المقدم، وأما البطن الأوسط فإنه كمنفذ من الجزء المقدم إلى الجزء المؤخر وكدهيلز مضروب بينهما يؤدي عن التصور إلى الحفظ فلما كان كذلك كان أحسن موضع للتفكر والتذكر فالحكمة الإلهية اقتضت أن يكون مقدم
الدماغ في غاية اللين؛ لأن ظاهره منشأ شعب الحواس، وباطنه محل التخيل والإحساس، ولين الموضع مناسب لهما للانطباع وسرعة القبول، وأن يكون مؤخر الدماغ أطلب من المقدم؛ لأن ظاهره منشأ الشعبة العظيمة التي هي النخاع، وباطنه موضع الحفظ والصلابة مناسبة لهما، فسبحان من أتقن كل شيء خلقه وهو اللطيف لما يشاء، والله الموفق.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع