من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
النوع السادس: الظهر
ولما كان الظهر غائبا عن الحاسة اقتضى التدبير الإلهي إحكامه وتوثيقه بعظام صلبة ذات سناسن وأجنحة ووقاية للآلات الشريفة التي وراءه كالرئة والقلب والمعدة وخلق فقاره كالقاعدة لسائر العظام كالخشبة التي تهيأ أولا ثم يربط بها سائر خشب السفينة ثانيا، فإن عظام الفص والأصابع والرأس واليدين والرجلين كلها مربوطة بها، وخلقت خرزات للإنحناء ولكون النخاع في وسطها والحاجة إلى حفظ النخاع ماسة وخلق لكل فقرة شوكة ثابتة إلى الجانب الوحشي وجناحان عن يمينها ويسارها وربطت برباطات عصبية وغشيت بالجوهر الغضروفي، يقال لهذه الشوكات السناسن، وإنما خلقت لتكون خشبة بارزة تلقاها الآفات الهاجمة من خارج فتصيبها النكاية، وتسلم الخرزات وإنما غشاها بالغضروف لئلا تنكسر عند مصادمة الأشياء بالصلبة.
وأما الرباطات العصبية ليربط بعضها ببعض رباطا وثيقا فتصير كالشيء الواحد، وأما الأجنحة فتكون مدخلا لرءوس الأضلاع فيها ووقاية للخرزات من جوانبها كما أن السناسن وقاية من ورائها، وإنما خلقت خرزات ليسلم الباقي إن أصابت الآفة شيئا منها ولما كان انحناء البدن إلى قدام أكثر من انحنائه إلى خلف جعل السناسن والربط بمن خلف ليكون قدامها أسلس للحركة فصار جملة الصلب كشيء واحد مخصوص بأفضل الأشكال وهو المستدير لأنه أبعد الأشكال عن قبول الآفات وتعطفت رءوس الخرزات العالية إلى أسفل والسافلة إلى أعلى، واجتمعت العاشرة وهي الواسطة ذات فقرة لا بارز لها وجعلت الفم الفوقانية والسفلانية متوجهة إليها؛ لأن الإنسان يحتاج إلى الانحناء وذلك بأن تميل الواسطة إلى ضد الجهة وما فوقها وما تحتها إلى الجهة؛ لأن طرفي الصلب يميلان إلى الالتقاء والواسطة تميل إلى خلاف جهة ميل الطرفين كانحناء القوس عند المد، ولما كان الواجب أن يعم الحس الظاهر جميع البدن وجب أن يصل إليها شعب العصب، ولم يمكن إيصال عصب الدماغ إليها لبعد ما بين هذه الأعضاء والدماغ ودقة أعصابه فإن حجم الدماغ لا يحتمل أعصابا قوية تصل إلى جميع أعضاء البدن فاقتضت الحكمة الإلهية إخراج شعبة قوية من مؤخر الدماغ في طول البدن وهو النخاع، وأحاط به عظام الفقرات ليحفظ النخاع بصلابتها، وأخرج من النخاع في كل موضع يحتاج إلى التحريك والإحساس عصبا يتصل به والقطن مع العجز كالقاعدة الصلب وهو دعامة وحامل لعظم العانة ومنبت لأعصاب الرجل.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع