تجاوز إلى المحتوى

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

النوع الثالث: القلب

وهو جسم صنوبري الشكل، لحمي الجوهر، له جوف يحوي الدم، والروح الحيواني ينشأ منه وينصب في الشرايين إلى سائر البدن، ولحمه قوي لئلا يتناثر من المؤذيات، وأعلاه غليظ لأنه منبت الشرايين، وأسفله مستدق ليبعد عن عظام الصدر من جهاته، وله غلاف يسمى الشغاف، خلق لوقايته؛ لأنه منبع الروح الحيواني ولهذا وضع في وسط البدن في موضع حصين مثل نتوء من عظام الصدر والظهر والأضلاع، وجعل هذا الحصن متجافيا عنه ليفيد الوقاية من غير مماسة، ولما كان محتاجا إلى الدم أنضجه الكبد ورققه ولطفه وأسخنه ليفيد قوة الحياة جعل في القلب تجويف يرد إليه الدم من الكبد ويستقر فيه حتى يتغذى منه هو، ويغذي غيره، ولما كان القلب محتاجا إلى الغذاء كسائر الأعضاء، وجب أن يرد إليه الغذاء من الكبد، فخرج من جذبة الكبد عرق عظيم ودخل في تجويف القلب من الجانب الأيمن ليملأ ما يتغذى منه القلب، والباقي يسري في الشرايين إلى البدن، ولما كان القلب محتاجا إلى الإحساس بالمؤذي خلق له شعبة دقيقة متصلة بالغشاء الذي على القلب منشؤها من الدماغ لفائدتين: الأولى: للأحساس بالمؤذي بواسطة الغشاء، والأخرى: أن القلب معدن القوة الحيوانية وهذه القوة تنفعل بالأفعال النفسانية كالغضب والخوف والسرور، فهذه أفعال أسبابها أمور خارجة عن البدن، فالحواس تدركها وتؤديها إلى النفس فيصل آثارها إلى القلب فينفعل بالانفعالات التي تبتغي، فوجب أن يكون بين الدماغ والقلب اتصال، فجعل الشعبة الواصلة من الدماغ مثبوتة في جميع جرم القلب، لتتم الفوائد التي ذكرناها، والله أعلم.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.