تجاوز إلى المحتوى

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

(أما القسم الأول) هو الغريزة

فالتفاوت فيه لا سبيل إلى جحده فإنه مثل نور يشرق على النفس، ومبادئ إشراقه عند سن التمييز ثم لا يزال ينمو إلى تمام الأربعين، وقد شاهدنا الناس في ذلك مختلفين في فهم العلوم وانقسامهم إلى ذكي وبليد، ومغفل ويقظ وقد روي عن رسول الله ﷺ في حديث طويل آخره قال الله تعالى: «إني خلقت العقل من أصناف شتى كعدد الرمل فمن الناس من أعطي حبة ومنهم من أعطي حبتين ومنهم الثلاث والأربع ومنهم من أعطي فرقا ومنهم من أعطي وسقا ومنهم من أعطي أكثر من ذلك».

(ومن الحكايات) العجيبة ما يحكى أن بعض الأطباء دخل على مريض وجس نبضه، وشاهد تعسره فقال له لعلك تناولت شيئا من الفواكه؟ قال المريض: نعم، قال الطبيب: لا ترجع تأكل فإنها تضرك. ثم دخل عليه في اليوم الثاني ورأى النبض والتفسرة فقال: لعلك أكلت لحم فروج؟ قال المريض: نعم، قال الطبيب: لا ترجع تأكله فإنه يضر. فتعجب الناس من حذق الطبيب وكان للطبيب ابن فقال له: يا أبت كيف عرفت تناوله الفاكهة والفروج؟ قال: يا بني ما

عرفت ذلك بالطب وحده بل بالطب والفراسة فقال له كيف عرفت بالفراسة؟ قاله له إني لما دخلت دار المريض رأيت على سطح الدار سقاطات الفواكه، ثم رأيت في وجه المريض انتفاخا وفي النبض لينا وفي التفسرة غلظا وفجاجة، وعلمت أن الفاكهة إذا حضرت عند المريض لا يصبر عنها، فظهر لي من هذه الشواهد أنه تناول الفاكهة وما جزمت بها، بل قلت: لعلك أكلت، وفي اليوم الثاني: رأيت على باب الدار ريش الفروج وفي النبض امتلاء وفي الرسوب غلظ فعرفت أن الفروج لا يأكله إلا المريض غالبا فظهره بهذه الشواهد وما جزمت به بل قلت: لعلك فعلت هذا، فسمع ابنه هذا الكلام فأحب أن يسلك مسلك أبيه، فدخل على مريض وجس نبضه وشاهد تفسرته فقال له: لعلك أكلت لحم حمار فقال المريض: حاشا وكلا كيف يؤكل لحم الحمار أيها الطبيب، فخجل ابن الطبيب وخرج فانتهى ذلك إلى أبيه، فأحضره وسأله كيف عرفت أنه أكل لحم الحمار فقال: لأني رأيت في دارهم برذعة فعلمت أنها لا تكون إلا للحمار ثم قلت: لو كان الحمار حيا لكانت برذعته عليه وإذا لم يكن حيا فإنهم ذبحوه وأكلوه، فقال أبوه: لو كان شيء من هذه المقامات صحيحا، لرجوت فيك النجابة، ولكن المقدمات كلها فاسدة، وطمع النجابة فيك محال، ونعم ما قال: فلا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع.

(وحكي) أن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه: كان جالسا يذكر الدروس فدخل عليه شخص ذو هيئة فلما بدأ قال لأصحابه: تثبتوا كيلا يأخذ عليكم هذا الرجل شيئا، فلما جلس وأبو حنيفة رحمة الله عليه يذكر أوقات الصلاة قال: أما الصبح فوقته من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس زال وقتها، فقال ذلك الرجل: فإن طلعت الشمس قبل الفجر كيف يكون حكمها؟ فالتفت أبو حنيفة إلى أصحابه وقال: كونوا كما شئتم فإن الأمر على خلاف ما حسبنا.

(وحكي) أن معاوية بن مروان ضاع له باز فقال أغلقوا باب المدينة كيلا يخرج.

(وحكي) أن الوزير أبا السعادات خطأ الفرس تحته فأمر بقطع قضيبه فقيل له في ذلك، فقال أعطوه، ولكن لا تعرفوه أني علمت ذلك.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.