من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
القسم الرابع
انتهاء القوة الغريزية إلى حد يعرف به عواقب الأمور ويقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة، لأجل سلامة العاقبة، ولا يخفى اختلاف الناس فيه فإن إقدام الشبان على المعاصي، أكثر من إقدام المشايخ وكذلك إقدام العلماء أقل من إقدام العوام لقوة علمهم بضرر المعاصي كما ترى أن الأطباء أقدر على الاحتماء من غيرهم.
(وحكي) أن بعض الملوك كان يتخذ كل سنة وزيرا، فإذا تمت السنة عزله وبعثه إلى جزيرة واستوزر غيره إلى أن يتخذ وزيرا عاقلا، فلما ولي بعث إلى تلك الجزيرة وبني بها دارا لنفسه ونقل إليها ما كان له من الأموال فلما تمت السنة لم يعزله الملك بل أقره على حاله فسئل الملك عن ذلك فقال:
اعلموا أني كنت محتاجا إلى وزير عاقل ينظر في العواقب فما وجدت إلا من يراعي الحال ولا ينظر في العواقب فكرهت أن أعجل عزله فصبرت على سوء تدبيره سنة فلما عزلته كرهت اختلاطه بالناس وهو مطلع على أسرار ملكي فبعثته إلى الجزيرة، وأما هذا الرجل فوجدته مراعيا للعواقب في جميع أموره، فلست أستبدل به مادام هذا تدبيره والله الموفق للصواب بمنه وكرمه.
خواص أجزائه
أما خواصه فكثير منها النطق وهو القوة التي يعرف بها الإنسان ما في ضمير غيره بواسطة رمز أو إشارة أو كناية والكلام أقوى الدلالات منها ومنها قوة التعجب وهي التي توجب الضحك عند رؤية ما يتعجب منه ذلك من خاصة الإنسان دون غيره من سائر الحيوانات، ومنها نبات الشعر على رأسه بخلاف سائر الحيوان؛ لأن الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون شعر الحيوانات كسوتها ووقايتها من الحر والبرد، وأما الإنسان فلما كانت كسوته من خارج جعل شعره على رأسه ليكون زينة ووقاية وخلق الإنسان أزعر إذ لو كان أزغب لبطل الجمال وحاسة اللمس.
(ومنها) الشيب فإنه لا يوجد إلا في الإنسان وسببه أن الإنسان أضعف حرارة وأكثر رطوبة، وبياض الشعر إنما يكون من بلغم متعفن ولهذا لا يوجد إلا عند تغير المزاج إلى الرطوبة في آخر سن الكهولة عند قصور الحرارة وكثرة الرطوبة، فيحدث بخار متروح متعفن يتولد منه شعر أبيض.
(ومنها) أنه إذا لمس العضو الوجع بالكف خف وجعه، وكذلك إذا أصابه ضربة أو خدشة يمسكها بكفه فيسكن في الحال.
(ومنها) سراية بعض الأمراض زعموا أن من أدام النظر إلى العين الرمدة ترمد عينه، ومن خالط الأجرب والأبرص والمجذوم يحل به مثله.
(ومنها) أن الأبرص إذا مشى حافيا على الأرض لا ينبت موضع قدمه.
(ومنها) أن الإنسان إذا خصي يضعف بدنه بخلاف كثير من الحيوانات وينتن ريحه ويتغير رأيه وتكثر شهوة أكله، وتطول عظامه وتعوج أصابعه وتقوي شهوة جماعه ويحتلم كثيرا ويطول عمره ويقل شعر بدنه ويصير صوته حادا دقيقا. ومن عجيب ما يعرض للخصيان سرعة الغضب والرضا وضيق الصدر عن كتمان السر وحب اللعب بالشطرنج.
(ومنها) أن الأعمى يصير أكثر الناس نكاحا، كما أن الخصي يصير أصح الناس إبصارا فإنهما طرفان ما نقص من أحدهما زاد في الآخر، فازداد العميان إما قوة الفهم أو الحفظ أو النكاح.
(ومنها) أن الحائض إذا كشفت عن سرتها انقشع السحاب، وإذا استقلت في الأرض يخاف عليها البرد سلمت من ضره، وإذا دنت من الرياض والأشجار فسدت وإذا مرت في المقثأة تصير القثاء مرة، وإذا نظرت في المرآة تكدرتو وإذا وطئها الرجل يصير بليدا، وينقص من نشاطه وطراوته وحسنه، وإذا مست المصروع سكن صرعه وإذا وطئت سلخ الحية ماتت تلك الحية، وإذا رعت الغنم لم يقربها الذئب ولو دنا منها يوجع بطنه، وخرقة حيضها إذا شدت على مؤخر السفينة تأمن من الرياح المخالفة. (ومنها) أن صاحبة الطلق إذا لبس قميصها من به حمى الربع قبل أن يغسل تزول عنه.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع