تجاوز إلى المحتوى

من «العقد الفريد» لابن عبد ربه الأندلسي (ت ٣٢٨هـ)

استخلاف أبي بكر لعمر

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

عبد الله بن محمد التّيمي عن محمد بن عبد العزيز: إن أبا بكر الصديق حين حضرته الوفاةُ كتب عَهده وبَعث به مع عثمان بن عفان ورجلٍ من الأنصار ليقرآه على الناس فلما اجتمع الناسُ قاما فقالا: هذا عهدُ أبي بكر فإن تُقِرُّوا به نقرأْه وإن تُنكروه نرجعه.

فقال: بسم الله الرحمن الرحيم.

هذا عهد أبي بكر بن أبي قُحافة عند آخر عهده بالدُّنيا خارجا منها وأوّل عهده بالآخرة داخلاً فيها حيثُ يُؤمِن الكافر ويتقي الفاجر ويَصدق الكاذب.

إني أَمّرت عليكم عمرَ بن الخطّاب فإن عَدل واتقى فذاك ظنِّي به ورجائي فيه وإن بدّل وغيّر فالخيرَ أردت لا يعلم الغيب إلا الله قال أبو صالح: أخبرنا محمد بن وضاح قال: حدّثني محمد بن رُمْح بن المهاجر التُّجيبي قال: حدّثني الليثُ بن سعد عن عُلوان عن صالح بن كَيسان عن حميد ابن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه أنه دخل على أبي بكر رضي الله عنه في مَرضه الذي تُوفي فيه فأصابه مُفيقا فقال: أصبحت بحمد اللهّ بارئاً.

قال أبو بكرِ: أتراه قال: نعم.

قال: أما إني على ذلك لشديدُ الِوَجع ولما لقيتُ منكم يا معشر المُهاجرين أشدُّ عليَّ من وَجعي.

إني وَليت أمَركم خيركم في نفسي فكلّكم وَرِم من ذلك أنفه يريد أن يكون له الأمر من دونه ورأيتم الدنيا مُقبلة ولن تقبل - وهي مُقبلة - حتى تتخذوا سُتور الحرير ونضائد الدِّيباج وتألموا الاضطجاع على الصوف الأَذربيّ كما يألم أحدُكم الاضطجاع على شَوك السّعدان.

والله لأن يُقدّم أحدكم فتُضرب عُنقه في غير حدّ خير له من أن يَخوض في غَمْرة الدنيا.

ألا وإنكم أول ضالّ بالناس غدا فتصدّوهم عن الطريق يميناً وشمالاً.

يا هاديَ الطريق إنما هو الفَجر أو البَحْر.

قال: فقلتُ له: خَفِّض عليك يَرحمك الله فإن هذا يَهيضك على ما بك إنما الناس في أَمرك بين رجلين إما رجل رأى ما رأيتَ فهو معك وإما رجل خالفَك فهو يُشير عليك برأيه وصاحبَك كما تُحب ولا نَعلمك أردتَ إلا الخير ولم تزل صالحا مُصلحا مع أنك لا تأسي على شيء من الدنيا.

فقال: أجل إني لا آسىَ على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن وودتُ أني تركتهن وثلاثٍ تركتهن ووددتُ أني فعلتهن وثلاثٍ وددتُ أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن.

فأما الثلاث التي فعلتهن ووددتُ أني تركتُهن: فوددتُ أني لم أكشف بيتَ فاطمة عن شيء وإن كانوا أغلقوه على الحرب ووددتُ أني لم أكن حَرقت الفَجَاءة السلمي وأني قتلته سريحاً أو خلَيته نجيحا ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة قد رميتُ الأمر في عُنق أحد الرجلين فكان أحدُهما أميراً وكنتُ له وزيراً - يعني بالرجلين عمرَ بن الخطاب وأبي عُبيدة بن الجراح - وأما الثلاث التي تركتُهن ووددتُ أني فعلتُهن: فوددتُ أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيراً ضربتُ عنقه فإنه يُخيل إلي أنه لا يرى شرُّا إلا أعان عليه ووددتُ أني سيرت خالدَ بن الوليد إلى أهل الردة أقمت بذي القصة فإن ظفر المسلمون ظَفروا وإن انهزموا كنتُ بصدد لقاء أو مَدد ووددت أني وجهت خالد بن الوليد إلى الشام ووجهتُ عمر ابن الخطاب إلى العِراق فأكون قد بسطت يدَي كلتيهما في سبيل الله.

وأما الثلاث التي وددتُ أني أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن: فإني وددتُ أني سألته: لمن هذا الأمر من بعده فلا يُنازعه أحد وأني سألته هل للأنصار يا هذا الأمر نصيب فلا يُظلموا نصيبَ منه ووددتُ أني سألته عن بنت الأخ والعَمة فإنَ في نفسي منهما شيئاً.

النص من «العقد الفريد» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «العقد الفريد»