من «العقد الفريد» لابن عبد ربه الأندلسي (ت ٣٢٨هـ)
مقتل طلحة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أبو الحسن قال: كانت وقعة الجَمل يوم الجُمعة في النَصف من جُمادى الآخرة التَقوا فكان أوَلَ مَصْروع فينا طلحةُ بن عُبيد الله أتاه سَهمُ غَرْب فأصاب رُكبتَه فكان إذا أمسكوه فَتر الدم وإذا تَركوه انفجر فقال لهم: اتركوه فإنما هو سهم أرسله الله.
حمّاد بن زيد عن يَحيى بن لسَعيد قال: قال طلحةُ يوم الجمل:
نَدمتُ ندامةَ الكُسعي لما طلبتُ رضَا بني حَزم بزَعمِي اللهم خُذ مني لعثمان حتى يَرضى.
ومن حديث أبي بكر بن أبي شَيبة قال: لما رأى مروانُ بن الحكم يوم الجمل طلحة بن عُبيد الله قال: لا أنتظر بعد اليوم بثأري في عُثمان فانتزع له سهماً فقَتله.
ومن حديث سُفيان الثّوري قال: لما انقضى يومُ الجمل خرج علي بن أبي طالب في ليلة ذلك اليوم ومعه مولاه وبيده شَمعة يتصفّح وجوه القتلى حتى وَقف على طلحة بن عُبيد الله في بَطن وادٍ مُتعفّراً فجعل يمسح الغبار عن وجهه وبقول: أعزِزْ علي يا أبا محمد أن أراك متعفراً تحت نجوم السماء وفي بطون الأودية إنا لله وإنا إليه راجعون.
شَقيت نفسي وقَتلتُ معشري إلى اللهّ أشكو عُجَري وبُجري.
ثم قال: واللهّ إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم: «ونَزَعنا ما في صُدورهم من غِلٍ إخوانَاً عَلَى سُرُرٍ مُتقابِلين» وإذا لم نكن نحن فمَن هم أبو إدريس عن ليث بن طَلحة عن مُطَرف: أن عليّ بن أبي طالب أجلس طلحةَ يوم الجمل ومَسح الغُبار عن وجهه وبَكى عليه.
ومن حديث سًفيان: أنَ عائشة بنت طلحة كانت ترى في نَومها طلحةَ وذلك بعد موته بعشرين يوماً فكان يقول لها: يا بُنية أخرجيني من هذا الماء الذي يُؤذيني.
فلما انتبهت من نَومها جَمعت أعوانَها ثم نَهضت فنَبشته فوجدته صَحيحاً كما دُفنِ لم تَنْحَسر له شعرة وقد اخضر جَنبه كالسَّلق من الماء الذي كان يسيل عليه فلفته في الملاحف واشترت له عَرصة بالبَصرة فدفنته فيها وبَنت حوله مسجدا.
قال: فلقد رأيتُ المرأة من أهل البَصرة تُقبل بالقارورة من البان فتصبّها على قبره حتى تُفرغها فلم يَزلن يَفعلن ذلك حتى صار تراب قَبره مِسْكا أذفر.
ومن حديث الخُشني قال: لما قُتل طلحة بن عُبيد اللهّ يوم الجمل وجدوا في تَركته ثلثمائة بُهار من ذَهب وفضّة.
والبُهار: مِزْود من جلد عِجل.
وقع قومٌ في طلحة عند عليّ بن أبي طالب فقال: أما والله لئن قُلتم فيه إنه لكما قالِ الشاعر:
فتَى كان يُدْنيه الغِنَى من صَديقهإذا ما هو استغنى وُيبعده الفَقْرُ
كأنَ الثّريّا عُلِّقت في يَمينه وفي خَدِّه الشِّعري وفي الآخرَ البَدْر شَريك عن الأسود بن قيس قال: حدّثني مَن رأى الزُبير يوم الجمل يَقْعص الخيل بالرُّمح قَعصا فنوِّه به علي: أيا عبد الله أتذكر يوماً أتانا النبيُ صلى الله عليه وسلم وأنا أناجيك فقال: أتناجيه! والله ليُقاتلنَك وهو ظالم لك.
قال: فصرَف الزُبير وَجْه دابّته وانصرف.
قال أبو الحُسن: لما انحاز الزُّبير يومَ الجمل مر بماء لبني تَميم فقيل للأحنف بن قيس: هذا الزُّبير قد أقبل.
قال: وما أصنع به أن جَمع بين هذين الغَزِيَّيْن وتَرك الناس وأقبل - يريد بالغَزييْن المُعسكرين - وفي مجلسه عمرو بن جُرموز المجاشعيّ فلما سمع كلامَه قام من مجلسه واتبعه حتى وجده بوادي الطباع نائماً فقَتله وأقبل برأسه على عليّ بن أبي طالب.
فقال عليّ: أبْشر بالنار سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بشروا قاتل الزّبير بالنار.
فخرج عمرو بن جُرموز وهو يقول:
أتيتُ عليَّا برأس الزُبير وقد كنتُ أحسبها زُلْفَه فبشِّر بالنار قَبل العِيان فبئس بشارة ذي التّحفه ومن حديث ابن أبي شيبة قال: أقبل رجلٌ بسيف الزّبير إلى الحسن بن علي فقال: لا حاجة لي به أدخله إلى أمير المؤمنين.
فدخل به إلى عليّ فناوله إياه وقال: هذا سيفُ الزّبير.
فأخذه عليّ فنظر إليه مليّا ثم قال: رَحم الله الزبير لطالما فَرَّج به الكُرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم غَدر ابن جُرْموز بفارس بُهْمةٍ يومَ الهِياج وكان غيرَ مُعَدََّدِ يا عمرو لو نبَّهته لوجدته لا طائشاً رَعِش الْجَنان ولا اليَدْ ثَكِلْتك أمك أن قَتلت لمُسلما حلت عليك عُقوبة المتعمد وقال جرير يَنعي على ابن مُجاشع قتلَ الزبير رضي الله تعالى عنه:
إني تُذكِّرني الزبيرَ حمامةٌ تَدعو ببَطن الواديين هَدِيلا قالت قُريش ما أذلَّ مُجاشعاً جاراً وأكرمَ ذا القتيلَ قَتيلا لو كُنتَ حرًّا يا بن قَين مُجاشعٍ شيعت ضَيفك فَرْسخاً أو مِيلاً أفبعد قَتْلكم خليلَ محمدٍ تَرْجو القُيون مع الرسول سَبِيلا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: دعاني أبي يومَ الجمل فقمتُ عن يمينه فقال: إنه لا يُقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم وما أراني إلا سأقتل مظلوما وإن أكبر همّي دَيني فبع مالي ثم اقض ديني فإِن فَضل شيء فثُلثه لولدك وإن عجزتَ عن شيء ما بُني فاستعِن مولاي.
قلت: ومن مولاك يا أبت قال: الله.
قال عبدُ الله بن الزبير: فوالله ما بقيتُ بعد ذلك في كُربة من دَينه أو عُسرة إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه فيقضيَه.
قال: فقُتل الزبير ونظرتُ في دَينه فإذا هو ألفُ ألف ومائة ألف.
قال: فبِعت ضَيعهً له بالغابة بألف ألف وستمائة ألف ثم ناديتُ: مَن كان له قِبل الزّبير شيء فليأتنا نقضِه.
فلما قضيتُ دينَه أتاني إخوتي فقالوا: أقسم بيننا ميراثَنا.
قلت: والله لا أقسم حتى أنادي أربعَ سنين بالمَوْسم: من كان له على الزبير شيء فليأتنا نَقْضِه.
قال: فلما مَضت الأربع السنين أخذت الثّلث لولدي ثم قسمتُ الباقي.
فصار لكل امرأة من نسائه - وكان له أربع نسوة - في ربع الثمن ألف ألف ومائة ألف.
فجميع ما تَرك مائة ألف ألف وسبعمائة ألف ألف.
ومن حديث ابن أبي شَيبة قال: كان علي يُخرج مُناديه يوم الجمل يقول: لا يُسلبن قتيل ولا يُتْبع مُدْبر ولا يجهز على جَريح.
قال: وخرج كعب بن ثَور من البصرة قد تقلّد المُصحف في عُنقه فجعل يَنْشره بين الصّفين ويُناشد الناس في دِمائهم إذ أتاه سَهم فقَتله وهو في تلك الحال لا يدري مَن قتله.
وقال في بن أبي طالب يوم الجمل للأشتر وهو مالك بن الحارث وكان الميمنة: أحمل.
فحمل فكَشف من بإزائه.
وقال لهاشم بن عُقْبة أحد بني زُهرة بن كِلاب وكان على المَيسرة: احمل.
فحمل فكَشف من بإزائه.
فقال علي لأصحابه: كيف رأيتم مَيسرتي ومَيمنتي!
النص من «العقد الفريد» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع