تجاوز إلى المحتوى

من «أمثال العرب» للمفضل الضبي (ت ١٦٨هـ)

أمثال العرب

ذكر من انتمى إليه رسول الله ﷺ أخبرنا محمد بن مصعب القرقساني، أخبرنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: وأخبرنا الحكم ابن موسى، أخبرنا هقل بن زياد عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني عبد الله بن فروخ قال: حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: أنا سيد ولد آدم.

وأخبرنا محمد بن مصعب، أخبرنا الأوزاعي عن شداد أبي عمار عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله، ﷺ: إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم.

قال: وأخبرنا أبو ضمرة المدني أنس بن عياض الليثي، أخبرنا جعفر بن محمد بن علي عن أبيه محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب أن النبي، ﷺ، قال: قسم الله الأرض نصفين فجعلني في خيرهما، ثم قسم النصف على ثلاثة فكنت في خير ثلث منها، ثم اختار العرب من الناس، ثم اختار قريشا من العرب، ثم اختار بني هاشم من قريش، ثم اختار بني عبد المطلب من بني هاشم، ثم اختارني من بني عبد المطلب.

أخبرنا عارم بن الفضل السدوسي ويونس بن محمد المؤدب قالا: أخبرنا حماد بن زيد عن عمرو، يعني بن دينار، عن محمد بن علي قال: قال رسول الله، ﷺ: إن الله اختار العرب فاختار منهم كنانة أو النضر بن كنانة ثم اختار منهم قريشا ثم اختار منهم بني هاشم ثم اختارني من بني هاشم.

﷽

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

قال الطوسي: أخبرنا محمد بن زياد ابن الأعرابي أبو عبد الله عن المفضل الضبي قال:

-

-

زعموا أن ضبة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر بن معد وكان له ابنان يقال لأحدهما سعد والآخر سعيد، وأن إبل ضبة نفرت تحت الليل وهما معها، فخرجا يطلبانها، فتفرقا في طلبها، فوجدها سعد فجاء بها، وأما سعيد فذهب ولم يرجع، فجعل ضبة يقول بعد ذلك إذا رأى تحت الليل سواداً مقبلاً أسعد أم سعيد فذهب قوله مثلاً.؟؟

ثم أتى على ذلك ما شاء الله أن تأتي لا يجيء سعيد ولا يعلم له خبر، ثم إن ضبة بعد ذلك بينما وهو يسير والحارث بن كعب في الأشهر الحرم وهما يتحدثان إذا مرا على سرحة بمكان فقال له الحارث: أترى هذا المكان؟ فإني لقيت فيه شاباً من هيئته كذا وكذا - فوصف صفة سعيد - فقتلته وأخذت برداً كان عليه، ومن صفة البرد كذا وكذا - فوصف صفة البرد - وسيفاً كان عليه فقال ضبة: ما صفة السيف؟ قال: ها هوذا علي، قال: فأرينه، فأراه إياه فعرفه ضبة ثم قال إن الحديث لذو شجون

ثم ضربه حتى قتله، فذهب قوله هذا أيضاً مثلاً.

فلامه الناس وقالوا قتلت رجلاً في الأشهر الحرم فقال ضبة: سبق السيف العذل فأرسلها مثلاً.

وقال الفرزدق يخاطب الخيار بن سبرة المجاشعي:

أأسلمتني للقوم أمك هابلوأنت دلنظى المنكبين بطين
خميص من المجد المقرب بيننامن الشنء رابي القصريين سمين
فإن تك قد سالمت دوني فلا تقمبدار بها بيت الذليل يكون

ولا تأمنن الحرب إن اشتغارها ... كضبة إذ قال الحديث شجون الدلنظى: الضخم؛ والهابل: الثاكل؛ يقال شنئته أشنأه وشنأة أي أبغضته، والقيصرى: الضلع التي تلي الخاصرة، وأنشد لامرأة:

فيا رب لا تجعل شبابي وبهجتيلشيخ يعنيني ولا لغلام

ولكن لعل قد علا الشيب رأسه ... بعيد مناط القصريين حسام واشتغارها: انتشارها وتفرقها؛ وفي بعض الحديث أن امرأة افتخرت على زوجها فقال لها: ذهب الشغار بالفخار، يقال شغر الكلب رجله اذا رفعها ليبول.

وزعموا أن المستوغر بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم عاش زماناً طويلاً

وكان من فرسان العرب في الجاهلية، فزعموا أن رجلاً شاباً من قومه كان له صديق يقال له عامر، وكان ذلك الفتى يقول لعامر إن امرأة المستوغر صديقة لي وإني آتيها، وإنه يطيل الجلوس في المجلس حتى لا يبقى أحد إلا قام، فأحب أن تجلس معه حتى إذا أراد أن يقوم تمطيت وتثاءبت ورفعت صوتك تسمعني، فأنصرف من عند امرأته من قبل أن يفجأنا ونحن على حالنا تلك، وإنما كان ذلك صديقاً لأم عامر، فكان الفتى يشغله بحفظ المستوغر ليخالف الفتى إلى أم عامر فيكون معها، فإذا سمع التثاؤب خرج، ففطن المستوغر لعامر وما يصنع، فاشتمل على السيف، حتى إذا لم يبق أحد غيره وغير عامر قال: ألا ترى والذي أحلف به لئن رفعت صوتك لأضربن عنقك، قال: فسكت عامر، فقال له المستوغر: قم، فقاما إلى بيت المستوغر فإذا امرأته قاعدة بين بنيها، قال: هل ترى من بأس؟ قال: لا أرى من بأس، قال له المستوغر: انطلق بنا إلى أهلك، فانطلقا، فإذا هو بذلك الفتى متبطناً أم عامر في ثوبها، فقال له المستوغر: انظر إلى ما ترى، ثم قال لعلني مضلل كعامر فارسلها مثلاً، ومما زاده في هذا الحديث (المثل)

ما قاله المستوغر: إن المعافى غير مخدوع.

-

وزعموا أن الاضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن

تميم كان يرى من قومه وهو سيدهم بغياً عليه وتنقصاً له فقال: ما في مجامعة هؤلاء خير، ففارقهم وسار بأهله حتى نزل بقوم آخرين، فإذا هم يفعلون بأشرافهم كما كان يفعل به قومه من التنقص له والبغي عليه، فارتحل عنهم وحل بآخرين، فإذا هم كذلك، فلما رأى ذلك انصرف وقال: ما أرى الناس إلا قريباً بعضهم من بعض، فانصرف نحو قومه وقال: أينما أوجه ألق سعداً فأرسلها مثلاً.

ألق سعداً أي أرى مثل قومي بني سعد.

ومما زاده قوله: في كل واد بنو سعد.

-

-

وزعموا أن ضرار بن عمرو بن مالك بن زيد بن كعب بن بجالة بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة أغار على كلب ثم على بني عدي بن جناب من كلب، فأصاب فيما أصاب أهل عمرو بن ثعلبة أخي بني عدي بن جناب، وكان صديقاً لضرار بن عمرو، ولم يشهد القوم حين أغير عليهم، فلما جاءهم الخبر تبع ضرار وكان فيما أخذ من أهله يومئذ سلمى بنت وائل الصائغ، وكانت أمه له وأمها وأختين لها، وسلمى هي أم النعمان بن المنذر ابن ماء السماء، فلما لحق عمرو بن ثعلبة ضراراً قال له عمرو: أنشدك المودة والاخاء فإنك قد أصبت أهلي فارددهم علي، فجعل ضراراً يردهم شيئاً شيئاً حتى بقيت سلمى وأختاها، وكانت سلمى قد اعجبت ضراراً، فسأله إن يردهن، فردهما غير سلمى، فقال عمرو بن ثعلبة: يا ضرار: أتبع الفرس لجامها فأرسلها مثلاً، فردها عليه ومما زاده قوله: والدلو رشاءها.

-

-

وزعموا أن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم تزوج بنت عمه دخنتوس بنت لقيط بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بعدما أسن، وكان أكثر قومه مالاً وأعظمهم شرفاً فلم تزل تولع به وتؤذيه وتسمعه ما يكره وتهجره وتهجره حتى طلقها، وتزوجها من بعد عمير بن معبد بن زرارة وهو ابن عمها، وكان رجلاً شاباً قليل المال، فمرت إبله عليها كأنها الليل من كثرتها فقالت لخادمتها: ويلك انطلقي إلى أبي شريح - وكان عمرو يكنى بأبي شريح - فقولي له فليسقنا من اللبن، فاتاها الرسول فقال: إن بنت عمك دختنوس تقول لك اسقنا من لبنك، فقال لها عمرو قولي لها الصيف ضيعت اللبن. ثم أرسل إليها بلقوحين ورواية من لبن، فقال الرسول: أرسل إليك أبو شريح بهذا وهو يقول: الصيف ضيعت اللبن، فذهبت مثلاً فقالت وزوجها عندها، وحطأت بين كتفيه، أي ضربت: هذا ومذقة خير فأرسلتها مثلاً. والمذقة شربة ممزوجة.

-

-

وزعموا أن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم ابن مالك بن حنظلة بن مالك كان عند النعمان بن المنذر في الجاهلية، فوجده قد أسر ناساً من بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، فقال: من يكفل بهؤلاء؟ فقال خالد: أنا كفيل بهم، فقال النعمان: وبما أحدثوا، قال: نعم وإن كان الأبلق

العقوق، فقال له النعمان: وما الأبلق العقوق؟ قال: هو الوفاء، فذهب الأبلق العقوق مثلاً، قال الشاعر:

فلو قبلوا منا العقوق أتيتهمبألف أودية من المال اقرعا أي تام
طلب الأبلق العقوق فلمالم يصبه أراد بيض الأنوق
للشاعر معاوية بن أبي سفيان، اقرأ القصيدة

-

-

وزعموا أن كبيس بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة كان عارض أمة لزرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة يقال لها رشية، وكانت سبية أصابها زرارة من الرفيدات، ورفيدة قبيلة من كلب فولدت له عمراً وذؤيباً وبرغوثاً فمات كبيس وترعرعت الغلمة، فقال لقيط بن زرارة: يا رشية من أبو هؤلاء؟ قالت: كبيس بن جابر، وكان لقيط عدواً لضمرة بن جابر أخي كبيس، قال: فاذهبي بهؤلاء الغلمة واقصدي بهم وجه ضمرة وأخبريه

من هم، فانطلقت بهم إلى ضمرة فقال: ما هؤلاء؟ قالت: هم بنو أخيك كبيس بن جابر، فانتزع منها الغلمة - ثم قال: الحقي بأهلك، فرجعت فأخبرت أهلها الخبر، فركب زرارة وكان حليماً حتى أتى بني نهشل فقال: ردوا علي غلمتي، فشتمه بنو نهشل وأهجروا له، فلما رأوا ذلك انصرف حتى أتى قومه فقالوا له: ما صنعت، قال: خيراً، والله ما زال يستقبلني بنو عمي بما أحب حتى انصرفت عنهم من كثر ما أحسنوا إلي، ثم مكث عاماً ثم أتاهم فأعادوا عليه أسوأ ما كانوا فعلوا، فانصرف، فقال له قومه: ما صنعت؟ قال: خيراً، قد أحسنوا إلي بنو عمي وأجملوا، فمكث كذلك سبع سنين يأتيهم كل سنة فيردونه أسوأ الرد، فبينما بنو نهشل يسيرون ضحى إذ لحق بهم لاحق فأخبرهم أن زرارة قد مات، فقال ضمرة: يا بني نهشل إنه قد مات حلم إخوتكم اليوم فاتقوهم بحقهم، ثم قال ضمرة لنسائه: قمن أقسم بينكن الثكل، وكانت عنده هند بنت كرب بن صفوان بن شجنة ابن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وامرأة سبية يقال لها خليدة من بني عجل، وسبية من بني عبد القيس، وسبية من الأزد من بني طمثان، فكان لهن أولاد، غير خليدة، فقالت لهند - وكانت لها مصافية: ولي الثكل بنت غيرك فأرسلتها مثلاً.

فأخذ ضمرة شقة بن ضمرة وأمه هند، وشهاب بن ضمرة وأمه العبدية، وعنوة بن ضمرة وامه الطمثانية، فأرسلهم إلى لقيط بن زرارة فقال: هؤلاء رهن لك بغلمانك حتى أرضيك منهم، فلما وقع بنو ضمرة في يدي لقيط أساء ولايتهم وجفاهم وأهانهم، فقال في ذلك ضمرة بن جابر:

صرمت إخاء شقة يوم غولوإخوته فلا حلت حلالي
للشاعر ضمرة بن جابر التميمي، اقرأ القصيدة
كأني إذ رهنت بني قوميدفعتهم إلى الصهب السبال
للشاعر ضمرة بن جابر التميمي، اقرأ القصيدة
فلم أرهنهم بدمي ولكنرهنتهم بصلح أو بمال

صرمت إخاء شقة يوم غول ... وحق إخاء شقة بالوصال يريد إخائي شقة فحذف الياء، فأجابه لقيط بن زرارة:

أبا قطن إني أراك حزيناًوإن العجول لا تبالي خدينا
للشاعر لقيط بن زرارة، اقرأ القصيدة
أفي أن صبرتم نصف عام بحقناوقبل صبرنا نحن سبع سنينا العجول: التي مات ولدها

وقال ضمرة بن جابر:

لعمرك إنني وطلاب حبيوترك بني في الشطر الأعادي
للشاعر ضمرة بن جابر التميمي، اقرأ القصيدة

لمن نوكى الشيوخ وكان مثلي ... إذا ما ضل لم ينعش بهادي ثم إن بني نهشل طلبوا إلى المنذر بن ماء السماء أن يطلبهم إلى لقيط، فقال لهم المنذر: نحوا عني وجوهكم، ثم أمر بخمر وطعام، ثم دعا لقيطاً فأكلا وشربا، حتى إذا أخذت الخمر فيهما قال المنذر للقيط: يا خير الفتيان ما تقول في رجل اختارك الليلة على ندامى مضر؟ قال: وما أقول فيه؟ أقول إنه لا يسألني الليلة شيئاً إلا أعطيته إياه غير الغلمة، قال له المنذر: وما الغلمة؟ أما إذا استثنيت فلست قابلاً منك حتى تعطيني كل شيء طلبته، قال: فذلك لك، قال: فإني أسألك الغلمة أن تهبهم لي، قال: سلني غيرهم، قال: ما أسألك غيرهم، فأرسل

لقيط إليهم فدفعهم إلى المنذر، فلما أصبح لامه أصحابه فقال لقيط في المنذر:

إنك لو غطيت أرجاء هوةٍمغمسة لا يستبان ترابها أرجاء البئر: نواحيها، والهوة: البئر، مغمسة: خفية مظلمة
بثوبك في الظلماء ثم دعوتنيلجئت إليها سادراً لا أهابها

وأصبحت موجوداً علي ملوماً ... كأن نضيت على حائض لي ثيابها قوله: يطلبهم إلى لقيط يقال أطلبني حاجتي أي أسعفني على طلبها، واحلبني أي أعني على الحلب، وألمسني حاجتي أي التمس معي، وقوله: نضيت يقال نضا الرجل ثوبه إذا نزعه، قال امرؤ القيس بن حجر الكندي:

تقول وقد نضت لنومٍ ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل وأرسل المنذر إلى الغلمة وقد مات ضمرة، وكان ضمرة صديقاً له، فلما دخل عليه الغلمة وكان يسمع بشقة ويعجبه ما يبلغه عنه، فلما رآه المنذر قال: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه فأرسلها مثلا - قال الكسائي: الطوسي يشدد الدال ويقول المعدي ينسبه إلى معد - قال له شقة: أسعدك إلهك إن القوم ليسوا بجزر - يعني الشاء - إنما يعيش المرء بأصغريه، بقلبه ولسانه، والجزر: جمع جزرة وهي الشاة، فاعجب الملك كلامه وسره كل ما رأى منه فسماه ضمرة باسم أبيه، فهو ضمرة بن ضمرة، وذهب قوله إنما يعيش الرجل بأصغريه مثلاً.

-

-

زعموا أن تقن بنت شريق أحد بني عثم من بني جشم بن سعد بن زيد مناة بن تميم كانت تحت رجل من قومها، وكان أخوها الريب بن شريق من فرسان بني سعد وأشرافهم، وكانت لها ضرة، ولضرتها ابن يقال له الحميت. فوقع بين تقن وضرتها شر فاستبتا وتراجزتا، فغلبتها تقن وشتمتها شتماً قبيحاً، فلما سمع ذلك الحميت اخذ الرمح فطعن به في فخذ تقن فأنفذ فخذها، فلما رأى ذلك أبوه - وكره ان يبلغ أخاها - قال: اسكتي ولك ثلاثون من الإبل ولا يعلم بذلك أخوك، قالت: فأخرجها، فأخرجها فوسمتها بمسيم أخيها الريب بن شريق وألحقتها بابلها، فكانت في إبلها ما شاء الله.

ثم إن سفيان بن شريق أخا الريب ورد الماء بابله، فلقى الحميت على الماء، فكان بينهما كلام، فضربه الحميت، وكان في عنق سفيان بن ريق قروح فادمى تلك القروح، فأتى سفيان أخاه الريب فذكر له ذلك، فركب الريب فرساً له يقال الهداج ثم لحق الحي وهم سائرون، فقال: من أحس من بكر أورق ضل من إبلي؟ فيقولون: ما رأيناه، ويمضي حتى لحق بالحميت وهو يسير في أول سلف الحي، فقال: هل أحسست من بكر أورق ضل من إبلي، قال: ما رأيته؛ ثم ان الريب ألقى سوطه كأنه وقع منه، فقال للحميت: ناولني سوطي، فأكب يناوله السوط فقال: أعركتين بالضفير - الضفير: السير المضفور، والضفير موضع، ثم ضربه بالسيف على مجامع كتفيه ضربةً كادت تقع في جوفه، ثم مضى على فرسه، فذهب قوله: أعركتين بالضفير مثلاً. يقول: أعركتين مرة على أخي ومرة على أختي.

وقال الريب بن شريق:

بكت تقن فآذاني بكاهاوعز علي أن وجعت نساها

سأثأر منك عرس أبيك إني ... رأيتك لا تجأجىء عن حماها يعني بالعرس هنا تقناً، يقال جأجأ بابله، إذا حثها على الشرب.

دلفت له بأبيض مشرفي ... الم على الجوانح فاختلاها دلفت: من الدليف وهو مشي سريع في تقارب خطو.

فان يبرا فلم أنفث عليهوان يهلك فآجال قضاها
وكان مجرباً سيفي صنيعاًفيا لك نبوة سيفي نباها
رأيت عجوزهم فصددت عنهالها رحم وواقٍ من وقاها

وخفت الصرم من حفص بن سودٍ ... وأتبعت الجناية من جناها الحفص: من قبيلة الحميت، وكان صديقاً للريب بن شريق.

-

-

زعموا أن مالك بن زيد مناة بن تميم كان رجلاً أحمق، فزوجه أخوه سعد ابن زيد مناة النوار بنت جد بن عدي بن عبد مناة بن أد ورجا سعد إن يولد لأخيه. فلما كان عند بنائه أدخلت عليه امرأته انطلق به سعد حتى اذا كان بباب بيته قال له سعد: لج بيتك، فأبى مالك، فعاتبه مراراً فقال له سعد: لج مال ولجت الرجم - الرجم: القبر - فأرسلها مثلاً، ثم إن مالكاً دخل ونعلاه معلقتان في ذراعيه فلما دنا من المرأة قالت له ضع نعليك قال: ساعداي أحرز لهما فأرسلها مثلاً، ثم أتي بطيب فجعل يجعله في استه فقالوا له يا مالك ما تصنع؟ قال ": استي اخبثي فأرسلها مثلاً.

فولدت النوار لمالك بن زيد مناة حنظلة ومعاوية وقيسا وربيعة، فقال الشاعر الفرزدق:

ولولا إن يقول بنو عديألم تك أم حنظلة النوارا

إذن لأتى بني ملكان قول ... إذا ما قيل انجد ثم غارا ليس في العرب ملكان - بالفتح - إلا ملكان بن هند بن جرم في قضاعة.

-

-

زعموا أن أم خارجة بنت سحمة بن سعد بن عبد الله بن قذاذ بن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن الغوث بن أنمار البجلية - وهي أم عدس كانت تحت رجل من اياد، وكان أبا عذرها، وكانت من أجمل نساء أهل زمانها، فخلعها منه دعج بن خلف بن دعج بن سحيمة بن سعد بن عبد الله بن قذاذ بن عبد الله بن سعد بن قذاذ وهو ابن اخيها فتزوجها بعده عمرو بن تميم، فولدت له أسيد بن عمرو بن تميم، والعنبر بن عمرو، والهجيم، والقليب. ثم خلف عليها بعده بكر بن عبد مناة من كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، فولدت له: ليث بن بكر، والحارث بن بكر والديل بن بكر؛ ثم خلف عليها مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة، فولدت له: غاضرة بن مالك، وعمرو بن مالك، وولدت في قبائل العرب. زعموا أن الخاطب كان يأتيها فيقول: خطب، فتقول نكح، فقيل: أسرع من نكاح أم خارجة فصار مثلاً.

وزعموا أن بعض ولدها كان يسوق بها يوماً فرفع لهم راكب، فقالت: ما هذا؟ فقال ابنها: إخاله خاطباً، فقالت: يا بني هل تخاف أن يعجلنا إن نحل، ما له ال وغل، فصار مثلاً.

-

-

وزعموا أن رجلاً كانت له صديقة وكان لها زوج غائب، فكان صديق تلك المرأة يأتيها فيصيب منها، فجاء زوجها ولم يعلم به صديقها، وجاء الصديق كعادته فوجد الزوج مضطجعاً بفناء البيت، فحسبه المرأة، فرفع برجليه، فوثب إليه الرجل فأخذه ودعا بالسيف ليقتله، وهو جار معاوية بن سنان بن جحوان بن عوف ابن كعب بن عبشمس بن سعد بن زيد بن تميم، فنادى المأخوذ: يا معاوي ابن سنان هل أوفيت؟ - يقال وفى الرجل واوفى بمعنى واحد - فسمع معاوية فظن انه مكروب حين سمع صوته فنادى: نعم وتعليت أي زدت على الوفاء فذهب مثلاً، فقال له زوج المرأة: أمنحباً أي ناذراً قال: نعم - المنحب: المراهن. والمنحب الدائب أيضاً.

-

-

زعموا أن خالد بن معاوية بن سنان بن جحوان بن عوف بن كعب بن عبشمس بن سعد ساب رجلاً من بني عثم - وهو من بني جشم بن سعد بن زيد مناة ابن تميم - عند النعمان بن المنذر، فقال لهم خالد وهو يرجز بهم:

دوموا بني عثم ولن تدوموالنا ولا سيدكم مرحوم
إنا سراة وسطنا قرومقد علمت أحسابنا تميم في الحرب حين حلم الأديم

فذهب قوله حلم الأديم مثلاً.

وقال خالد وهو يرجز بهم:

إن لنا بآل عثم علماًأستاه آم يعترين لحما
أفواه أفراس أكلن هشماًإذا لقيت انفحياً وخما

منهم طويلاً في السماء ضخماً ... لا يحتر النازل إلا لطما تركتهم خير قويس سهما ... القويس: القوس الرديئة، والحتر: العطية، أي لما هجوت رؤساءهم صاروا أذلة فكيف بغيرهم، فذهب قوله خير قويس سهما مثلاً.

قال أبو عبد الله: يريد تركت من هجوته وهو ذليل فإذا كان ذليلاً وهو خير قومه فأي شيء حال قومه؟

وقال خالد وهو يرجز بالمنذر بن فدكي أخي بني عثم وكان سيدهم يومئذ عند النعمان:

فان عين المنذر بن فدكي ... عينا فتاة نقطت أمس هدي فرجز به شاعر بني عثم، فعقر به خالد بن معاوية، ومع خالد أخ له، فاستعدوا

عليهما النعمان، فقال خالد: أبيت اللعن، أنا أركب وأخي ناقة، ثم نتعرض لهم كما تعرضوا لنا، فإن استطاعوا فليعقروا بنا، فأعجب ذلك النعمان وقال: قد أعطاكم بحقكم، قالوا: قد رضينا، قال النعمان: أما والله لتجدنا ألوى بعيد المستمر فأرسلها مثلاً.

الألوى: المانع لما عنده، والمستمر: استمرار عقله وحزمه.

فاكتفل خالد وأخوه ناقتهما بكفل وتأخر أحدهما على العجز وجعل وجهه من قبل الذنب، وتقدم أحدهما إلى الكتف، فجعل كل واحد يذب بسيفه مما يليه فلم يخلصوا إلى أن يعقروا بهما فأتى النعمان فقال: أبيت اللعن قد أعطيناهم بحقهم فعجزوا عنه فنظر النعمان إلى جلسائه فقال: أترون قومه كانوا يتبعونه بأبلخ جهول، فأرسلها مثلاً.

-

-

زعموا أن السليك بن السلكة التميمي ثم أحد بني مقاعس - ومقاعس: الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة - كان من أشد فرسان العرب وأنكرهم وأشعرهم، وكانت أمه سوداء، وكانوا يدعونه سليك المقانب - والمقنب ما بين الثلاثين إلى الخمسين - وكان أدل الناس بالأرض، وأجودهم عدواً على رجليه لا تعلق به الخيل، زعموا أنه كان يقول: اللهم إنك تهيء ما شئت

لما شئت، اللهم إني لو كنت ضعيفاً كنت عبداً، ولو كنت امرأة كنت أمة، اللهم إني أعوذ بك من الخيبة، فأما الهيبة فلا هيبة، أي لا أهاب أحد.

فذكر أنه افتقر حتى لم يبق له شيء، فخرج على رجليه رجاء أن يصيب غرة من بعض من يمر عليه فيذهب بابله، حتى أمسى في ليلة من ليالي الشتاء باردة مقمرة، فاشتمل الصماء - واشتمال الصماء أن يرد فضل ثوبه على عضده اليمنى ثم ينام عليها - فبينا هو نائم إذ جثم عليه رجل من الليل فقعد على جنبه فقال: استأسر، فرفع السليك إليه رأسه فقال: إن الليل طويل وأنت مقمر فأرسلها مثلاً.

ثم جعل الرجل يلهزه ويقول: يا خبيث استأسر، فلما آذاه بذلك أخرج السليك يده فضم الرجل ضمة إليه ضرط منها وهو فوقه فقال له السليك: أضراطاً وأنت الأعلى فأرسلها مثلاً.

ثم قال له السليك: من أنت؟ قال: أنا رجل افتقرت فقلت لأخرجن فلا أرجعن حتى استغني فآتي أهلي وأنا غني، قال: فانطلقي معي. قال: فانطلقا حتى وجدا رجلاً قصته مثل قصتهما، فاصطحبوا جميعا، حتى اتوا الجوف - جوف مراد الذي باليمن - فلما أشرفوا على الجوف، إذا نعم قد ملأ كل شيء من كثرته، فهابوا أن يغيروا فيطردوا بعضهما فليحقهم الحي، فقال لهما السليك: كونا قريبا حتى آتي الرعاء فاعلم لكم علم الحي أقريب أم بعيد، فإن كانوا قريباً رجعت إليكما، وإن كانوا بعيداً قلت لكما قولاً أوحي به لكما، فأغيروا؛ فانطلق حتى أتى الرعاء فلم يزل يتسقطهم حتى أخبروه بمكان الحي، فإذا هم بعيد إن طلبوا لم يدركوا، فقال

لهم السليك: ألا أغنيكم؟ فقالوا: بلى، فتغنى بأعلى صوته فقال:

يا صاحبي إلا لا حي بالوادي ... إلا عبيد وأم بين اذواد آم: جمع أمة العشر، ثم إماء لما بعد العشر.

أتنظرن قليلاً ريث غفلتهم ... أم تعدوان فإن الريح للعادي فلما سمعا ذلك أتيا السليك فاطردوا الإبل فذهبوا بها فلم يبلغ الصريخ إلى الحي حتى مضوا بما معهم.

وزعموا أن السليك خرج ومعه عمرو وعاصم ابنا سري بن الحارث بن امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم يريد أن يغير في أناس من أصحابه، فمر على بني شيبان في ربيع والناس مخصبون في عشية فيها ضباب ومطر، فإذا هو ببيت قد انفرد من البيوت عظيم، وقد أمسى، فقال لأصحابه: كونوا بمكان كذا وكذا حتى آتي أهل هذا البيت فلعلي أصيب لكم خيراً أو آتيكم بطعام، فقالوا فافعل، فانطلق وقد أمسى وجن عليه الليل، فإذا البيت بيت يزيد بن رويم الشيباني، وهو جد حوشب بن يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم، وإذا الشيخ وامرأته بفناء البيت، فأتى السليك البيت من مؤخره فدخله، فلم يلبث أن أراح ابن له ابله، فلما أن أراحها غضب الشيخ وقال لابنه: هلا كنت عشيتها ساعة من الليل؟! فقال ابنه: إنها أبت العشاء، فقال: العاشية تهيج الآبية فأرسلها مثلاً.

العاشية: التي تتعشى، تهيج آبي العشاء فيتعشى معها.

ثم غضب الشيخ فنفض ثوبه في وجوهها إلى مرتعها وتبعها

الشيخ حتى مالت لأدنى روضة فرتعت فيها،

وجلس الشيخ عندها للعشاء فغطى وجهه في ثوبه من البرد، وتبعه السليك، فلما وجد الشيخ مغتراً ختله من ورائه ثم ضربه فأطار رأسه وصاح بالإبل فاطردها، فلم يشعر أصحابه - وقد ساء ظنهم به وتخوفوا عليه - حتى اذا هم بالسليك يطردها، فطردوها معه فقال السليك:

وعاشية رج بطان ذعرتهابصوت قتيل وسطها يتسيف
فبات لها أهل خلاء فناؤهمومرت بهم طير فلم يتعيفوا
وباتوا يظنون الظنون وصحبتيإذا ما علوا نشزاً أهلوا وأوجفوا
للشاعر السليك بن السلكة، من قصيدة «وعاشية راحت بطاناً ذعُرتها»
وما نلتها حتى تصعلكت حقبةوكدن لأسباب المنية أعرف
للشاعر السليك بن السلكة، من قصيدة «وعاشية راحت بطاناً ذعُرتها»
وحتى رأيت الجوع بالصيف ضرنيإذا قمت يغشاني ظلال فأسدف
للشاعر السليك بن السلكة، من قصيدة «وعاشية راحت بطاناً ذعُرتها»

-

-

زعموا أن العيار بن عبد الله الضبي ثم أحد بني السيد بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة وفد هو وحبيش بن دلف وضرار بن عمرو الضبيان على النعمان فأكرمهم وأجرى عليهم نزلا، وكان العيار رجلاً بطالاً يقول الشعر ويضحك الملوك، وكان قد قال قبل ذلك:

لا أذبح النازي الشبوب ولاأسلخ يوم المقامة العنقا
لا آكل الغث في الشتاء ولاأنصح ثوبي إذا هو انخرقا

ولا أرى أخدم النساء ول؟ ... كن فارساً مرة ومنتطقا وكان منزلهم واحد، وكان النعمان بادياً، فأرسل إليهم بجزر فيهن تيس، فأكلوهن غير التيس، فقال ضرار للعيار - وهو أحدثهم سناً - ليس عندنا من يسلخ لنا هذا التيس فلو ذبحته وسلخته وكفيتنا ذلك فقال العيار فما أبالي أن أفعل فذبح ذلك التيس ثم سلخه، فانطلق ضرار إلى النعمان فقال: أبيت اللعن هل لك في العيار يسلخ تيساً؟ قال: أبعد ما قال؟ قال: نعم، فأرسل إليه النعمان فوجده يسلخ تيساً، فأتى به فضحك به ساعة؛ وعرف العيار أن ضراراً هو الذي أخبر النعمان بما صنع، وكان النعمان يجلس بالهاجرة في ظل سرادقة، وكان كسا ضراراً حلة من حلله، وكان ضراراً شيخاً أعرج بادناً كثير اللحم، فكست العيار حتى إذا كانت ساعة النعمان التي يجلس فيها في ظل سرادقة ويؤتى بطعامه عمد العيار إلى حله صرار فلبسها، ثم خرج يتعارج، حتى إذا كان بحيال النعمان وعليه حلة ضرار كشفها عنه فخرىء، فقال النعمان: ما لضرار قاتله الله لا يهابني عند طعامي؟ فغضب على ضرار، فحلف ضرار أنه ما فعل، قال: ولكني أرى العيار وهو فعل هذا من أجل أني ذكرت لك سلخة التيس، فوقع بينهما كلام حتى نشائما عند النعمان.

فلما كان بعد ذلك ووقع بين ضرار وبين أبي مرحب أخي بني يربوع ما وقع تناول أبو مرحب ضراراً عند النعمان والعيار شاهد فشتم العيار أبا مرحب ورجز به فقال النعمان للعيار: أتشتم أبا مرحب في ضرار، وقد سمعتك تقول له شراً مما قال أبو مرحب؟! قال العيار أبيت اللعن وأسعدك إلهك: إني آكل لحمي ولا أدعه لآكل فأرسلها مثلاً، فقال النعمان: لا يملك مولى لمولى نصراً.

-

-

وزعموا أن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة، وكان خطيباً كثير المال عظيم المنزلة من الملوك، وانه كان مع بعض الملوك فقال له: إنه قد بلغني عن أخيك نهشل بن دارم خير، وقد أعجبني أن تأتيني به فأصنع خيراً إليه، وكان نهشل من أجمل الناس وأشجعهم، وكان عيي اللسان قليل المنطق، فلم يزل ذلك الملك بمجاشع حتى اتاه بنهشل، فأدخله عليه وأجلسه، فمكث نهشل لا يتكلم، وقد كان أعجب الملك ما رأى من هيئته وجماله، فقال له الملك: تكلم، قال: الشر كثير، فسكت عنه، فقال له مجاشع: حدث الملك وكلمه، فقال له نهشل: إني والله ما أحسن تكذابك وتأثامك، تشول بلسانك شولان البروق، فارسل: شولان البروق مثلاً.

البروق: الناقة التي تشيل ذنبها تري أهلها انها لاقح وليست بلاقح.

-

-

زعموا أن شهاب بن قيس أخا بني خزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم خرج مع خاله اوفى بن مطر المازني، ومعه رجل آخر من بني مازن يقال له جابر بن عمرو، فكانوا ثلاثة، وكان جابر يزجر الطير، فبينما هم يسيرون إذ عرض لهم اثر رجلين يسوقان بعيرين ويقودان فرسين، قالوا: فلو طلبناهما، قال جابر: فاني أرى أثر رجلين يسوقان بعيرين شديد كلبهما الفرار بقراب أكيس فأرسلها مثلاً، وفارقهما.

ومضى أوفى بن مطر وشهاب في اثر الرجلين وكان على أوفى بن مطر يمين

لا يرمي بأكثر من سهمين، ولا يستجيره رجل أبداً إلا أجاره، ولا يغتر رجلاً حتى يؤذنه، فهاجا بالرجلين وهما في ظل طلحة، واذا هما من بني أسد ثم من بني فقعس، فلما رأى اوفى أحدهما قال له: استمسك فانك معدو بك، أي محمول، فقال الاسدي: انك لا تعدو بعير أمك وانما تعدو بليث مثلك يجد بالمصاع كوجدك فقال اوفى بن مطر: يا شهاب ارم فان يده في غمة، قال الاسدي:

لا تحسبن أن يدي في غمهفي قعر نحي أستثير حمه

ليس لواحد علي منه ... ألا ولا اثنين ولا أهمه إلا الذي وصى بثكل أمه ... فقال اوفى بن مطر:

دع الرماء واقترب هلمه ... إلى مصاعٍ ليس فيه جمه فذاك عندي ابن العجوز الهمه ... نصب ابن على النداء.

فرى أوفى بن مطر الاسدي فصرعه، ورمى شهاباً الاسدي الآخر فصرعه، فقال الآخر: جواراً يا أوفى، فقال له: على مه؟ قال: على أحد الفرسين وأحد البعيرين وعلى أن نداوي صاحبينا، فأيهما مات قبل قتلنا به صاحبه، فواثقا على ذلك، وانطلقا بهما وهما جريحان، حتى نزلا على وشل بجبلة الذي يقال له شعب جبلة، فمكثوا بذلك أربعتهم زماناً يغيرون ثم يأتون بغنيمتهم على جبلة فيقسمونها، فقال اوفى بن مطر في ذلك لجابر بن عمرو يعيره فراره:

إذا ما أتيت بني مازنٍفلا تسق فيهم ولا تغسل
فليتك لم تدع من مازنوليتك في البطن لم تحمل
وليت سنانك صنارةوليت قناتك من مغزل
ونيط بحقويك ذو زرنبٍجميش يوكل للفيشل
تجاوزت حمران من ساعةٍوخلت قساساً من الحرمل
فمن مبلغ خلتي جابراًبأن خليلك لم يقتل
تخاطأت النبل أحشاءهوأخر يومي فلم يعجل

-

-

كان مرباع مالك بن حنظلة في الجاهلية في زمان صخر بن نهشل بن دارم لصخر، فقال له الحارث بن عمرو بن آكل المرار الكندي: هل أدلك يا صخر على غنيمة على أن لي خمسها، فقال له صخر: نعم، فدله على ناس من أهل اليمن، فأغار عليهم صخر بقومه فظفروا وغنموا، وملأ يديه من الغنائم وأيدي أصحابه؛ فلما انصرف قال له الحارث: أنجز حر ما وعد فأرسلها مثلا، فادار صخر قومه على أن يعطوه ما كان جعل للحارث فأبوا عليه ذلك، وفي طريقهم ثنية متضايقة يقال لها شجعات فلما دنا القوم منها سار صخر حتى وقف على رأس الثنية وقال: أزهت شجعات بما فيهن - وأزمت أي ضاقت - لا يجوزن أحد بذمة صخر، فأرسلها مثلاً. فقال حمرة بن ثعلبة بن جعفر بن يربوع: والله لا نعطيه شيئاً من

غنيمتنا، ثم مضى في الثنية، فحمل عليه صخر بن نهشل بن دارم فقتله، فلما رأى الجيش ذلك أعطوه أجمعون الخمس، فدفعه إلى الحارث بن عمرو فقال في ذلك نهشل بن حري بن ضمرة بن جابر بن قطن بن دارم:

نحن منعنا الجيش إن يتأبواعلى شجعات والجياد بنا تجري
حبسناهم حتى أقروا بحكمناوأدي أنفال الخميس إلى صخر
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

-

-

زعموا أن النمر بن تولب العكلي كان أحب امرأة من بني أسد بن خزيمة يقال لها جمرة بنت نوفل، وقد أسن يومئذ، فاتخذها لنفسه وأعجب بها، وكان له بنو أخ فراودها بعضهم عن نفسها، فشكت ذلك إلى نمر وقالت: إن بني أخيك ربما راودني بعضهم عن نفسي، ولست آمنهم إن يغلبوني فقال لها النمر: قولي لهم وقولي إن أرادوا شيئاً من ذلك، وقالت جمرة: إني سأكفيك ما كان قولاً فأرسلتها مثلاً، تقول إن كان القول فاني سأكفيك القول.

-

-

زعموا أن جارية بن سليط بن الحارث بن يربوع بن حنظلة بن مالك - وسليط هو كعب، وانما سمي سليطاً لسلاطة لسانه - كان أحسن الناس وجهاً وأمدهم جسماً، وانه أتى عكاظ وكانت من أشهر أسواق العرب في الجاهلية، فأبصرته جارية من خثعم فأعجبها، وتلطفت له حتى وقع عليها، فلما فرغ قالت: انك اتيتني على طهر وإني لا ادري لعلي سأعلق لك ولداً فموعدك فصال ولدي إن

حملت لك، فسمى لها اسمه، حتى وافى عكاظ لرأس ثلاثة أحوال، فوجدها قد ولدت غلاماً وفطمته، فأقبلت الجارية معها أمها وخالتها يلتمسنه بعكاظ حتى رأته الجارية فعرفته، فلما رأته قالت الجارية: هذا جارية، قالت أمها: بمثل جارية فلتزن الزانية سراً او علانية. ثم دفعن إليه الغلام فسماه عوفاً فشرف وساد قومه، وهو عوف الأصم.

فذكر أن بني مالك بن حنظلة وبني يربوع تخايلوا يوماً فقام عمرو بن همام ابن رباح بن يربوع يخايل عن بني يربوع فقال الناس: ادخلوا عوفاً الأصم البيت فإنه إن علم بما بينكم وشهد المخايلة أهلك هذين الحيين وأبى ذلك، فأولجوا عوفاً قبة من قباب الملك لكيلا يسمع ما بينهم فظفر بنو مالك، ونادى مناد أين عوف؟ فقالت امرأته: عوف يرنا في البيت فأرسلتها مثلاً، فسمع عوف الكلام فوثب فإذا الناس فئتان يتخايلون، وضرب خطم فرس الملك بالسيف وهو مربوط بفناء القبة، فنشب السيف في خطم الفرس وقطع الرسن، وجال في الناس فجعلوا يقولون جهجوه جهجوه أي ازجروه وكفوه، فذلك قول متمم بن نويرة في يوم جهجوه:

وفي يوم جهجوه حمينا ذماركمبعقر الصفايا والجواد المربب قال العجاج:

النص من طبعة دار الرائد العربي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمثال العرب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.