تجاوز إلى المحتوى

من «أمثال العرب» للمفضل الضبي (ت ١٦٨هـ)

أمثال العرب (٣)

ثم إن حذيفة جمع وتهيأ واجتمع معه بنو ذبيان بن بغيض، فبلغ بني عبس أنهم قد ساروا إليهم، فقال قيس بن زهير: أطيعوني فو الله لئن لم تفعلوا لا تكئن على سيفي حتى يخرج من ظهري، فقالوا: نطيعك، فأمرهم فسرحوا السوام والضعفاء بليل وهم يريدون إن يظعنوا من منزلهم ذلك، ثم ارتحلوا في الصبح فأصبحوا على ظهر دوابهم، وقد مضى سوامهم وضعفاؤهم، فلما أصبحوا طلعت الخيل عليهم من الثنايا، فقال: خذوا غير طريق المال فإنه لا حاجة للقوم

إن يقعوا في شوكتكم ولا يريدون بكم في أنفسكم شراً من ذهاب أموالكم، فأخذوا غير طريق المال. فلما أدرك حذيفة الأثر ورآه قال: أبعدهم الله، وما خيرهم بعد ذهاب أموالهم؟؟؟؟؟؟ فاتبع المال، وسارت ظعن بني عبس والمقاتلة من ورائهم، وتبع حذيفة وبنو ذبيان المال، فلما أدركوه ردوا أوله على آخره، ولم يفلت منهم شيء، وجعل الرجل يطرد ما قدر عليه من الابل فيذهب بها، وتفرقوا واشتد الحر، فقال قيس بن زهير: يا بني عبس إن القوم قد فرق بينهم المغنم، فاعطفوا الخيل في آثارهم، ففعلوا فلم يشعر بنو ذبيان إلا بالخيل دواس - يعني متتابعة - فلم يقاتلهم كثير احد، وجعل بنو ذبيان إنما همة الرجل منهم في غنيمته أن يحوزها وينجو بها، فوضع بنو عبس السلاح فيهم حتى ناشدهم بنو زياد البقية، ولم يكن لهم هم غير حذيفة فأرسلوا مجنبتين يقتفون أثره، وأرسلوا خيلاً مقدمة تنفض الناس وتسألهم حتى سقط على أثر حذيفة من الجانب الأيسر أبو عنترة شداد بن معاوية بن ذهل بن قراد بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس وعمرو بن الاسلع وقرواش بن هني والحارث بن زهير وجنيدب بن زيد، وكان حذيفة استرخى حزام فرسه، فنزل عنه فوضع رجله على حجر مخافة أن يقتص أثره، ثم شد الحزام فوضع صدر قدمه على الأرض فعرفوه بحنف فرسه فاتبعوه، ومضى حذيفة حتى استغاث بجفر الهباءة - الجفر: ما لم يطو من الآبار - وقد اشتد عليه الحر فرمى بنفسه فيه، ومعه حمل بن بدر وحنش بن عمرو وورقاء ابن بلال وأخوه، وهما من بني عدي بن فزارة، وقد نزعوا سروجهم وطرحوا سلاحهم ووقعوا في الماء فتمعكت دوابهم، وبعثوا ربيئة فجعل يطلع وينظر فاذا لم ير شيئاً رجع فنظر نظرة فقال: اني قد رأيت شخصاً كالنعامة أو كالطير فوق القتادة

من قبل مجيئنا، فقال حذيفة هذا شداد على جروة، فحال بينهم وبين الخيل، ثم جاء عمرو بن الاسلع ثم جاء قرواش حتى تناموا خمسة، فحمل جنيدب على خيلهم فاطردها وحمل عمرو بت الاسلع وشداد عليهم في الجفر فقال حذيفة: يا بني عبس فأين العقل واين الاحلام؟ فضرب حمل بين كتفيه وقال: اتق مأثور القول بعد اليوم فأرسلها مثلاً، وقتل قرواش بن هني حذيفة بن بدر وقتل الحارث بن زهير حملاً وأخذ منه ذا النون سيف مالك بن زهير، وكان حمل بن بدر أخذه من مالك بن زهير يوم قتله، فقال الحارث بن زهير:

تركت على الهباءة غير فخرحذيفة حوله قصد العوالي
سيخبر قومه حنش بن عمرواذا لاقاهم وابنا بلال

ويخبرهم مكان النون مني ... وما أعطيته عرق الخلال من المخالة، اي ما اعطيته عن صداقة وصفاء ود.

فأجابه حنش بن عمرو أخو بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض:

سيخبرك الحديث بكم خبيريجاهدك العداوة غير آل

بداءتها لقراوش وعمرو ... وانت تجول جوبك في الشمال أي فعل قرواش هذا الفعل. العرق: العطية، والخلال: المخالة، يقول: لم تعطوني السيف عن مودة ولكني قتلته وأخذته، وقوله وأنت تجول جوبك في

الشمال، الجوب: الترس، يريد إن قرواشاً وعمرو بن الأسلع اقتحما الجفر وقتلا من قتلا وأنت ترسك في يدك لم تغن شيئاً، ويقال لك البداءة ولفلان العوادة.

وقال قيس بن زهير في ذلك:

تعلم أن خير الناس ميتعلى جفر الهباءة لا يريم
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «تعلم أن خير الناس ميت»
ولولا ظلمة ما زلت أبكيعليه الدهر ما طلع النجوم
ولكن الفتى حمل بن بدربغى والبغي مرتعه وخيم
للشاعر الربيع بن زياد العبسي، من قصيدة «تعلّم أن خير الناس طراً»
أظن الحلم دل علي قوميوقد يستجهل الرجل الحليم
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «تعلم أن خير الناس ميت»
ومارست الرجال ومارسونيفمعوج علي ومستقيم وقال في ذلك شداد بن معاوية العبسي:
من يك سائلاً عني فانيوجروة لا تباع ولا تعار

مقربة الشتاء ولا تراها ... أمام الحي يتبعها المهار ويروى أمام الخيل، يريد أنها فرس حرب لا يطلب نسلها.

لها بالصيف آصرة وجلوست من كرائمها غزار كرائم من الابل تشرب هذه الفرس البانها
ألا أبلغ بني العشراء عنيعلانية وما يغني السرار

قتلت سراتكم وحسلت منكم ... حسيلاً مثل ما حسل الوبار الحسيل: الرديء، يقول: أنفيت شراركم، وقتلت خياركم وأبقيت رذالكم.

ولم اقتلكم سراً ولكن ... علانية وقد سطع الغبار وكان ذلك اليوم يوم ذي حسى - وحسى وادٍ فيه ماء.

ويزعم بعض بني فزارة إن حذيفة كان أصاب فيما أصاب من بني عبس تماضر بنت الشريد السلمية ام قيس بن زهير فقتلها، وكانت في المال. ثم إن بني عبس ظعنوا فحلوا إلى كلب بعراعر، وقد اجتمع عليهم بنو ذبيان فخالفوا، فقاتلتهم كلب فهزمتهم بنو عبس وقتلوا مسعود بن مصاد الكلبي ثم أحد بني عليم بن جناب، فقال في ذلك عنترة:

ألا هل أتاها أن يوم عراعرشفى سقماً لو كانت النفس تشتفي
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «ألا هل أتاها أن يوم عراعر»
أتونا على عمياء ما جمعوا لنابأرعن لا خل ولا متكشف
تماروا بنا إذا يمدرون حياضهمعلى ظهر مقضي من الأمر محصف
علالتنا في كل يوم كريهةٍبأسيافنا والقرح لم يتقرف
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «ألا هل أتاها أن يوم عراعر»

وما نذروا حتى غشينا بيوتهم ... بغبية موت مسبل الودق مذعف اي تشككوا في رجوليتنا حتى استعملوا الحياض، علالتنا: اي بقيتنا. فأجلتهم الحرب فلحقوا بهجر فامتاروا منها، ثم حلوا على بني سعد بالفروق وقد آمنهم بنو سعد ثلاث ليال فأقاموها، ثم شخصوا عنهم، فاتبعهم ناس من بني سعد فقاتلهم العبسيون فامتنعوا حتى رجع بنو سعد وقد خابوا منهم ولم

يظفروا بشيء، فقال في ذلك عنترة بن شداد بن معاوية:

ألا قاتل الله الطلول البوالياوقاتل ذكراك السنين الخواليا القصيدة كلها

ثم سئل قيس بن زهير: كم كنتم يوم الفروق؟ قال: مائة فارس كالذهب لم نكثر فنفشل ولم نقل فنضعف.

ثم سار بنو عبس حتى وقعوا باليمامة، فقال قيس بن زهير: إن بني حنيفة قوم لهم عز وحصون فخالفوهم، فخرج قيس حتى أتى قتادة بن مسلمة الحنفي وهو يومئذ سيدهم، فعرض عليهم قيس نفسه وقومه، فقال: ما يرد مثلكم، ولكن لي في قومي أمراء لا بد من مشاورتهم، وما ننكر حسبك ولا نكايتك؛ فلما خرج قيس من عنده قيل له: ما تصنع، أتعمد إلى أفتك العرب وأحزمهم فتدخله أرضك ليعلم وجوه أرضك وعورة قومك ومن أين يؤتون؟! فقال: كيف أصنع وقد وعدت له على نفسي، وانا استحي من رجوعي؟ فقال له السمين الحنفي: انا أكفيك قيسا، وهو رجل حازم متوثق لا يقبل إلا الوثيقة، فلما اصبح قيس غدا عليه، ولقيه السمين فقال: انك على خير وليست عليك عجلة، فلما رأى ذلك قي ومر على جمجمة بالية فضربها برجله ثم قال: رب خسف قد أقرت به هذه الجمجمة مخافة مثل هذا اليوم، وما أراها وألت منه وان مثلاي لا يرضى

إلا القوي من الأمر، فلما لم ير ما يحب احتمل فلحق ببني عامر بن صعصعة، فنزل هو وقومه على بني شكل، وهم بنو اختهم، وبنو شكل هم من بني الحريش ابن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وكانت أمهم عبسية، فجاوروهم، فكانوا يرون عليهم أثرة وسوء جوار وأشياء تريبهم، ويستخفون بهم، فقال نابغة بني ذبيان:

لحا الله عبساً عبس آل بغيضكلحي الكلاب العاويات وقد فعل
فأصبحتم والله يفعل ذاكميعزكم مولى مواليكم شكل

إذا شاء منهم ناشىء دربخت له ... لطيفة طي البطن رابية الكفل دربخت المرأة: أي جبت له وخضعت وقامت على أربع حتى يأتيها.

فمكثوا مع بني عامر، يتجنون عليهم ويرون منهم ما يكرهون، حتى غزتهم بنو أسد ومن تبعهم من بني حنظلة يوم جبلة، فأصابوا يومئذ زبان بن بدر فكانوا معهم ما شاء لله.

ثم إن رجلاً من الضباب أسرته بنو عبد الله بن غطفان والضبابي هو اخو الحنبص فدفعه الذي أسره إلى رجل من أهل تيماء يهودي، فاتهمه اليهودي بامرأته فخصاه، فقال الحنبص الضبابي لقيس بن زهير: أد إلينا ديته، فإن مواليك بني عبد الله بن غطفان أصابوا صاحبنا، وهم حلفاء بني عبس، فقال: ما كنا لنفعل، فقال: والله لو أصابه مر الريح لوديتموه، فقال قيس بن زهير في ذلك:

لحا الله قوما أرشوا الحرب بينناسقونا بها مراً من الشرب آجنا
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «لحا الله قوما أرشوا الحرب بيننا»
وحرملة الناهيهم عن قتالناوما دهره ألا يكون مطاعنا
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «لحا الله قوما أرشوا الحرب بيننا»
أكلف ذا الخصيين إن كان ظالماًوإن كان مظلوماً وإن كان شاطنا
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «لحا الله قوما أرشوا الحرب بيننا»
خصاه امرؤ من أهل تيماء طابنولا يعدم الإنسى والجن طابنا
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «لحا الله قوما أرشوا الحرب بيننا»
فهلا بني ذبيان وسط بيوتهمرهنت بمر الريح إن كنت راهنا
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «لحا الله قوما أرشوا الحرب بيننا»
وخالستهم حقي خلال بيوتهموإن كنت ألقى من رجال ضغائنا
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «لحا الله قوما أرشوا الحرب بيننا»
إذا قلت قد أفلت من شر حنبصلقيت بأخرى حنبصاً متباطناً
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «لحا الله قوما أرشوا الحرب بيننا»

فقد جعلت أكبادنا تجتويهم ... كما يجتوي سوق العضاه الكرازنا العضاة: كل شجر له شوك، والكرازن: المعاول، الواحد كرزين.

تدروننا بالمنكرات كأنماتدرون ولدانا ترمي الرهادنا تدروننا: تختلوننا، والرهادن: جمع رهدن وهو شبيه بالعصفور

فقال النابغة الذبياني جواباً لقيس:

ابك بكاء النساء إنك لنتهبط أرضاً تحبها أبدا

نحن وهبناك للحريش وقد ... جاوزت في الحي جعفرا عددا وأغار قرواش بن هني العبسي - وبنو عبس يومئذ في بني عامر - على بني فزارة، فأخذه أحد بني العشراء - الأخرم بن سيار أو قطبة بن سيار بن عمرو بن جابر بن عقيل بن هلال بن سمي بن مازن بن فزارة - أخذه تحت الليل، فقالوا له: من أنت؟ فقال: رجل من بني البكاء، فعرفت كلامه فتاة من بني مازن، وكانت ناكحاً في بني عبس، فقالت: أبا شريح أما والله لنعم مأوى الأضياف وفارس

الخيل أنت، فقالوا له: ومن أنت؟ قال: قرواش بن هني، فدفعوه إلى بني بدر فقتلوه، وكان قتل حذيفة، ويزعم بعض الناس أنهم دفعوه إلى بني سبيع فقتلوه بمالك بن سبيع، وكان قتل مالك بن سبيع الحكم بن مروان بن زنباغ فقال نهيكة ابن الحارث من بني مازن بن فزارة:

صبرأ بغيض بن ريث إنها رحمقطعتموها أناختكم بجعجاع
فما أشطت سمي أن هم قتلوابني أسيد بقتلى آل زنباع
للشاعر نهيكة الفزاري، اقرأ القصيدة
لقد جزتكم بنو ذبيان ضاحيةبما فعلتم ككيل الصاع بالصاع
للشاعر نهيكة الفزاري، اقرأ القصيدة
قتلاً بقتل وتعقيراً بعقركممهلاً حميض فلا يسعى بها الساعي وقال في ذلك عنترة:
هديكم خير أباً من أبيكمأعف وأوفى بالجوار وأحمدُ
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هديكم خير أبا من أبيكم»
وأحمى لدى الهيجا إذا الخيل صدهاغداة الصياح السمهري المقصد
فهلا وفي الفوغاء عمرو بن جابربذمته وابن اللقيطة عصيد
سيأتيكم مني وإن كنت نائياًدخان العلندى حول بيتي مذود
قصائد من بز امرىء يجتديكموانتم بجسم فارتدوا وتقلدوا أي يطلب منكم الثأر

وقال قيس بن زهير:

مالي أرى إبلي تحن كأنها ... نوح تجاوب موهناً أعشارا نوح: نساء ينحن، والأعشار: جمع عشر وهو إن يرد الماء في اليوم التاسع، وهذا مثل، والموهن: بعد صدر من الليل.

لن تهبطي أبداً جنوب مويسلوقنا قراقرتين فالأمرارا
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «مالي أرى إبلي تحل كأنها»
أجهلت من قوم هرقت دماؤهمبيدي ولم أدهم بجنب تعارا
إن الهوادة لا هوادة بينناإلا التجاهد فاجهدن فزارا
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «مالي أرى إبلي تحل كأنها»
إلا التزاور فوق كل مقلصيهدي الجياد إذا الخميس أغارا
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «مالي أرى إبلي تحل كأنها»
فلا هبطن الخيل حر بلادكملحق الأياطل تنبذ الأمهارا

حتى تزور بلادكم وتروا بها ... منكم ملاحم تخشع الأبصارا وقال قيس بن زهير في مالك بن زهير بن بدر:

أخي والله خير من أخيكمإذا ما لم يجد بطل مقاما
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «أخي والله خير من أخيكم»
أخي والله خير من أخيكمإذا ما لم يجد راع مساما
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «أخي والله خير من أخيكم»
أخي والله خير من أخيكمإذا الخفرات أبدين الخداما
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «أخي والله خير من أخيكم»
قتلت به أخاك وخير سعدفان حربا حذيف وإن سلاما
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «أخي والله خير من أخيكم»
ترد الحرب ثعلبة بن سعدبحمد الله يرعون البهاما
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «أخي والله خير من أخيكم»
وكيف تقول صبر بني حجانإذا غرضوا ولم يجدوا مقاما
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «أخي والله خير من أخيكم»
وتغني مرة الأثرين عناعروج الشاء تتركهم قياما
للشاعر قيس بن زهير، من قصيدة «أخي والله خير من أخيكم»
ولولا آل مرة قد رأيتمنواصيهن ينضون القتاما وقال نابغة بني ذبيان:
أبلغ بني ذبيان أن لا أخا لهمبعبس إذا حلوا الدماخ فأظلما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أبلغ بني ذبيان أن لا أخا لهم»
بجمع كلون الأعبل الجون لونهترى في نواحيه زهيراً وحذيما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أبلغ بني ذبيان أن لا أخا لهم»

هم يردون الموت عند لقائه ... إذا كان ورد الموت لا بد أكرما ثم إن بني عبس ارتحلوا عن بني عامر، فساروا يريدون بني تغلب، فأرسلوا إليهم أن أرسلوا إلينا وفداً فأرسلت إليهم بنو تغلب بستة عشر راكباً منهم ابن الخمس التغلبي قاتل الحارث بن ظالم، وفرح بهم بنو تغلب وأعجبهم ذلك. فلما أتى الوفد بني عبس قال قيس: انتسبوا نعرفكم، فانتسبوا، حتى مر بابن الخمس، فقال قيس: أن زماناً أمنتنا فيه لزمان سوء، قال ابن الخمس: وما أخاف منك، فو الله لأنت اذل من قراد بمنسم ناقتي فقتله قيس، وإنما يقتله بالحارث بن ظالم، لأن الحارث كان قتل بزهير بن جذيمة خالد بن جعفر بن كلاب، فلما رأى ذلك قيس قال: يا بني عبس ارجعوا إلى قومكم فهم خير أناس لكم فصالحوهم، فأما أنا فلا أجاور بيتاً غطفانياً أبداً، فلحق بعمان فهلك بها. ورجع الربيع وبنو عبس، فقال الربيع بن زياد في ذلك:

حرق قيس علي البلادحتى إذا استعرت أجذما أجذم: ذهب، ويقال أنه لمجذام الركض إذا أسرع
جنية حرب جناها فماتفرج عنه وما أسلما
للشاعر الربيع بن زياد العبسي، من قصيدة «حرق قيس علي البلاد»

عشية يردف آل الرباب ... يعجل بالركض أن يلجما في نسخة غداة بآل الرباب، والرباب امرأة يعشقها قيس بن زهير.

ونحن فوارس يوم الهريرإذ تسلم الشفتان الفما
عطفنا وراءك أفراسناوقد مال سرجك فاستقدما
للشاعر الربيع بن زياد العبسي، من قصيدة «حرق قيس علي البلاد»

إذا نفرت من بياض السيوف ... قلنا لها أقدمي مقدما ولما انصرف الربيع - وكان يسمى الكامل - أتى بني ذبيان ومعه ناس من بني عبس، فأتى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، فوقفوا عليه فقالوا له: هل أحسست لنا الحارث بن عوف - وهو يعالج نحياً له - فقال: هو في أهله، ثم رجعوا وقد لبس ثيابه، فقالوا: ما رأينا كاليوم قط مركوباً إليه قال: ومن أنتم، قالوا: بنو عبس ركبان الموت، قال: بل أنتم ركبان السلم والحياة، مرحباً بكم، لا تنزلوا حتى لا تأتوا حصن بن حذيفة، قالوا: أنأتي غلاماً حديث السن قد قتلنا أباه وأعمامه ولم نره قط؟! قال الحارث: نعم إن الفتى حليم وأنه لا صلح حتى يرضى، فأتوه عند طعامه ولم يكن رآهم، فلما رآهم عرفهم، قال: هؤلاء بنو عبس، فلما أتوه حيوه فقال: من انتم قالوا: ركبان الموت، فحياهم وقال: بل أنتم ركبان السلم والحياة، إن تكونوا احتجتم إلى قومكم فقد احتاج قومكم إليكم، هل أتيتم سيدنا الحارث بن عوف، قالوا: لم ناته، وكتموه اتيانهم إياه، فقال: فأتوه، فقالوا: ما نحن ببارحيك حتى تنطلق معنا، فخرج يضرب أوراك أباعرهم قبله حتى أتوه، فلما اتوه حلف عليه حصن: هل أتوك قبلي، قال: نعم، قال: فقم بين عشيرتك فإني معينك بما أحببت، قال الحارث: أفأدعو معي خارجة بن سنان؟ قال نعم، فلما اجتمعنا قلا لحصن: اتجيرنا من خصلتين: من الغدر بهم والخذلان لنا؟ قال: نعم، فقاما بينهما فباءوا بين القتلى، وأخرجا لبني ثعلبة بن سعد الف ناقة أعانهما فيها حصن بخمسمائة ناقة.

وزعموا أنه لما اصطلح الناس، وكان حصين بن ضمضم المري قد حلف

لا يمس غسلاً حتى يقتل بأخيه هرم بن ضمضم الذي قتله ورد بن حابس العبسي، فأقبل رجل من بني عبس يقال له ربيعة بن وهب الحارث بن عدي بن بجاد، وأمه امرأة من بني فزارة، يريد أخواله، فلقي حصين بن ضمضم فقتله بأخيه، فقال حيان بن حصن أحد بني مخزوم بن مالك بن قطيعة بن عبس:

سالم الله من تبرأ من غي؟ظٍ وولى أثامها يربوعا
قتلونا بعد المواثيق بالسح؟م تراهن في الدماء كروعا

إن تعيدوا حرب القليب علينا ... تجدوا أمرنا أحذ جميعا فلما بلغ فزارة قتل حصين بن ضمضم ربيعة بن وهب غضبوا، وغضب حصن في قتل ابن اختهم، وفيما كان من عقد حصن لبني عبس، وغضبت بنو عبس فأرسل اليهم الحارث بابنه فقال: اللبن أحب إليكم أم انفسكم - يعني ابنه - يقول: إن شئتم فاقتلوه وان شئتم فالدية، قالوا: بل اللبن، فأرسل اليهم بمائة من الابل دية ربيعة بن وهب فقبلوا الدية وتموا على الصلح، فقال في ذلك شييم بن خويلد الفزاري:

حلت أمامة بطن التين فالرقماواحتل أهلك أرضاً تنبت الرتما
للشاعر شتيم بن خويلد الفزاري، اقرأ القصيدة
من ذات شك إلى الأعراج من إضمٍوما تذكره من عاشق أمما
للشاعر شتيم بن خويلد الفزاري، اقرأ القصيدة
هم بعيد وشأو غير مؤتلفإلا بمزؤودة لا تشتكي السأما
للشاعر شتيم بن خويلد الفزاري، اقرأ القصيدة
أنضيتها من ضحاها أو عشيتهافي مستتب يشق البيد والاكما
للشاعر شتيم بن خويلد الفزاري، اقرأ القصيدة
سمعت أصوات كدري الفراخ بهمثل الأعاجم تغشي المهرق القلما
للشاعر شتيم بن خويلد الفزاري، اقرأ القصيدة
يا قومنا لا تعرونا بمظلمةيا قومنا واذكروا الآلاء والذمما
في جاركم وابنكم إذ كان مقتلهشنعاء شيبت الأصداغ واللمما
للشاعر معاوية بن أبي سفيان، اقرأ القصيدة
عي المسود بها والسائدونولم يوجد لها غيرنا مولى ولا حكما
للشاعر شتيم بن خويلد الفزاري، اقرأ القصيدة

كنا بها بعدما طيخت عروضهم ... كالهبرقية ينفي ليطها الدسما أي ينقطر منها الدم، طيخت: دنست، والطيخ الفساد، والهبرقية السيوف والهبرقي: الحداد، أراد كالسيوف التي تشن الدم، والليط: اللون، ليط الإنسان: جلده ولونه.

إني وحصناً كذي الأنف المقول له ... ما منك أنفك إن أعضضته الجلما أي لا أستغني أنا عن حصن كما لا يستغنى عن الأنف.

أإن أجار عليكم لا أبا لكمحصن تقطر آفاق السماء دما
للشاعر شتيم بن خويلد الفزاري، اقرأ القصيدة

أدوا ذمامة حصن أو خذوا بيد ... حرباً تحش الوقود الجزل والضرما الضرم: صغار الحطب، أي أعطوا الرضى بدية او غيرها او ائذنوا بحرب. وقال في ذلك عبد قيس بن بجرة أخو بني شمخ بن فزارة، وهو ابن عنقاء، يعتذر عن حصين بن ضمضم المري:

إن تأت عبس وتنصرها عشيرتهافليس جار ابن يربوع بمخذول
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة
كلا الفريقين أغنى قتل صاحبههذا القتيل بميت أمس مطلول
باءت عرار بكحل والرفاق معاًفلا تمنوا أماني الأضاليل
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة

وعرار: مثل حذام وقطام، أي اتفقوا واصطلحوا، وعرار وكحل، ثور وبقرة كانا في سبطين من بني اسرائيل، فقعر كحل فقعرت به عرار، فوقع الشر بينهم حتى كادوا أن يتفانوا - فضربت العرب بهما مثلاً.

وقال زهير بن أبي سلمى يذكر الحارث بن عوف وخارجة بن سنان وحملهما ما حملا من دماء بني عبس وبني ذبيان:

لعمري لنعم السيدان وجدتماعلى كل حال من سحيل ومبرم إلى آخر القصيدة

وزعموا أن بني مرة وبني فزارة لما اصطلحوا وباءوا بين القتلى أقبلوا يسيرون حتى نزلوا على ماء يقال له قلهى، وعليه بنو ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فقالت بنو مرة وبنو فزارة لبني ثعلبة: اعرضوا عن بني عبس فقد باءونا بعض القتلى ببعض، فقالت بنو ثعلبة: كيف تباؤون بعبد العزى بن حذار ومالك بن سبيع؟ أتهدرونهما وهما سيدا قيس؟ فو الله لا نسم هذا بأنوفنا، فمنعوهم الماء حتى كادوا يموتون عطشاً. فلما رأوا ذلك أعطوهم الدية، ويزعمون إنها كانت أول الحمالة. فقال في ذلك معقل بن عوف بن سبيع الثعلبي:

لنعم الحي ثعلبة بن سعدإذا ما القوم عضهم الحديد
للشاعر معقل الثعلبي، اقرأ القصيدة
هم ردوا القبائل من بغيضٍبغيظهم وقد حمي الوقود
للشاعر معقل الثعلبي، اقرأ القصيدة
تطل دماؤهم والفضل فيناعلى قلهى ونحكم ما نريد وقال الربيع بن زياد في حرب داحس:
إن تك حربكم أمست عواناًفإني لم أكن ممن جناها
ولكن ولد سودة أرثوهاوحشوا نارها لمن اصطلاها
للشاعر الربيع بن زياد العبسي، من قصيدة «فإن تك حربكم أمست عواناً»

فإني لست خاذلكم ولكن ... سأشفي الآن إذ بلغت إناها ولد سودة: حذيفة وإخوته الخمسة، أمهم سودة بنت نضلة بن عمير بن جرية.

وقال عنترة بن شداد بن معاوية:

سائل عميرة حين اجلب جمعهاعند الحروب باي حي تلحق
أبحي قيس ام بعذرة بعدمارفع اللواء لها وبئس المحلق
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «سائلْ عميرة َ حيثُ حلت جمعها»
وأسأل حذيفة حين أرش بينناحرباً ذوأبها بموت تخفق
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «سائل عميرة حيث حلت جمعه»

فلتعلمن اذا التقت فرساننا ... بلوى النجيرة أن ظنك أحمق فهذا ما كان من حديث داحس. وبلغنا إن الحرب التي كانت فيه أربعون سنة، وصار داحس مثلا ويقال: أشأم من داحس.

وقال بشير بن أبي العبسي:

إن الرباط النكد من آل داحسٍجرين فلم يفلحن يوم رهان
فسببن بعد الله مقتل مالكٍوغربن قيساً من وراء عمان
ويمنع منك السبق إن كنت سابقاًوتلطم إن زلت بك القدمان
لطمن على ذات الإصاد وجمعهميرون الأذى من ذلة وهوان تم حديث داحس والحمد لله رب العالمين

-

-

وكان من حديث بيهس أنه كان رجلاً من بني غراب بن فزارة بن ذبيان بن بغيض وكان من سابع سبعة إخوة، فأغار عليهم ناس من أشجع وبينهم حرب، وهم في إبلهم، فقتلوا ستةً وبقي بيهس، وكان يحمق، وكان أصغرهم، فأرادوا قتله ثم قالوا: ما تريدون من قتل هذا يحسب عليكم برجل ولا خير فيه، فتركوه فقال: دعوني أتوصل معكم إلى أهلي فانكم إن تركتموني وحدي أكلتني السباع وقتلني العطش، ففعلوا فاقبل معهم، فلما كان في الغد نزلوا فنحروا جزوراً في يوم شديد الحر فقالوا: اظلوا لحم جزوركم لا يفسد، فقال بيهس: لكن بالأثلات لحماً لا يظلل فقالوا: إنه لمنكر وهموا إن يقتلوه، ثم تركوه ففارقهم حتى انشعب له طريق أهله فأتى أمه فأخبرها الخبر فقالت: ما جاءني بك من بين إخوتك؟ فقال لو خيرك القوم لاخترت، فأرسلها مثلاً. ثم إن أمه عطفت عليه ورقت فقال الناس: احبت ام بيهس بيهساً ورقت له، فقال بيهس: ثكل أرأمها ولداً فأرسلها

مثلاً. ثم جعلت تعطيه ثياب إخوته ومتاعهم يلبسها فقال يا حبذا التراث لولا الذلة، فأرسلها مثلاً.

وقال حبيب بن عيسى لما اراد بيهس أن يمضي عنهم قال بضهم: كيف يأتي هذا الشقي أهله بغير خفير؟ فقال لهم بيهس: دعوني فكفى بالليل خفيراً فأرسلها مثلاً. ثم أتى على ذلك ما شاء الله، ثم إنه مر على نسوة من قومه يصلحن امرأة منهن يردن أن يهدينها لبعض القوم الذين قتلوا إخوته فكشف ثوبه عن استه وغطى به راسه، فقلن: ويحك اي شيء تصنع؟ فقال:

البس لكل حالة لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها فأرسلها مثلاً، فلما أتى على ذلك ما شاء الله جعل يتتبع قتلة إخوته فيقتلهم ويتقصاهم حتى قتل منهم ناساً فقال بيهس:

يا لها من مهجة يا لهاأني لها الطعم والسلامه
قد قتل القوم إخوانهافي كل وادً زقاء هامه
للشاعر بيهس الفزاري، من قصيدة «يا لها نفساً يا لها»
لأطرقنهم وهم نيامفأبركن بركة النعمامه
قابض رجل وباسط أخرىوالسيف أقدمه امامه نعامة: هو بيهس، لقب بنعامة لقوله: فأبركن بركة النعامة

ثم أخبر أن ناساً من أشجع في غار يشربون فيه، فانطلق بخالٍ له يكنى أبا

حشر فقال له: هل لك في غار فيه ظباء لعلنا نصيب منهن؟ قال: نعم، فانطلق بيهس باي حشر حتى إذا قام على باب الغار دفع خاله في الغار فقال: ضرباً أبا حشر، فقال بعضهم: إن أبا حشر لبطل، فقال أبو حشر: مكره أخوك لا بطل فأرسلها مثلاً، فكان بيهس مثلاً في العرب، قال المتلمس:

ومن حذر الأيام ما حز انفهقصير ورام الموت بالسيف بيهس
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
نعامة لما صرع القوم رهطهتبين في أثوابه كيف يلبس وأول هذه الأبيات:
وما الناس إلا ما رأوا وتحدثواوما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»

فلا تقبلن ضيماً مخافة ميتة ... وموتن بها حراً وجلدك أملس ومن حذر الأيام ... الخ. ... وقال بعض الشعراء من بني تغلب وهو أبو اللحام:

لقمان منتصراً وقس ناطقاًولأنت أجرأ صولةً من بيهس
للشاعر أبو اللحام التغلبي، من قصيدة «أيئست من أسماء أم لم تيأس»

يريد بها الأسد ههنا وهذا البيت غلط من المفضل لان بيهساً هو الأسد وليس ببيهس الذي يلقب بنعامة، ويدلك على ذلك البيت الذي بعده وهو لأبي اللحام التغلبي يمدح عباد بن عمرو بن كلثوم:

يقص السباع كأن فحلاً فوقه ... ضخم مذمره شديد الافحس كان قس بن ساعدة من إياد مفوها ناطقاً فوقف بسوق عكاظ على جمل له أحمر فقال: أيها الناس اجتمعوا ثم اسمعوا وعوا، كل من عاش مات، وكل من مات فات، وكل ما هو آت آت، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لمعتبرا، نجوم تمور، وبحار لا تبور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، ما للناس يذهبون ثم لا يرجعون، أرضوا فأقاموا أم تركوا فناموا، يحلف بالله قس بن ساعدة إن الله لديناً احب اليه مما نحن فيه.

-

-

زعموا أن رجلاً من بني عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم يقال له عياض ابن ديهث أورد إبله على ماء، فصادف عليه رعاء الحارث بن ظالم المري - مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان - فأدلى عياض بن ديهث دلوه ليسقي ماشيته، فقصر رشاؤه واستعار بعض أرشية رعاء الحارث بن ظالم فأعاروه حتى سقى إبله، ثم أصدرها، فلقيه بعض حشم النعمان فأخذ أهله وماله، فنادى يا حار يا حاراه، فركب الحارث حتى أتى النعمان، وقد كان لقي عياضاً قبل ذلك، فقال له: ويلك ومتى أجرتك؟ قال: فاني

عقدت رشائي برشاء رعائك فسقيت إبلي، وأخذت ذلك الماء في بطونها، فقال له الحارث: إن في هذا لجواراً ثم اتى النعمان فقال: أبيت اللعن، إنك أخذت إبل جاري وأهله وولده، فقال النعمان: أفلا تشدما وهي من أديمك أول - يعني قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفر وهو جار للأسود بن المنذر بن ماء السماء أخي النعمان.

ثم إن النعمان أوعد الحارث وعيداً شديداً فقال له الحارث: هل تعدون الحيلة الى نفسي، فأرسلها مثلاً، أي هل تريد بحيلتك أن تقتلني، هذا غايتك، يريد هل يكون شيء بعد الموت. ثم انصرف تدبر النعمان كلمته فندم على تركه، ثم طلبه فلم يجده.

وكانت سلمى بنت ظالم أخت الحارث تحت سنان بن أبي حارثة بن نشبة بن غيظ بن مرة، وكان النعمان قد دفع الى سنان ابن أبي حارثة ابناً له يكون عنده، فجاء الحارث إلى أخنه فقال: إن سناناً يقول لك: زيني ابن النعمان حتى آتي به أباه لعله يصنع إلينا خيراً، ففعلت، فانطلق به الحارث فضرب عنقه، ثم هرب فلحق بمكة، وكان رد على ابن ديهث بعض ما أخذ منه، فقال الحارث بن ظالم:

قفا فاسمعا اخبركما إذ سألتما ... محارب مولاه وثكلان نادم مولاه: ابن عمه، أي إنا نحارب ابن عمي سنان بن أبي حارثة الذي كان عنده ابن النعمان.

فأقسم لولا من تعرض دونهلخالطه ما في الحديدة صارم
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «قفا فاسمعا أخبركما إذا سألتما»
حسبت أبا قابوس أنك فائزولما تذق ذلا وأنفك راغم
فان تك أذواد أصبن ونسوةفهذا ابن سلمى رأسه متفاقم
علوت بذي الحيات مفرق رأسهولا يركب المكروه لولا الاكارم
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «قفا فاسمعا أخبركما إذا سألتما»
فتكت به كما فتكت بخالدٍوكان سلاحي تجتويه الجماجم
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «قفا فاسمعا أخبركما إذا سألتما»
أخصي حمار ظل يكدم نجمةًأيؤكل جيراني وجارك سالم
بدأت بيتك وانثنيت بهذهوثالثة تبيض منها المقادم وقال الفرذدق يذكر ذلك:
كما كان أوفى اذ ينادي ابن ديهثوصرمته كالمغنم المنتهب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمري لقد أوفى وزاد وفاؤه»
فقام أبو ليلى إليه ابن ظالموكان متى ما يسلل السيف يضرب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمري لقد أوفى وزاد وفاؤه»

وما كان جاراً غير دلوً تعلقت ... بحبليه في مستحصد العقد مكرب مكرب: مشدود، وعقد الحبل على عراقي الدلو يقال له الكرب، ويقال للرجل اكرب دلوك.

وقال الفرذدق:

أعوذ ببشر والمعلى كلاهمابني مالك أوفى جواراً وأكرم
من الحارث المنجي عياض بن ديهثفرد أبو ليلى له وهو أظلم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «حلفت برب الجاريات إذا جرت»
وما كان جاراً غير دلو تعلقتبعقد رشاء عقده لا يجذم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «حلفت برب الجاريات إذا جرت»
فرد أخا عمرو بن مسعود ذودهجميعاً وهن المغنم المتقسم فأتى على ذلك ما شاء الله

ثم أن الحارث قدم الحيرة فأخذ فأتى به النعمان فأمر به ابن الخمس التغلبي فضرب عنقه.

-

-

زعموا أن الرجلين من أهل هجر أخوين ركب أحدهما ناقة صعبة، وكانت العرب تحمق أهل هجر، وان الناقة ندت، ومع الذي لم يركب منهما قوس ونبل، واسمه هنين، فناداه الراكب منهما: يا هنين أنزلني عنها ولو بأحد المغروين - يعني سهمه - فرماه أخوه فصرعه فمات فذهب قوله: ولو بأحد المغروين مثلاً.

-

-

زعموا أن رجلاً شاباً غزلاً خرج يطلب حمارين لأهله فمر على امرأة متنقبة جميلة في النقاب، فقعد بحذائها وترك طلب الحمارين، وشغله ما سمع من حسن حديثها وما رأى من جمالها في النقاب، فلما سفرت عن وجهها إذا لها أسنان مكفهرة منكرة مختلفة، فلما رآها ذكر حماريه فقال: ذكرني فوك حماري أهلي فذهب قوله مثلاً.

-

-

زعموا أن رجلاً في الجاهلية كانت له فرس مرببة معلمة قد تألفه وعرفته فبعثه قومه طليعة فمر بروضة فأعجبته، وهو لا يدري أن العدو قريب منه، فنزل فخلع لجام فرسه وخلى عنها ترعى، فبينا هو على ذلك إذ طلعت عليه خيل العدو دواس - أي يتبع بعضهم بعضاً - فأخذوه، وطلبوا الفرس فسبقتهم، فلم يقدروا عليها، فتعجبوا منها ومن جودتها فقالوا: إن دفعتها إلينا فأنت آمن وإلا قتلناك، فظن الرجل أنهم قاتلوه إن لم يفد نفسه، فدعاها فجاءت فقال: عرفتني نسأها الله أي أخرها وزاد في أجلها، فصار مثلاً.

-

-

وزعموا أن قوماً كانوا في جزيرة من جزائر البحر في الدهر الأول ودونها خليج من البحر، فأتاها قوم يريدون أن يعبروها فلم يجدوا معبراً، فجعلوا ينفخون أسقيتهم ثم يعبرون عليها، فعمد رجل منهم فأقل النفخ وأضعف الربط، فلما توسط الماء جعلت الريح تخرج حتى لم يبق في السقاء شيء، وغشية الموت فنادى رجلاً من أصحابه أن يا فلان إني قد هلكت. فقال: ما ذنبي يداك أوكتا وفوك نفخ فذهب قوله مثلاً.

اوكيت رأس السقاء إذا شددته وقال بعض الشعراء:

دعاؤك حذر البحر أنت نفختهبفيك وأوكته يداك لتسبحا

-

-

زعموا أن شيخاً كانت تحته امراة شابة، فكانت تراه إذا أراد أن ينتعل قعد فانتعل، وكانت ترى الشبان ينتعلون قياماً؛ فقالت يا حبذا المنتعلون قياماً فسمع ذلك منها فذهب ينتعل قائماً فضرط وهي تسمع فقالت: إذا رمت الباطل أنجح بك اي غلبك، فأرسلتها مثلاً.

-

-

زعموا أن الحارث بن أبي شمر الغساني سأل أنس ابن الحجيرة عن بعض الأمر فأخبره به فلطمه فقال: ذل لو أجد ناصراً ثم قال: الطموه، فقال أنس: لو نهي عن الأولى لم يعد للآخرة، فأرسلها مثلاً فقال زيدوه فقال أنس أيها الملك ملكت فأسجح، فأرسلها مثلاً. فأمر أن يكف عنه.

-

-

زعموا أن قوماً شردت إبل بني صحار بن وهب بن قيس بن طريف وهو اخو الطماح بن عمرو بن قعين، حتى وقعت في بلاد بني عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان، فركب الجميح - وهو منقذ ابن الطماح بن قيس - في طلب الابل حتى وقع في بلاد بني مرة، قال: فانتهيت إلى بيت عظيم فأنخت إليه ووضعت رحلي عنده في عشية متغيمة، فإذا في البيت

الذي انخت بفنائه رجل شاب مضاجع ربة البيت، قد غلبته عينه فنام، فحسبته رب هذا البيت، فلم ألبث إلا قليلاً حتى راح الشاء فحبست في العطن، ثم راحت الابل وفيها أفراس ومعها رعاؤها، فحسبت في العطن، ثم طلع رجل على فرس يصهل فارتاحت له الخيل، وارتاحت العبيد لذلك، وجاء حتى وقف عليهم فقال: ماذا كم السواد بفناء البيت؟ قالوا: ضيف، فلما رأيت ذلك عرفت أنه رب البيت، وان الفتى ليس منها في شيء، فدخلت البيت فاحتملت الفتى حتى أبرزته من وراء البيت، فاستيقظ بي فقال: أما أنت فقد أنعمت علي فمن أنت؟ فقلت: أنا منقذ بن الطماح، قال: أو في الابل جئت؟ قلت: نعم، فقال: أدركت، امكث ليلتك هذه عند صاحب رحلك، فإذا اصبحت فأت ذاك العلم الذي ترى فقف عليه ثم ناديا صباحاه فإذا اجتمع إليك الناس فإني سآتيك على فرس ذنوب بين بردين، فأعرض لك الفرس مرتين حتى تثب عليه، فإذا فعلت ذلك فثب خلفي ثم ناد يا حار يا حار المخاض، فإنك إذا فعلت ذلك أدركت قال وإذا هو الحارث بن الظالم فلما أصبحت فعلت الذي أمرني به، فناديت يا صباحاه، فأتاني الناس حتى جاءني آخر من جاء، فعرض لي فرسه فوثبت عليه فإذا أنا خلفه، فقلت يا حار يا حار المخاض، فأجارني وحولت رحلي إليه، فمكثت عنده أياماً لا يصنع شيئاً، ثم قال: سبني يغضب لحمى فقلت: لا أسبك أبداً، قال: فقل قولاً يعذرني به قومي، قال: فمكث حتى إذا أوردوا النعم جعلت أسقي وأرتجز فقلت - وكانت في الابل الذي ذهبت ناقة يقال لها اللفاع:

إني سمعت حنة اللفاعفي النعم المقسم الأوزاع
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «إني سمعت حنّة اللفاع»
ناقة ما وليدة جياعأما إذا أجدبت المراعي
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «إني سمعت حنّة اللفاع»
فإنها تحلب في المجاعأما إذا أخصبت المراعي
فإنها نهي من النقاعفادعي أبا ليلى ولا تراعي
للشاعر الجميح الأسدي، من قصيدة «إني سمعتُ حنة اللفاع»
ذلك راعيك فنعم الراعيإلا يكن قام عليه ناعي
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «إني سمعت حنّة اللفاع»

لا تؤكلي العام ولا تضاعي ... منتطقاً بصارم قطاع يفري به مجامع الصداع ... فلما سمع بذلك الحارث - وكان يكنى أبا ليلى - أقبل يسعى مخترطاً سيفه فقال:

هل يخرجن ذودك ضرب تشذيب ... ونسب في الحي غير مأشوب هذا أواني وأوان المعلوب ... ثم نادى الحارث: من كان عنده من هذه الابل شيء فلا يصدرن بشيء من ذمتنا حتى يردها، قال: فردت جميعاً مكانها غير الناقة التي يقال لها اللفاع، فانطلق وانطلقت معه نطوف عليها، فوجدناها مع رجلين يحلبانها فقال لهما الحارث: خليا عنها فليست لكما، فضرط البائن منهما - البائن: الذي يقف من جانب الحلوبة الأيمن، ويقال للحالبين البائن والمستعلي، والمستعلي الذي من جانب الناقة الأيسر - فقال المستعلي: والله ما هي لكما، فقال الحارث: است البائن اعلم فأرسلها مثلاً ورد الابل على الجميع فانصرف بها.

النص من طبعة دار الرائد العربي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمثال العرب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.