تجاوز إلى المحتوى

من «أسرار البلاغة» لعبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١هـ)

المقصد

واعلم أن غرضي في هذا الكلام الذي ابتدأته، والأساس الذي وضعته، أن أتوصّل إلى بيان أمر المعاني كيف تختلف وتتفق، ومن أين تجتمع وتفترق، وأفصل أجناسها وأنواعها، وأتتبّع خاصّها ومشاعها، وأبين أحوالها في كرم منصبها من العقل، وتمكّنها في نصابه، وقرب رحمها منه، أو بعدها حين تنسب عنه، وكونها كالحليف الجاري مجرى النّسب، أو الزّنيم الملصق بالقوم لا يقبلونه، ولا يمتعضون له ولا يذبّون دونه.

وإنّ من الكلام ما هو كما هو شريف في جوهره كالذهب الإبريز الذي تختلف

عليه الصور وتتعاقب عليه الصناعات، وجلّ المعوّل في شرفه على ذاته، وإن كان التصوير قد يزيد في قيمته ويرفع من قدره، ومنه ما هو كالمصنوعات العجيبة من موادّ غير شريفة، فلها، ما دامت الصورة محفوظة عليها لم تنتقض، وأثر الصنعة باقيّا معها لم يبطل قيمة تغلو، ومنزلة تعلو، وللرغبة إليها انصباب، وللنفوس بها إعجاب، حتى إذا خانت الأيام فيها أصحابها، وضامت الحادثات أربابها، وفجعتهم فيها بما يسلب حسنها المكتسب بالصّنعة، وجمالها المستفاد من طريق العرض، فلم يبق إلا المادّة العارية من التصوير، والطّينة الخالية من التشكيل سقطت قيمتها، وانحطت رتبتها، وعادت الرّغبات التي كانت فيها زهدا، وأوسعتها عيون كانت تطمح إليها إعراضا دونها، وصدّا، وصارت كمن أحظاه الجدّ بغير فضل كان يرجع إليه في نفسه، وقدّمه البخت من غير معنى يقضي بتقدّمه، ثم أفاق فيه الدهر عن رقدته، وتنبّه لغلطته، فأعاده إلى دقّة أصله، وقلّة فضله.

وهذا غرض لا ينال على وجهه، وطلبة لا تدرك كما ينبغي، إلا بعد مقدّمات تقدّم، وأصول تمهّد، وأشياء هي كالأدوات فيه حقّها أن تجمع، وضروب من القول هي كالمسافات دونه، يجب أن يسار فيها بالفكر وتقطع.

وأوّل ذلك وأولاه، وأحقّه بأن يستوفيه النظر ويتقصّاه، القول على «التشبيه» و «التمثيل» و «الاستعارة»، فإن هذه أصول كبيرة، كأنّ جلّ محاسن الكلام إن لم نقل: كلّها، متفرّعة عنها، وراجعة إليها، وكأنها أقطاب تدور عليها المعاني في متصرّفاتها، وأقطار تحيط بها من جهاتها، ولا يقنع طالب التحقيق أن يقتصر فيها على أمثلة تذكر،

ونظائر تعدّ، نحو أن يقال: «الاستعارة» مثل قولهم «الفكرة فخّ العمل»، وقوله: وعرّي أفراس الصّبا ورواحله وقوله: «السفر ميزان القوم»، وقول الأعرابي: «كانوا إذا اصطفّوا سفرت بينهم

السهام، وإذا تصافحوا بالسيوف قفز الحمام»، و «التمثيل» كقوله:

فإنك كاللّيل الّذي هو مدركي ويؤتى بأمثلة إذا حقّق النّظر في الأشياء يجمعها الاسم الأعمّ، وينفرد كل منها بخاصّة، من لم يقف عليها كان قصير الهمّة في طلب الحقائق، ضعيف المنّة في البحث عن الدقائق، قليل التّوق إلى معرفة اللطائف، يرضى بالجمل والظواهر، ويرى أن لا يطيل سفر الخاطر، ولعمري إنّ ذلك أروح للنفس، وأقلّ للشّغل، إلا أنّ من طلب الراحة ما يعقب تعبا، ومن اختيار ما تقلّ معه الكلفة ما يفضي إلى أشدّ الكلفة، وذلك أن الأمور التي تلتقي عند الجملة وتتباين لدى التفصيل، وتجتمع في جذم ثم يذهب بها التشعّب ويقسمها قبيلا بعد قبيل، إذا لم تعرف حقيقة الحال في تلاقيها حيث التقت، وافتراقها حيث افترقت، كان قياس من يحكم فيها، إذا توسّط الأمر قياس من أراد الحكم بين رجلين في شرفهما وكرم أصلهما وذهاب عرقهما في الفضل، ليعلم أيّهما أقعد في السؤدد، وأحقّ بالفخر، وأرسخ في أرومة المجد، وهو لا يعرف من نسبتهما أكثر من ولادة الأب الأعلى والجد الأكبر، لجواز أنّ يكون واحد منهما قرشيا أو تميميا، فيكون في العجز عن أن يبرم قضية في معناهما، ويبيّن فضلا أو نقصا في منتماهما في حكم من لا يعلم أكثر من أن كل واحد منهما آدميّ، ذكر، أو خلق مصوّر.

واعلم أن الذي يوجبه ظاهر الأمر، وما يسبق إلى الفكر، أن يبدأ بجملة من القول في «الحقيقة» و «المجاز» ويتبع ذلك القول في «التشبيه» و «التمثيل»، ثم ينسّق ذكر «الاستعارة» عليهما، ويؤتى بها في أثرهما. وذلك أن «المجاز» أعمّ من «الاستعارة»، والواجب في قضايا المراتب أن يبدأ بالعامّ قبل الخاصّ، و «التشبيه» كالأصل في «الاستعارة»، وهي شبيه بالفرع له، أو صورة مقتضبة من صوره إلّا أنّ

هاهنا أمورا اقتضت أن تقع البداية بالاستعارة، وبيان صدر منها، والتنبيه على طريق الانقسام فيها، حتى إذا عرف بعض ما يكشف عن حالها، ويقف على سعة مجالها، عطف عنان الشرح إلى الفصلين الآخرين، فوفّيا حقوقها، وبيّن فروقهما، ثم ينصرف إلى استقصاء الكلام في «الاستعارة».

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أسرار البلاغة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.