تجاوز إلى المحتوى

من «أسرار البلاغة» لعبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١هـ)

القول في التجنيس

أما «التجنيس» فإنك لا تستحسن تجانس اللفظتين إلا إذا كان وقع معنييهما من العقل موقعا حميدا، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيدا، أتراك استضعفت تجنيس أبي تمام في قوله:

ذهبت بمذهبه السّماحة فالتوتفيه الظّنون: أمذهب أم مذهب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لمكاسر الحسن بن وهب أطيب»

واستحسنت تجنيس القائل: حتى نجا من خوفه وما نجا وقول المحدث:

ناظراه فيما جنى ناظراهأو دعاني أمت بما أو دعاني
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «قلت للقلب من دهاك أجبني»

لأمر يرجع إلى اللفظ؟ أم لأنك رأيت الفائدة ضعفت عن الأوّل وقويت في الثاني؟ ورأيتك لم يزدك «بمذهب ومذهب» على أن أسمعك حروفا مكررة، تروم فائدة فلا تجدها إلا مجهولة منكرة، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك كأنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفّاها، فبهذه السريرة

صار «التجنيس» - وخصوصا المستوفى منه المتّفق في الصورة- من حلى الشّعر، ومذكورا في أقسام البديع.

فقد تبين لك أن ما يعطي «التجنيس» من الفضيلة، أمر لم يتمّ إلا بنصرة المعنى، إذ لو كان باللفظ وحده لما كان فيه مستحسن، ولما وجد فيه معيب مستهجن. ولذلك ذمّ الاستكثار منه والولوع به.

وذلك أن المعاني لا تدين في كل موضع لما يجذبها التجنيس إليه، إذ الألفاظ

خدم المعاني والمصرّفة في حكمها، وكانت المعاني هي المالكة سياستها، المستحقّة طاعتها. فمن نصر اللفظ على المعنى كان كمن أزال الشيء عن جهته، وأحاله عن طبيعته، وذلك مظنّة من الاستكراه، وفيه فتح أبواب العيب، والتّعرّض للشّين.

ولهذه الحالة كان كلام المتقدّمين الذين تركوا فضل العناية بالسجع، ولزموا سجيّة الطبع، أمكن في العقول، وأبعد من القلق، وأوضح للمراد، وأفضل عند ذوي التّحصيل، وأسلم من التفاوت، وأكشف عن الأغراض، وأنصر للجهة التي تنحو نحو العقل، وأبعد من التّعمّد الذي هو ضرب من الخداع بالتزويق، والرضى بأن تقع النقيصة في نفس الصّورة. وإنّ الخلقة، إذا أكثر فيها من الوشم والنقش، وأثقل صاحبها بالحلي والوشي، قياس الحلي على السيف الدّدان، والتوسّع في الدعوى بغير برهان، كما قال:

إذا لم تشاهد غير حسن شياتهاوأعضائها فالحسن عنك مغيّب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

وقد تجد في كلام المتأخرين الآن كلاما حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ما له اسم في البديع، إلى أن ينسى أنّه يتكلم ليفهم، ويقول ليبين، ويخيّل إليه أنه إذا جمع بين أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء، وأن يوقع السامع من طلبه في خبط عشواء، وربّما طمس بكثرة ما يتكلّفه على المعنى وأفسده، كمن ثقّل

العروس بأصناف الحلي حتى ينالها من ذلك مكروه في نفسها.

فإن أردت أن تعرف مثالا فيما ذكرت لك، من أن العارفين بجواهر الكلام لا يعرّجون على هذا الفنّ إلا بعد الثقة بسلامة المعنى وصحّته، وإلا حيث يأمنون جناية منه عليه، وانتقاصا له وتعويقا دونه، فانظر إلى خطب الجاحظ في أوائل كتبه هذا- والخطب من شأنها أن يعتمد فيها الأوزان والأسجاع، فإنها تروى وتتناقل تناقل الأشعار، ومحلّها محلّ النسيب والتشبيب من الشعر الذي هو كأنه لا يراد منه إلّا الاحتفال في الصنعة، والدّلالة على مقدار شوط القريحة، والإخبار عن فضل القوة، والاقتدار على التفنّن في الصنعة- قال في أول كتاب الحيوان:

«جنّبك الله الشّبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة سببا، وبين الصدق نسبا، وحبّب إليك التثبّت، وزيّن في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عزّ الحق، وأودع صدرك برد اليقين وطرد عنك ذلّ اليأس، وعرّفك ما في الباطل من الذلّة، وما في الجهل من القلّة».

فقد ترك أوّلا أن يوفّق بين «الشبهة» و «الحيرة» في الإعراب، ولم ير أن يقرن «الخلاف» إلى «الإنصاف»، ويشفع «الحق» «بالصدق»، ولم يعن بأن يطلب «لليأس» قرينة تصل جناحه، وشيئا يكون رديفا له، لأنه رأى التوفيق بين المعاني أحقّ، والموازنة فيها أحسن، ورأى العناية بها حتى تكون إخوة من أب وأمّ؛ ويذرها على ذلك تتّفق

بالوداد، على حسب اتّفاقها بالميلاد، أولى من أن يدعها، لنصرة السجع وطلب الوزن، أولاد علّة، عسى أن لا يوجد بينها وفاق إلا في الظواهر، فأما أن يتعدّى ذلك إلى الضمائر، ويخلص إلى العقائد والسّرائر، ففي الأقلّ النادر.

وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيسا مقبولا، ولا سجعا حسنا، حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه، وحتى تجده لا تبتغي به بدلا، ولا تجد عنه حولا، ومن هاهنا كان أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه، وأحقّه بالحسن وأولاه، ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه، وتأهّب لطلبه، أو ما هو- لحسن ملاءمته، وإن كان مطلوبا- بهذه المنزلة وفي هذه الصورة، وذلك كما يمثّلون به أبدا من قول الشافعي رحمه الله تعالى وقد سئل عن النّبيذ فقال: «أجمع

أهل الحرمين على تحريمه». ومما تجده كذلك قول البحتري:

يعشى عن المجد الغبيّ ولن ترىفي سؤدد أربا لغير أريب
للشاعر البحتري، من قصيدة «كم بالكثيب من اعتراض كثيب»

وقوله:

فقد أصبحت أغلب تغلبيّاعلى أيدي العشيرة والقلوب

ومما هو شبيه به قوله:

وهوى هوى بدموعه فتبادرتنسقا يطأن تجلّدا مغلوبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «حاشاك من ذكر ثنته كئيبا»

وقوله:

ما زلت تقرع باب بابل بالقناوتزوره في غارة شعواء

وقوله:

ذهب الأعالي حيث تذهب مقلةفيه بناظرها حديد الأسفل
للشاعر البحتري، من قصيدة «أهلا بذالكم الخيال المقبل»

ومثال ما جاء من السجع هذا المجيء وجرى هذا المجرى في لين مقادته، وحل هذا المحلّ من القبول قول القائل:

«اللهم هب لي حمدا، وهب لي مجدا، فلا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلّا بمال»، وقول ابن العميد: «فإن الإبقاء على خدم السلطان عدل الإبقاء على ماله، والإشفاق على حاشيته وحشمه، عدل الإشفاق على ديناره ودرهمه».

ولست تجد هذا الضرب يكثر في شيء، ويستمرّ كثرته واستمراره في كلام القدماء، كقول خالد: «ما الإنسان، لولا اللسان، إلا صورة ممثلة، وبهيمة مهملة»، وقول الفضل بن عيسى الرقاشي: «سل الأرض فقل: من شقّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا».

وإن أنت تتبّعته من الأثر وكلام النبي ﷺ، تثق كلّ الثقة بوجودك له على الصّفة التي قدمت، وذلك كقول النبي ﵇: «الظّلم ظلمات يوم القيامة»، وقوله صلوات الله عليه: «لا تزال أمّتي بخير ما لم تر الغنى مغنما، والصدقة مغرما»، وقوله: «يا أيّها الناس؛ أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا بالليل، والناس نيام، تدخلوا الجنّة بسلام».

فأنت لا تجد في جميع ما ذكرت لفظا اجتلب من أجل السجع، وترك له ما هو أحقّ بالمعنى منه وأبرّ به، وأهدى إلى مذهبه.

ولذلك أنكر الأعرابي حين شكا إلى عامل ألما بقوله: «حلأت ركابي، وشقّقت ثيابي، وضربت صحابي»، فقال له العامل: «أو تسجع أيضا» إنكار العامل السجع حتى قال: «فكيف أقول؟»، وذاك أنّه لم يعلم أصلح لما أراد من هذه الألفاظ ولم يره بالسجع مخلّا بمعنى، أو محدثا في الكلام استكراها، أو خارجا إلى تكلّف واستعمال لما ليس بمعتاد في غرضه. وقال الجاحظ: «لأنه لو قال: «حلّئت إبلي» أو «جمالي» أو «نوقي» أو «بعراني» أو «صرمتي» لكان لم يعبّر عن حقّ معناه، وإنما حلّئت ركابه، فكيف يدع «الركاب» إلى غير الركّاب؟ وكذلك قوله: «وشقّقت ثيابي، وضربت صحابي».

فقد تبين من هذه الجملة أن المعنى المقتضى اختصاص هذا النّحو بالقبول:

هو أنّ المتكلم لم يقد المعنى نحو التجنيس والسّجع، بل قاده المعنى إليهما، وعبر

به الفرق عليهما، حتى إنه لو رام تركهما إلى خلافهما مما لا تجنيس فيه ولا سجع، لدخل من عقوق المعنى وإدخال الوحشة عليه، في شبيه بما ينسب إليه المتكلف للتّجنيس المستكره، والسجع النّافر. ولن تجد أيمن طائرا، وأحسن أوّلا وآخرا، وأهدى إلى الإحسان، وأجلب للاستحسان، من أن ترسل المعاني على سجيّتها، وتدعها تطلب لأنفسها الألفاظ، فإنها إذا تركت وما تريد لم تكتس إلا ما يليق بها، ولم تلبس من المعارض إلا ما يزينها. فأمّا أن تضع في نفسك أنه لا بدّ من أن تجنس أو تسجع بلفظين مخصوصين، فهو الذي أنت منه بعرض الاستكراه، وعلى خطر من الخطأ والوقوع في الذّمّ، فإن ساعدك الجدّ كما ساعد في قوله: «أو دعاني أمت بما أو دعاني»، وكما ساعد أبا تمام في نحو قوله:

وأنجدتم من بعد إتهام داركمفيا دمع أنجدني على ساكني نجد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»

وقوله:

هنّ الحمام، فإن كسرت عيافةمن حائهن فإنهنّ حمام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»

فذاك، وإلّا أطلقت ألسنة العيب، وأفضى بك طلب الإحسان من حيث لم يحسن الطلب، إلى أفحش الإساءة وأكبر الذنب، ووقعت فيما ترى من ينصرك، لا يرى أحسن من أن لا يرويه لك، ويودّ لو قدر على نفيه عنك، وذلك كما تجده لأبي

تمام إذا أسلم نفسه للتكلف، ويرى أنه إن مرّ على اسم موضع يحتاج إلى ذكره أو يتصل بقصة يذكرها في شعره، من دون أن يشتقّ منه تجنيسا، أو يعمل فيه بديعا، فقد باء بإثم، وأخلّ بفرض حتم، من نحو قوله:

سيف الإمام الذي سمّته هبّتهلمّا تخرّم أهل الكفر مخترما
إنّ الخليفة لمّا صال كنت لهخليفة الموت فيمن جار أو ظلما
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أصغى إلى البين مغترا فلا جرما»
قرّت بقرّان عين الدين واشتترتبالأشترين عيون الشّرك فاصطلما

وكقول بعض المتأخرين:

البس جلابيب القناعة إنّها أوقى رداء
ينجيك من داء الحريص معا ومن أوقار داء

وكقول أبي الفتح البستي:

جفّوا فما في طينهم للذييعصره من بلّة بلّه
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «لله نيسابور من حله»

وقوله:

أخ لي لفظه درّوكلّ فعاله برّ
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «أخ لي لفظة در»
تلقّاني فحيّانيبوجه بشره بشر
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «أخ لي لفظة در»

لم يساعدهما حسن التوفيق كما ساعد في نحو قوله:

وكلّ غنى يتيه به غنيّفمرتجع بموت أو زوال
للشاعر الميكالي، من قصيدة «وكل غنى يتيه به غني»
وهب جدّي طوى لي الأرض طرّاأليس الموت يزوي ما زوى لي
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «وكل غنى يتيه به غني»

ونحوه:

منزلتي تحفظ من ذلّتيوباحتي تكرم ديباجتي

واعلم أنّ النكتة التي ذكرتها في التجنيس، وجعلتها العلّة في استيجابه الفضيلة وهي حسن الإفادة، مع أنّ الصورة

صورة التكرير والإعادة وإن كانت لا تظهر الظهور التامّ الذي لا يمكن دفعه، إلا في المستوفى المتفق الصورة منه كقوله:

ما مات من كرم الزمان فإنهيحيى لدى يحيى بن عبد الله

أو المرفوّ الجاري هذا المجرى كقوله: «أو دعاني أمت بما أو دعاني». فقد يتصوّر في غير ذلك من أقسامه أيضا، فمما يظهر ذاك فيه ما كان نحو قول أبي تمام:

يمدّون من أيد عواص عواصمتصول بأسياف قواض قواضب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

وقول البحتري:

لئن صدفت عنّا فربّت أنفسصواد إلى تلك الوجوه الصّوادف

وذلك أنك تتوهم قبل أن يرد عليك آخر الكلمة كالميم من «عواصم» والباء من «قواضب»، أنها هي التي مضت، وقد أرادت أن تجيئك ثانية، وتعود إليك مؤكّدة، حتى إذا تمكن في نفسك تمامها، ووعى سمعك آخرها، انصرفت

عن ظنّك الأول، وزلت عن الذي سبق من التخيّل، وفي ذلك ما ذكرت لك من طلوع الفائدة بعد أن يخالطك اليأس منها، وحصول الربح بعد أن تغالط فيه حتى ترى أنه رأس المال.

فأما ما يقع التجانس فيه على العكس من هذا، وذلك أن تختلف الكلمات من أوّلها كقول البحتري:

بسيوف إيماضها أوجالللأعادي ووقعها آجال

وكذا قول المتأخر:

وكم سبقت منه إليّ عوارفثنائي من تلك العوارف وارف
وكم غرر من برّه ولطائفلشكري على تلك اللّطائف طائف

وذلك أنّ زيادة «عوارف» على «وارف» بحرف اختلاف من مبدأ الكلمة في الجملة، فإنه لا يبعد كلّ البعد عن اعتراض طرف من هذا التخيّل فيه، وإن كان لا يقوى تلك القوة، كأنك ترى أن اللفظة أعيدت عليك مبدلا من بعض حروفها غيره أو محذوفا منها. ويبقى في تتبّع هذا الموضع كلام حقّه غير هذا الفصل وذلك حيث يوضع.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أسرار البلاغة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.