تجاوز إلى المحتوى

من «أسرار البلاغة» لعبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١هـ)

تقسيم الاستعارة

ثم إنها تنقسم أوّلا قسمين:

أحدهما: أن يكون لنقله فائدة.

والثاني: أن لا يكون له فائدة، وأنا أبدأ بذكر غير المفيد، فإنه قصير الباع، قليل الاتساع، ثم أتكلم على المفيد الذي هو المقصود.

وموضع هذا الذي لا يفيد نقله، حيث يكون اختصاص الاسم بما وضع له من طريق أريد به التوسّع في أوضاع اللغة، والتنوّق في مراعاة دقائق في الفروق في المعاني المدلول عليها، كوضعهم للعضو الواحد أسامي كثيرة بحسب اختلاف أجناس الحيوان، نحو وضع «الشفة» للإنسان و «المشفر» للبعير و «الجحفلة» للفرس، وما شاكل ذلك من فروق ربما وجدت في غير لغة العرب وربما لم توجد، فإذا استعمل الشاعر شيئا منها في غير الجنس الذي وضع له، فقد استعاره منه ونقله عن أصله وجاز به موضعه، كقول العجّاج: وفاحما، ومرسنا مسرّجا

يعني أنفا يبرق كالسّراج، و «المرسن» في الأصل للحيوان، لأنه الموضع الذي يقع عليه «الرسن» وقال آخر: يصف إبلا:

تسمع للماء كصوت المسحلبين وريديها وبين الجحفل

وقال آخر: والحشو من حفّانها كالحنظل فأجرى «الحفّان» على صغار الإبل، وهو موضوع لصغار النعام، وقال الآخر:

فبتنا جلوسا لدى مهرناننزّع من شفتيه الصّفارا

فاستعمل «الشفة» في الفرس، وهي موضوعة للإنسان. فهذا ونحوه لا يفيدك شيئا، لو لزمت الأصليّ لم يحصل لك، فلا فرق من جهة المعنى بين قوله «من شفتيه» وقوله «من جحفلتيه» لو قاله، إنما يعطيك كلا الاسمين العضو المعلوم فحسب، بل الاستعارة هاهنا بأن تنقصك جزءا من الفائدة أشبه، وذلك أنّ الاسم في هذا النحو، إذا نفيت عن نفسك دخول الاشتراك عليه بالاستعارة، دلّ ذكره على العضو وما هو منه، فإذا قلت «الشفة» دلّ على الإنسان، أعني يدلّ على أنك قصدت هذا العضو من الإنسان دون غيره، فإذا توهمت جري الاستعارة في الاسم، زالت عنها هذه الدلالة بانقلاب اختصاصها إلى الاشتراك. فإذا قلت «الشفة» في موضع قد جرى فيه ذكر الإنسان والفرس، دخل على السامع بعض الشبهة، لتجويزه أن تكون استعرت الاسم للفرس، ولو فرضنا أن تعدم هذه الاستعارة من أصلها وتحظر، لما كان لهذه الشبهة طريق على المخاطب، فاعرفه.

وأمّا «المفيد» فقد بان لك باستعارته فائدة ومعنى من المعاني وغرض من الأغراض، لولا مكان تلك الاستعارة لم يحصل لك. وجملة تلك الفائدة وذلك الغرض «التشبيه»، إلا أنّ طرقه تختلف حتى تفوت النهاية، ومذاهبه تتشعب حتى لا غاية، ولا يمكن الانفصال منه إلا بفصول جمّة، وقسمة بعد قسمة. وأنا أرى أن

أقتصر الآن على إشارة تعرّف صورته على الجملة بقدر ما تراه، وقد قابل خلافه الذي هو «غير المفيد»، فيتمّ تصوّرك للغرض والمراد، فإن الأشياء تزداد بيانا بالأضداد.

ومثاله قولنا: «رأيت أسدا»، وأنت تعني رجلا شجاعا، و «بحرا»، تريد رجلا جوادا و «بدرا» و «شمسا»، تريد إنسانا مضيء الوجه متهلّلا و «سللت سيفا على العدوّ» تريد رجلا ماضيا في نصرتك، أو رأيا نافذا وما شاكل ذلك، فقد استعرت اسم الأسد للرجل، ومعلوم أنك أفدت بهذه الاستعارة ما لولاها لم يحصل لك، وهو المبالغة في وصف المقصود بالشجاعة، وإيقاعك منه في نفس السامع صورة الأسد في بطشه وإقدامه وبأسه وشدّته، وسائر المعاني المركوزة في طبيعته، مما يعود إلى الجرأة. وهكذا أفدت باستعارة «البحر» سعته في الجود وفيض الكفّ، و «بالشمس والبدر» ما لهما من الجمال والبهاء والحسن المالئ للعيون الباهر للنواظر.

وإذ قد عرفت المثال في كون الاستعارة مفيدة على الجملة، وتبيّن لك مخالفة هذا الضرب للضرب الأوّل الذي هو «غير المفيد»، فإني أذكر بقية قول مما يتعلق به، أعني بغير المفيد، ثم أعطف على أقسام المفيد وأنواعه، وما يتصل به ويدخل في جملته من فنون القول بتوفيق الله ﷿. وأسأله عز اسمه المعونة، وأبرأ إليه من الحول والقوة، وأرغب إليه في أن يجعل كل ما نتصرّف فيه منصرفا إلى ما يتصل برضاه، ومصروفا عمّا يؤدّي إلى سخطه.

اعلم أنه إذا ثبت أن اختصاص «المرسن» بغير الآدمي لا يفيد أكثر مما يفيد الأنف في الآدمي وهو فصل هذا العضو من غيره ولم تكن باستعارته للآدميّ مفيدا ما لا تفيده بالأنف لم يتصوّر أن يكون استعارة من جهة المعنى. وإذا كان مدار أمره على اللفظ لم يتصور أن يكون في غير لغة العرب. بلى، إن وجد في لغة الفرس مراعاة نحو هذه

الفروق، ثم نقلوا الشيء من الجنس المخصوص به إلى جنس آخر، كانوا قد سلكوا في لغتهم مسلك العرب في لغتها.

وليس كذلك «المفيد»، فإن الكثير منه تراه في عداد ما يشترك فيه أجيال الناس، ويجري به العرف في جميع اللغات. فقولك «رأيت أسدا»، تريد وصف رجل بالشجاعة وتشبيهه بالأسد على المبالغة، أمر يستوي فيه العربيّ والعجميّ، وتجده في كل جيل، وتسمعه من كل قبيل، كما أن قولنا «زيد كالأسد» على التصريح

بالتشبيه كذلك. فلا يمكن أن يدّعى أنا إذا استعملنا هذا النحو من الاستعارة، فقد عمدنا إلى طريقة في المعقولات لا يعرفها غير العرب، أو لم تتفق لمن سواهم، لأن ذلك بمنزلة أن تقول: إن تركيب الكلام من الاسمين، أو من الفعل والاسم، يختصّ بلغة العرب، وإنّ الحقائق التي تذكر في أقسام الخبر ونحوه، مما لا نعقله إلّا من لغة العرب، وذلك مما لا يخفى فساده.

فإذا ذكر المجاز، وأريد أن يعدّ هذا النحو من الاستعارة فيه، فالوجه أن يضاف إلى العقلاء جملة، ولا تستعمل لفظة توهم أنه من عرف هذه اللغة وطرقها الخاصة بها، كما تقول مثلا فيما يختصّ باللغة العربية من الأحكام، نحو الإعراب بالحركات، والصّرف ومنع الصّرف، ووضع المصدر مثلا مواضع اسم الفاعل نحو «رجل صوم» و «ضيف»، وجمع الاسم على ضروب، نحو جمع السلامة والتكسير وجمع الجمع، وإعطاء الاسم الواحد في التكسير عدّة أمثلة نحو «فرخ» و «أفرخ» و «فراخ» و «فروخ»، وكالفرق بين المذكّر والمؤنّث في الخطاب وجملة الضمائر وما شاكل ذلك. ولإغفال هذا الموضع والتجوّز في العبارة عنه، دخل الغلط على من جعل الشيء من هذا الباب سرقة وأخذا حتى نعي عليه. وبيّن أنه من المعاني العاميّة والأمور المشتركة التي لا فضل فيها للعربيّ على العجميّ، ولا اختصاص له بجيل دون جيل، على ما ترى القول فيه، إن شاء الله تعالى في موضعه. وهو تعالى وليّ المنّ بالتوفيق له بفضله وجوده.

ولو أن مترجما ترجم قوله: وإلّا النّعام وحفّانه ففسّر «الحفّان» باللفظ المشترك الذي هو كالأولاد والصغار، لأنه لا يجد في اللغة التي بها يترجم لفظا خاصّا، لكان مصيبا ومؤدّيا للكلام كما هو. ولو أنه ترجم قولنا: «رأيت أسدا»، تريد رجلا شجاعا، فذكر ما معناه معنى قولك: «شجاعا شديدا»، وترك أن يذكر الاسم

الخاص في تلك اللغة بالأسد على هذه الصورة، لم يكن مترجما للكلام، بل كان مستأنفا من عند نفسه كلاما.

وهذا باب من الاعتبار يحتاج إليه، فحقّه أن يحفظ، وعسى أن يجيء له زيادة بسط فيما يستقبل.

فاعلم أنك قد تجد الشيء يخلط بالضّرب الأول الذي هو استعارة من طريق اللفظ ويعدّ في قبيله، وهو إذا حقّقت ناظر إلى الضرب الآخر الذي هو مستعار من جهة المعنى وجار في سبيله. فمن ذلك قولهم: «إنه لغليظ الجحافل، وغليظ المشافر»، وذلك أنه كلام يصدر عنهم في مواضع الذّمّ، فصار بمنزلة أن يقال: كأنّ شفته في الغلظ مشفر البعير وجحفلة الفرس، وعلى ذلك قول الفرزدق:

فلو كنت ضبّيّا عرفت قرابتيولكنّ زنجيّا غليظ المشافر

فهذا يتضمّن معنى قولك: «ولكن زنجيا كأنه جمل لا يعرفني ولا يهتدي لشرفي». وهكذا ينبغي أن يكون القول في قولهم: «أنشب فيه مخالبه»، لأنّ المعنى على أن يجعل له في التعلّق بالشيء والاستيلاء عليه، حالة كحالة الأسد مع فريسته، والبازي مع صيده.

وكذا قول الحطيئة:

قروا جارك العيمان لمّا جفوتهوقلّص عن برد الشّراب مشافره

حقّه، إذا حقّقت، أن يكون في القبيل المعنويّ، وذلك أنه وإن كان عنى نفسه بالجار، فقد يجوز أن يقصد إلى وصف نفسه بنوع من سوء الحال، ويعطيها صفة من صفات النقص، ليزيد بذلك في التهكم بالزّبرقان، ويؤكّد ما قصده من رميه بإضاعة الضيف واطراحه وإسلامه للضرّ والبؤس، وليس ببعيد من هذه الطريقة من ابتدأ شعرا في ذمّ نفسه، ولم يرض في وصف وجهه بالتقبيح والتشويه إلا بالتصريح الصريح دون الإشارة والتنبيه:

وأما قول مزرّد:

فما رقد الولدان حتى رأيتهعلى البكر يمريه بساق وحافر
للشاعر جبيهاء الأشجعي، من قصيدة «وأحنف مسترخي العلابي طوحت»

فقد قالوا إنه أراد أن يقول: «بساق وقدم»، فلما لم تطاوعه القافية وضع الحافر موضع القدم. وهو وإن كان قد قال بعد هذا البيت ما يدلّ على قصده أن يحسن القول في الضيف، ويباعده من أن يكون قصد الزراية عليه، أو يحول حول الهزء به والاحتقار له، وذلك قوله:

فقلت له أهلا وسهلا ومرحبابهذا المحيّا من محيّ وزائر
للشاعر جبيهاء الأشجعي، من قصيدة «وأحنف مسترخي العلابي طوحت»

فليس بالبعيد أن يكون فيه شوب مما مضى، وأن يكون الذي أفضى به إلى ذكر الحافر، قصده أن يصفه بسوء الحال في مسيره، وتقاذف نواحي الأرض به، وأن يبالغ في ذكره بشدّة الحرص على تحريك بكره، واستفراغ مجهوده في سيره، ويؤنس بذلك أن تنظر إلى قوله قبل:

وأشعث مسترخي العلابي طوّحتبه الأرض من باد عريض وحاضر
فأبصر ناري وهي شقراء أوقدتبعلياء نشز للعيون النّواظر

وبعده «فما رقد الولدان»، فإذا جعله «أشعث مسترخي العلابيّ»، فقد قربت المسافة بينه وبين أن يجعل قدمه حافرا، ليعطيه، من الصلابة وشدة الوقع على جنب البكر حظّا وافرا.

وهكذا قول الآخر:

سأمنعها أو سوف أجعل أمرهاإلى ملك أظلافه لم تشقّق

هو في حد التشبيه والاستعارة، لأن المعنى على أن الأظلاف لمن يربأ بالملك عن مشابهته، كأنه قال: «أجعل أمرها إلى ملك، لا إلى عبد جاف متشقق الأظلاف». ويدلّ على ذلك أن أبا بكر بن دريد قال في أول الباب الذي وضعه للاستعارة: «يقولون للرجل إذا عابوه: جاءنا حافيا متشقّق الأظلاف» ثم أنشد البيت. فإذا كان من شرط هذه الاستعارة أن يؤتى بها في موضع العيب والنقص، فلا شك في أنها معنوية.

وكذا قوله:

وذات هدم عار نواشرهاتصمت بالماء تولبا جدعا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «أيتها النفس أجملي جزعا»

فأجرى «التولب» على ولد المرأة، وهو لولد الحمار في الأصل، وذلك لأنه يصف حال ضرّ وبؤس، ويذكر امرأة بائسة فقيرة، والعادة في مثل ذلك الصفة بأوصاف البهائم، ليكون أبلغ في سوء الحال وشدّة الاختلال.

ومثله سواء قول الآخر:

وذكرت أهلي بالعراء وحاجة الشعث التّوالب
للشاعر حبيب الأعلم، اقرأ القصيدة

كأنه قال: «الشعث التي لو رأيتها حسبتها توالب»، لما بها من الغبرة وبذاذة الهيئة. و «الجدع» في البيت بالدال غير معجمة. حكى شيخنا ﵀ قال:

أنشد المفضّل «تصمت بالماء تولبا جذعا» بالذال المعجمة، فأنكره الأصمعي وقال:

إنما هو «تصمت بالماء تولبا جدعا» وهو السيّئ الغذاء. قال: فجعل المفضّل يصيح، فقال الأصمعي: لو نفخت في الشّبّور ما نفعك، تكلّم بكلام الحكل وأصب!.

وأما قول الأعرابي: «كيف الطلا وأمّه؟» فمن جنس «المفيد» أيضا، لأنه أشار إلى شيء من تشبيه المولود بولد الظبي، ألا تراه قال ذاك بعد أن انصرف عن السخط إلى الرضى، وبعد أن سكن عنه فورة الجوع الذي دعاه إلى أن قال: «ما أصنع به؟

آكله أم أشربه» حتى قالت المرأة «غرثان فاربكوا له».

وأمّا قوله:

إذا أشرف الدّيك يدعو بعض أسرتهعند الصّباح، وهم قوم معازيل

فاستعارة «القوم» هاهنا، وإن كانت في الظاهر لا تفيد أكثر من معنى الجمع، فإنها مفيدة من حيث أراد أن يعطيها شبها مما يعقل. على أن هذا إذا حقّقنا في غير ما نحن فيه وبصدده في هذا الفصل، وذلك أنه لم يجتلب الاسم المخصوص بالآدميين حتى قدّم تنزيلها منزلتهم فقال: «هم»، فأتى بضمير من يعقل. وإذا كان الأمر كذلك، كان «القوم» جاريا مجرى الحقيقة. ونظيره أنك تقول: «أين الأسود الضّارية»؟ وأنت تعني قوما من الشجعان، فيلزم في الصفة حكم ما لا يعقل، فتقول:

«الضارية»، ولا تقول «الضارون» البتة، لأنك وضعت كلامك على أنك كأنك تحدّث عن الأسود في الحقيقة.

وعلى هذه الطريقة ينبغي أن يجرى بيت المتنبي:

زحل، على أنّ الكواكب قومهلو كان منك لكان أكرم معشرا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «باد هواك صبرت أم لم تصبرا»

وإن لم يكن معنا اسم آخر سابق حكم ما يعقل للكواكب، كالضمير في قوله «وهم قوم»، وذلك أنّ ما يفصح به الحال من قصده أن يدّعي للكواكب هذه المنزلة يجري مجرى التصريح بذلك. ألا ترى أنه لا يتّضح وجه المدح فيه إلا بدعوى أحوال الآدميين ومعارفهم للكواكب، لأنه يفاضل بينه وبينها في الأوصاف العقلية بدلالة قوله: «لكان أكرم معشرا»، ولن يتحصّل ثبوت وصف شريف معقول لها ولا الكرم على الوجه الذي يتعارف في الناس حتى تجعل كأنها تعقل وتميز، ولو كانت المفاضلة في النور والبهاء وعلوّ المحلّ وما شاكل ذلك، لكان لا يلزم حينئذ ما ذكرت. وحقّ القول في هذا القبيل أعني ما يدّعى فيه لما لا يعقل العقل فصل يفرد به، ولعله يجيء في موضعه بمشيئة الله وتوفيقه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أسرار البلاغة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.