من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
الباب الثالث (٢)
قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة: من هذا قولهم: " الخيل تجري على مساويها " يقول: إنها وإن كانت بها أوصاب وعيوب فإن كرمها مع هذا
يحملها على الجري فكذلك الحر من الرجال يحمي حريمه على ما فيه من علة.
ع: قال أبو بكر ابن القوطية: المساوئ جمع سوء على غير قياس، وقال غيره: لا واحد لها.
وقال الأصمعي: يراد بهذا المثل أن الرجل ربما استمتع به، وفيه الخصال المكروهة.
قال أبو عبيد: قال أبو زكريا الفراء: من أمثالهم في الحمية عند ذكر الحرم " كل شيءٍ مهه ما النساء وذكرهن " أي أن الحر يحتمل كل شيء حتى يأتي ذكر حرمته، ومعنى المهه: اليسير وفيه لغتان: مهه ومهاه، قال: وهذه هاء، فإذا اتصلت بالكلام لم تصر تاء. إنما تكون تاء في الاتصال إذا أرادوا بالمهاة: البقرة، قال عمران بن حطان:
ليس لعيشنا هذا مهاه ... وليست دارنا هاتا بدار ع: قوله كل شيء مهه ما النساء يريد ما خلا النساء، فنصب على هذا واكتفى بذكر ما عن ذك خلا. ونقل أبو علي في الكتاب البارع قوله: كل شيء مهه إلا النساء، يريد كل شيء يسير إلا النساء. فنصب على هذا التأويل، والهاء في مهه ومهاه أصلية ومعناه اليسير كما قال أبو عبيد، قال أبو بكر ابن دريد: ويقال ما لهذا الأمر مهه ومهاه، أي ليس عليه حلاوة، وهذا هو الذي أراد
عمران بن حطان في البيت الذي أنشده أبو عبيد وليس هو من المهه الذي أنشده عليه في شيء.
وقال ابن درستويه: أخبرنا محمد بن يزيد قال: المهه: الرفق واللين بالإبل في الرعي وغيره، ويقال: سرت سيراً مههاً أي رفيقاً، ويقال: مههت يا رجل أي لنت، ومنه قول الشاعر وأنشد البيت. ويروى بيت عمران بن حطان أيضاً " وليس لعيشنا هذا مهاة " بالهاء المندرجة تاء، أي ليس له صفاء ولا رونق، مأخرذ من المهاة وهي البلورة. وبعد بيت ابن حطان:
وإن قلنا لعل بها قراراًفما فيها لحي من قرار
فلا تبقى ولا نبقى عليها ... ولا من الأمر نأخذ بالخيار قال أبو عبيد: قال عمر بن الخطاب: " لا يخلون رجل بمغيبةٍ وإن قبل حموها، ألا حموها الموت ".
ع: قال الأصمعي: امرأة مغيبة بالهاء إذا كان زوجها غائباً، قال أبو زيد: أو أخوها أو أبوها أو عمها أو وليها، أغابت فهي مغيبة. وقال أبو حاتم قلت للأصمعي: لم أثبت الهاء في هذا وحذفتها من قلوك امرأة مشهد إذا كان زوجها شاهداً؟ فذهب مذهب الحكائة عن العرب لا مذهب القياس، وقال أرأيت: ناقة عاسر وضامر وناقة فاعلة في ألف شيء بالهاء، أي شيء فرق بينهما؟ نقله أبو علي عنهم.
وقال غير الأصمعي: قالوا امرأة مغيبة وامرأة مشهد بغير هاء، كأنهم جعلوا الهاء في مغيبة عوضاً من ذهاب حركة الغين. وقال أبو بكر ابن دريد: يقال: امرأة مغيب؟ بغير هاء؟ ومغيبة، وقالوا: مغيبة ولم يقولوا مغيبة، وهذا
يقوي قول من قال: إن الهاء تثبت فيها عوضاً من ذهاب حركة الغين.
ومثل قول عمر ﵁: لا يخلون رجل بامرأة وإن قيل حموها، قال الشاعر:
لا يأمنن على النساء أخ أخاً ... ما في الرجال على النساء أمين قال أبو عبيد: ويقال: " كل ذات صدارٍ خالة " وكان المفضل يقول: إن صاحب هذا المثل همام بن مرة الشيباني.
ع: قال يعقوب: كانت أم همام بن مرة، امرأة من بني أسد ثم من بني كاهل، فأغار همام على بني أسد فأصاب فيهم، فقالت له امرأة منهم؟ وهي لبنى بنت الحرمز؟ أبخالاتك تفعل هذا؟ فقال " كل ذات صدار خالة " أي لا تعتدي علي بالخئولة فليس ذلك بمانعي من الإغارة عليك. فكل امرأة يجب على الغيور من الكف عن محارمها ما يجب للخالة أخت الأم، ولا يجب الكف عن مالها كما تذهبين إليه. وإنما قالت له: أبخالاتك تفعل هذا على سبيل ما يقول بنو زهرة: نحن أخوال رسول الله ﷺ. والصدار ثوب لا كمين له تتبذل فيه المرأة في بيتها وكذلك اشوذر والقرقل والمجول.
قال أبو عبيد: وقال عبادة بن الصامت: ألا ترون أني لا أقوم إلا رفداً ولا آكل إلا ما لوق لي، وإن صاحبي لأعمى أصم وما يسرني أني خلوت بامرأة.
ع: قوله لوق لي يريد لين [لي]. قال رجل من عذرة؟ وهو عبد الملك
ابن عبد الله بن عباس:
وإني لمن سالمتم لألوقة ... وإني لمن عاديتم سم أسود ويقال للزبد بالرطب: ألوقة ولوقة، ومن هذا قيل: ليقة الدواة لأنها تلين بالمداد.
قال أبو عبيد: ويروى عن عمر أنه قال: ما بال أحدكم لا يزال كاسراً وسادةً عند امرأة مغزية يتحدث إليها وتتحدث إليه " عليكم بالجنبة فإنها عفاف ".
ع: الجنبة: الاجتناب. وقال أبو عبيد: الجنبة: الناحية، يقول: تنحوا عنهن، وكلموهن من خارج الدار ولا تدخلوا عليهن. وقال أبو بكر ابن دريد: الجنبة هنا الاعتزال.
؟ باب الرجل يدخله الأنف من مصاحبة
من يرغب عن صحبته
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا " خل سبيل من وهي سقاوه " أي إذا ترك صحبتك ولم يستقم لك فدعه وازهد عنه.
ع: قال غيره: إنما يضرب هذا المثل في إفشاء السر، يقول: إذا مذل صديقك بسرك كما ينضج هذا السقاء الواهي بالماء فدعه ولا تؤاخه، فلا خير لك فيه، وهذا المثل قد روي في أشطار رجز
خل سبيل من وهى سقاوه ... ومن هريق بالفلاة ماؤه قال أبو عبيد: وكذلك قولهم " خله درج الضب ".
ع: قال أبو عمر المطرز: الدرج: الطريق البين، ومعناه عندي الذهاب، يقول: خله يذهب ذهاب الضب، أي خله ضالاً كضلال الضب، لأن الضب أسوأ الحيوان هداية، ولذلك تضرب به العرب المثل فتقول " ضل من ضب، وأضل من ورل " قالوا: ولذلك لا يخلو من حجر عند باب حجره يهتدي به إليه. فقالوا في المثل السائر أيضاً: " كل ضب عند مرداته " يضرب مثلاً لحضور حوادث الزمان وأن الإنسان لها غرض، كما أن الضب لا يعدم محترشه بحضرة حجره حجراً يضربه به.
وأنشد أبو عبيد في مثل هذا للبيد:
فاقطع لبانة من تعرض وصله ... ولخير واصل خلة صرامها ع: قوله من تعرض وصله يقول: من تعوج وصله ولم يستقم.
ومثاله قول امرئ القيس:
إذا ما الثريا في السماء تعرضت ...
يقول: اعوجت في رأي العين عن هيئتها وقت الطلوع، لأنها إذا طلعت استقبلتك بأنفها، فإذا كبدت أو كادت رأيتها جانحة. وقوله: ولخير واصل خلة صرامها، يقول: من صرمها وقد استحقت الصرم وكانت أهله فذلك الذي يصل من يستحق الوصل ويستوجبه، لأن من صرم الكريم يوشك أن يصل اللئيم، وكذلك من لم يميز الفضيلة يوشك أن يلتبس بالرذيلة، كما قال الشاعر:
[وقائل فيم تفرقتمافقلت قولاً فيه إنصاف]
لم يك لي شكلاً ففارقتهوالناس أشكال وألاف وقال الراجز:
وتلك قربى مثل أن تناسبا ... أن تشبه الضرائب الضرائبا والخارب اللص يحب الخاربا ... وإلى هذا المعنى ذهب أبو الطيب في قوله فاحسن:
فمن العداوة ما ينالك نفعهومن الصداقة ما يضر ويؤلم وقال عدي بن زيد:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينهفكل قرين بالمقارن يقتدي وبعد البيت لبيد:
واحب المجامل بالجزيل وصرمه ... باق إذا زاغت وزاغ قوامها يقول: احبه بأكثر من مودته وأبق له صرمك إذا لم يستقم وصله، وزاغت:
أي مالت خلته فلم تستقم، ويقال قوام الأمر وقوامه، وملاكه وملاكه، يقول: لا تصرمه عند [أول] عوج.
وروى محمد بن حبيب: ولشر واصل خلة صرامها، والأولى رواية الأصمعي، والخلة: الصديق، والخلة: الصداقة.
قال أبو عبيد: والعامة تقول في هذا " لو كرهتني يميني ما صحبتني ".
ع: هذا المثل منظوم لشاعر جاهلي وهو المثقب العبدي، قال:
فلو أني تعاندني شماليعنادك ما وصلت بها يميني
إذا لقطعتها ولقلت بينيكذلك أجتوي من يجتويني ؟ باب الرجل يأبى الضين فيأخذ حقه
قسراً [إذا أعياه الرفق]
قال أبو عبيد: قال بعض الأعراب يمدح رجلاً:
" فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف " ع: ليس كما قال أبو عبيد، إنما هذا البيت لفارعة بنت طريف ترثي أخاها الوليد بن طريف الشيباني، وكان خرج على الرشيد فاشتدت شوكته، فبعث إليه
يزيد بن مزيد الشيباني فقتله، وقد تقدم ذكر ذلك، فقالت أخته ترثيه:
أيا شجر الخابور ما لك مورقاًكأنك لم تحزن على ابن طريف
فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ................. (البيت) وقال كراع: ويروى، أيا شجر الخافور، بالفاء، وهو شجر، وهذا تصحيف صراح لأن الخابور الذي ذكر ونسب إليه الشجر إنما هو نهر بالجزيرة، وهناك قتل الوليد بن طريف، قال الأخطل:
فأصبحت منهم سنجار خالية ... فالمحلبيات فالخابور فالسرر هذه كلها بالجزيرة. وظن كراع أن الخابور شجر فقال: ويروى شجر الخافور؟ بالفاء؟ الخافور ليس من الشجر وإنما هو من النجم وهو ضرب من الحبق، وهو المرو العريض الورق، والعرب تسميه أيضاً: الزغبر والزبعر قال الشاعر:
والشاهد الإسفنط يوم لقيتهاوالضومران تمله بالزغبر
قال أبو عبيد: وقال زهير بن أبي سلمى:
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ع: لم يرد بقوله يظلم الناس، يبدأهم بالظلم، إنما يريد من لم يحم نفسه من الظلم كما قال، ومن لا يذد عن حوضه، ومن لا يعاقب ويجاز على ظلمه بمثله لم يزل يهتضم ويظلم، فلما كان جزاء على الظلم سماه ظلماً، كما قال الله تعالى ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (البقرة:). وكما قال الله تعالى ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ (الشورى:) وكما قال الله تعالى ﴿ومكروا ومكر الله﴾ (آل عمران:). وقال ﴿إنما نحن مستهزئون، الله يستهزئ بهم﴾ (البقرة ؟)، ومعنى هذا يجزيهم جزاء المكر. وجزاء الاستهزاء. وقال النبي ﵊: اللهم إن فلاناً هجاني، وهو يعلم أني لست بشاعر، اللهم فاهجه والعنه عدد ما هجاني؛ المعنى: فجازه على هجوه، وهذا هو المذهب القصد. وكان للعرب مذهب في المدح بالاستعلاء وظلم الأقران. قال النجاشي في هجوه [بني] عجلان:
قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل فقال: إنهم لضعفهم وقلتهم ومهانتهم لا يقدرون على [الغدر و] الظلم، هم أذل من ذلك وأقل. وقال آخر:
إذا أنت لم تنفع فضر فإنمايرجى الفتى كيما يضر وينفعا قال أبو الطيب:
من أطاق التماس شيء غلاباًواقتدارا لم يلتمسه سؤالا ؟ باب الرجل يطيل الصمت حتى يحسب
مغفلا وهو ذو نكراء
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا " مخزنبق لينباع " والمخزنبق: المطرق الساكت، لينباعك ليثب إذا أصاب فرصة، فمعناه أنه سكت لداهية يريدها.
ع: قال أبو محمد بن قتيبة عن أبي حاتم عن الأصمعي: المخزنبق: اللاطئ بالأرض، قال: ومثل هذا المثل قولهم " تلبدي تصيدي " يقول: إنما تلبدك لشر. يقال: لبد وتلبد إذا انضظ بعضه إلى بعض. وقال أبو علي: مخرنبق لينباق. يقال: باق يبوق بوقاً. مثل صام يصوم صوماً إذا ظهر، والمخرنبق: الساكت على السوءة. وقال بعضهم: لينباع، والمنباع: الذي ينباع بالشر الذي في طيه ليظهره.
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومثله أو نحوه " تحسبها حمقاء وهي باخس ".
ع: يريد تبخس الناي حقوقهم أي تنقصهم وتظلمهم، قال الله تعالى ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ (الشعراء:)، وقال الشاعر:
فأكرمه لدى اللزبات جهدي ... وأعطي الحق مني غير بخس وكان الأصل " باخسة " ولكن ربما حذفوا الهاءات في مواضع إثباتها، قالوا: ناقة عاسر وجمل عاسر، وكذلك ناقة ضامر وناقة مغذ؟ من السرعة؟ وناقة بازل.
قال أبو عبيد: قال الأمر: وتقول في مثله " تحقره وينتأ " أي أنك تزدريه لسكوته وهو يجاذبك.
ع: يقال نتأ الشيء ينتأ ونتا ينتو؟ يهمز ولا يهمز؟ إذا انتبز وانتفخ، والمصدر: نتأ ونتوءاً ونتواً ونُتُواً.
؟ باب الرجل الجلد المصحح الجسم
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في جلادة الرجل " أطري فإنك ناعلة ".
وأصل هذا أن رجلاً قال لراعية له وكانت ترعى في السهولة وتترك الحزونة " أطري؟ أي خذي طرر الوادي وهي نواحيه؟ فإنك ناعلة " [أي فإن عليك نعلين]. قال أبو عبيد: أحسبه يعني بالنعلين غلظ جلد قدميها.
ع: طرر واحد وجمعه أطرار وهي النواحي، وقال أبو بكر: أطرار الطريق: نواحيه، واحدها طر وطرة، قال: وطرة كل شيء حرفه، وطرة الثوب: موضع هدبه، وقال أبو زيد: طر الإبل طراً إذا طردها، يقول: أطري الإبل واجمعيها فإنك ذات نعلين؟ هكذا قال: طر الإبل ثم فسر به المثل أطري، وأطري إنما هو من أطر مثل أمر ولعلها لغتان. وقال الخليل: الطر كالشل، وهذا المثل يضرب لمن ينصر من لا يستنصره، وكذلك قال أبو زيد في تفسيره.
قال ابن دريد، قال قوم: أظري فإنك ناعلة؟ بالطاء المعجمة؟ أي اركبي شدائد الأمور من الظرر وهو المحدد من الصخر الذي يصعب المشي عليه، قال امرؤ القيس:
اطاير ظران الحصى بمناسمصلاب العجى ملثومها غير أمعرا وفي الحديث الإباحة أن يذبح بالظرر
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الجلاد " لألحقن قطوفها بالمعناق " يعني في شدة السير.
ع: قلت هكذا أورده أبو عبيد لألحقن بالنون الشديدة [وحكاه الأصمعي عن أبي عمرو: لألحقن بالنون الخفيفية] ويورى لألحقن قطوفها بالوساع، وهو الواسع الخطو.
قال أبو عبيد: ومثله قولهم " بيدين ما أوردها زائدة ".
ع: روى الأصمعي هذا المثل " بيدين ما أوردها "؟ ما زائدة؟ تم المثل في قوله " ما أوردها " ثم قال: ما زائدة، وكلاهما صحيح، والله أعلم كيف كان أصل [هذا] المثل.
وقوله: بيدين أي بجد وقوة وشدة لأن يتولى عملاً بيديه معاً أقوى على عمله وأجد فيه، وقد يحتمل أن يريد بقوله " بيدين ما أوردها " تثنية يد، وأيد، والأيد: القوة فثناهما على الأخف، كما قال أصحاب المعاني في قول النابغة الجعدي في صفة سيف:
يصمم وهو مأثور جراز ... إذا جمعت بقائمه اليدان قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التجلد " ليتني وفلاناً يفعل بنا كذا حتى يموت الأعجل " والمثل للأغلب العجلي في شعر له قال:
ضرباً وطعناً أو يموت الأعجلوقد تكلم به بعض الصحابة في كلام له
ع: قوله " أو يموت الأعجل " يعني الأعجل منية والأقرب أجلاً فإن الأجل لا يستأخر عنه ولا يستقدم، والذي تكلم به من الصحابة عمار بن ياسر في شأن عثمان بن عفان.
وروى يوسف بن الماجشون عن صالح بن إبراهيم عن أبيه عن عبد الرحمن ابن عوف قال: كنت يوم بدر بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، فتمنيت أن أكون بين أصلع منهما، فقال لي أحدهما: يا عماه أتعرف أبا جهل؟ قلت: ما حاجتك إليه؟ قال: أخبرت أنه سب رسول الله ﵇، والذي نفسي بيده لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل. فأريتهما أبا جهل فقتلاه، فقضى رسول الله ﷺ بسلبه لهما، ويقال إنهما ابنا عفراء.
قال أبو عبيد: وقد حكى بعض العلماء [أن من أمثالهم] " الشجاع موقى " ويقال إنه لحنين بن خشرم السعدي.
ع: أسقط أبو عبيد نصف المثل، إنما هو " الشجاع موقى والجبان ملقى "، وهذا كما روي عن أبي بكر أو عن علي ﵄: احرص على الموت توهب لك الحياة، وقال الشاعر:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما قال أبو عبيد: ويقال للشاب القوي " كأنما قد سيره اليوم " أي كأنما ابتدأ في شبابه اليوم.
ع: ذكر أبو علي إسماعيل بن القاسم عن شيوخه أن هذا المثل إنما يضرب
للشيخ إذا كان في خلقه الأحداث، وهذا أقرب إلى الصواب بلفظ المثل لأن الشاب القوي هو الذي ابتدأ شبابه وعنفوانه فكيف يقال فيه؟ على ما ذكر أبو عبيد؟ كأنما ابتدأ شبابه اليوم وإنما يقال للشيخ إذا تزيا بزي الأحداث وكان في خلقهم: كأنما ابتدأ شبابه اليوم.
؟ باب الرجل المقدام على الأهوال والمخاوف والحث على ذلك
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " اكذب النفس إذا حدثتها " ثم فسره وقال: ومنه قول لبيد:
اكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل ع: وقبله ما يكشف معناه ويعضد وهو قوله:
وإذا رمت رحيلاً فارتحلواعص ما يأمر توصيم الكسل
واكذب النفس.... ... ...................... يقول: اعص أسباب الكسل وامض على ما خيلته الأماني والأمل، وقال آخر في مثل هذا:
إذا ازدحمت همومي في فؤادي ... طلبت لها المخارج بالتمني وقيل لابنة الخس: ما ألذ شيء؟ قالت: أماني تقطع بها أيامك.
قال أبو عبيد: ومثله قول الآخر:
إذا هم ألقى بين عينيه عزمهوأعرض عن ذكر الحوادث جانبا
سأغسل عني العار بالسيف جالباً ... علي قضاء الله ما كان جالبا ع: الشعر لسعد بن ناشب، وبعد البيت الأول في معناه:
ولم يستشر في رأيه غير نفسهولم يرض إلا قائم السيف صاحبا قال أبو عبيد، وقال الثالث:
أمض الهموم ورام الليل عن عرضٍ ... بذي سبيب يقاسي ليله خببا ع: الشعر لعبادة بن بجير الغنوي، وبعد البيت:
ملء الحزام إذا ما شد محزمهذي كاهل ولبان يملأ اللببا
كالسمع لم ينقب البيطار سرتهولم يدجه ولم يلمس له عصبا
حتى يصادف مالاً أو يقال فتىًلاقى التي تشعب الفتيان فانشعبا
لا يحملنك إقتار على زهدولا تزال في عطاء الله مرتغبا
إذا قتيبة مدتني حوالبهابالدهم تسمع في حافاتها لجبا
لا يمنع الناس مني ما أردت ولا ... أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا ؟ باب الرجل يكون ذا عز ثم يحور عنه
قال أبو عبيد: ومنه قولهم " حور في محاورة ".
ع: قد روي هذا الحرف " حور في محارة " وحور في محارة، وبالفتح صح، لأنه هو قياس مصدر حار يحور حوراً أي نقص، ومحارة أيضاً مفعلة منه، قد قيل إن الأكثر في الكلام ضم الحاء في حور، قال الشاعر:
والذم يبقى وزاد القوم في حور ... كأنه نقصان على نقصان، قال اللغويون: ومثل العرب " الحور بعد الكور "
أي النقصان بعد الزيادة.
قال أبو عبيد: وقال بعض المعمرين يذكر ما صار إليه:
والذئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا ع: الشعر للربيع بن ضبع الفزاري، وهي أبيات، قال:
أصبحت لا أحمل السلاح ولاأملك رأس البعير إن نفرا
والذئب أخشاه........................ (البيت
ها أنا ذا آمل الخلود وقدأدرك عمري ومولدي حجرا
أبا امرئ القيس قد سمعت به ... هيهات هيهات طال ذا عمرا والربيع هذا من المعرمين، عمر أربعمائة سنة، وهو القائل:
إذا بلغ الفتى مائتين عاماً ... فقد ذهب اللذاذة والفتاء ثم عمر بعد أن قال هذا البيت مائتين عاماً أخريين.
قال أبو عبيد: ومن أمالثهم في الذل بعد العز: " الحمى أضرعتني إليك " إذا ذل للحاجة تنزل به.
ع: قال ابن حبيب البصري: أول من قال هذا المثل قرين بن مصاد الكلبي، وكان له أخوان: مرارة ومرة. وكان قرين لصاً عياراً يقال له الذئب لشدة لصوصيته، وإن مرارة أخاه خرج يتصيد الأروى في يقال له ابلى، فاختطفته الجن، فانطلق أخوه مرة في أثره حتى إذا كان بذلك الموضع اختطف، وكان قرين غائباً، فلما قدم أقسم لا يشرب خمراً ولا يمس رأسه غسل حتى يطلب بأخويه. فتنكب قرين قوسه وانطلق إلى ذلك الجبل فمكث به سبعة أيام لا ينام ولا يرى شيئاً حتى إذا كان في اليوم الثامن إذا هو بظليم فرماه فأصابه واستقل الظليم حتى صار في أسفل الجبل، فلما وجبت الشمس، بصر بشخص قائم على صخرة، ينادي:
يا أيها الرامي الظليم الأسودنبت مراميك ولما ترشد فأجابه قرين:
يا أيها الهاتف فوق الصخرهكم عبرةٍ هيجتها وعبره
بقتلكم مرارةً ومره ... فرقت جمعاً وتركت حسره فتوارى الجني عنه هوياً من الليل، وأصابت قريناً حمى فغلبته عيناه فنام، فأتى الجني فاحتمله وقال: ما أنامك وقد كنت حذراً، قال " الحمى أضرعتني للنوم " فذهبت مثلاً. ثم أتى به حاضر الجن، فلما كان فيوجه الصباح خلى سبيله، فقال قرين:
ألا من مبلغ فتيان قوميبما لاقيت بعدهم جميعا
غزوت الجن أطلبهم بثاريلأسقيهم به سماً نقيعا
فيعرض لي ظليم بعد سبعٍفأرميه فأتركه صريعا
وكنت إذا القروم تعاورتنيجريء الصدر معتزا منيعا
بنى لي معشري وجدود صدقٍبذورة شامخ بيتاً منيعا
وعزاً سامقاً ثبت الرواسي ... ترى شم الجبال له خضوعا قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الذي قد أدبر وتولى ولم يبق من عمره إلا اليسير " وما بقي منه إلا ظمء الحمار ". وهذا المثل يروى عن مروان بن الحكم أنه قاله في الفتنة " الآن نفد عمري ولم يبق منه إلا ظمء الحمار (صرت) أضرب الجيوش بعضها ببعضها " قال: ويقال إنه ليس شيء من الدواب أقصر ظمأ من الحمار.
ع: قاله مروان يوم مرج راهط في حرب الضحاك بن قيس. والأظماء: هي الأيام التي تظمأ فيها الإبل؟ أي تعطش ولا ترد الماء؟ قالوا: والحمار لا يصبر أكثر من غب، لا يربع، والغب بعد الظاهرة والربع بعد الغب، والخمس بعده، وكذلك فيما بعد الخمس إلى العشر، فإذا زادت الأظماء على العشر قيل عشر وغب وعشر وربع، وعشر وخمس إلى العشرين، ثم هي إبل جوازئ، وقد جزأت لأن الإبل لا تنتهي أظماؤها إلى هذا العدد إلا وقد جزأت بالرطب عن الماء.
؟ باب الرجل يكون ذا مهانة ثم ينتقل إلى العز
قال أبو عبيد: قال الأصمعي في مثله " لكن بشعفين أنت جدود " وهي القليلة اللبن. وأصله أن امرأة أخصبت بعد هزل، فذكرت درة لبنها ففخرت به فقيل لها: لكن بشعفين لم تكوني كذلك، وهو اسم موضع كانت فيه.
ع: قال أبو حاتم: أتان جدود قد عز درها وذهب لبنها. وأصل هذا المثل أن عروة بن الورد سبى جارية فجعل يغذوها وكانت بضر فسمنت وحسنت حالها، فسمعها تقول لجوار لها: احلبنني فإنني خلفة، فقال لها: لكن بشعفين أنت جدود وشعفين موضعها الذي أخذها منه.
قال أبو عبيد: ومثله " صار خير قويسٍ سهماً " أي صار إلى الحال الجميلة بعد الخساسة.
ع: قالوا: أول من نطق بهذا المثل خالد بن معاوية بن سنان السعدي، وذلك أنه تساب مع بني غنم بن المنذر، فقال خالد يرجز بهم:
دوموا بني غنمٍ ولن تدوموالنا ولا سيدكم مرحوم
إنا سراة وسطها قروم ... قد علمت أحسابنا تيمم في الحرب " حين حلم الأديم " ... فذهب قوله " حلم الأديم " مثلاً.
وقال لهم:
إنا لنا يا آل غنمٍأفواه أفراس أكلن هشما
أستاه آمٍ يغتذين لحما ... " تركتهم خير قويس سهما " فرجز شاعر غنم بخالد، ومع خالد أخ له، فاستعدوا عليهما النعمان فقال خالد: أبيت اللعن، أنا [إذا] أركب لهم أنا وأخي ناقة ثم نتعرض لهم فإن استطاعوا فليعقروا بنا، فأعجب ذلك النعمان وقال: قد أعطوكم بحقكم، قالوا: قد رضينا فقال النعمان " أما والله لتجدنه ألوى بعيد المستمر " فأرسلها مثلاً.
ثم اكتفل خالد وأخوه ناقتهما بكفل وتأخر أحدهما إلى العجز وجعل وجهه مما يلي الذنب وتقدم الآخر إلى الكتف وجعل كل [واحد] منها يذب بسيفه فلم يخلصوا [إلى] أن يعقروا بهما.
وقوله: لنا ولا سيدكم مرحوم، هكذا ورد هذا هاهنا، ولا أدري ما صحته، وأما الذي في عبد القيس فإنما هو مرجوم؟ بالجيم؟ قال لبيد:
رهط مرجوم ورهط ابن المعل ... سمي بذلك لأنه فاخر رجلاً عند النعمان، فقال له النعمان: رجمك بالشرف فسمي مرجوماً، واسمه عامر، والمذكور في هذا الخبر إنما هو من بني غنم بن دودان بن أسد.
قال أبو حاتم: القويس صغرت بغير هاء وترك القياس في أحرف معها مثل قولهم: حريب في تصغير حرب ونحوه. قال: وفي مثل " كونوا خير قويسٍ سهماً " وسهماً تمييز.
ومن أمثالهم " أعلاها ذا فوق " يريد أعلى القوم سهماً في الخير. وروى ابن أبي خيثمة عن يونس بن بكير عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن المهلب بن أبي صفرة قال: سألت أصحاب محمد ﷺ، لأي شيء قلتم لعثمان: ولم نأل خيرنا ذا فوق، فقالوا: لأنا لا نعلم أحداً أرسل ستره على بنتي نبي غيره.
يعني بقولهم: ذو فوق، السهم التام ذو الحظ الوافر الكامل لأنه قد يسمى سهماً وليس له فوق فكأنهم قالوا: لم نأل خيرنا نصيباً من رسول الله ﷺ، ثم فسروا النصيب بما هو، وذا فوق منتصب على التمييز.
وروى ابن أبي خيثمة وغيره أن ابن مسعود سار من الكوفة ثمانياً حين قتل عمر ﵁ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن أمير المؤمنين قد مات، فلم ير يوم كان أكثر نشيجاً من ذلك اليوم، قال: ثم اجتمعنا أصحاب محمد فلم نأل خيرنا ذا فوق فبايعناه، يعني عثمان.
؟ باب الرجل المسن يؤدب بعد العسو
[أو يكون مذموماً يخلف بعد الرجل المحمود]
قال أبو عبيد: وفي مثله " ومن العناء رياضة الهرم "، قال: ومثله قولهم " عود يعلم العنج ".
ع: أما الأول فإنه بيت شعر ومثل سائر:
أتروض عرسك بعدما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم وأما الثاني فإن أبا زيد رواه على العنزيين " عود يعلم العنج ".
قال أبو عبيد: وقال الشاعر:
" إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قومتها الخشب " ع: قبل هذا البيت وبه يفهم معناه:
قد ينفع الأدب الأحداث في مهل ... وليس ينفع بعد الكبرة الأدب وقد مر هذا الشعر، وهو في ديوان شعر سابق البربري من قصيدة له.
قال أبو عبيد: قال أبو زيد في مثله " أعييتني بأشر فكيف أرجوك بدردر "، يقول: لم تقبلي الأدب وأنت شابة [ذات أشر] فكيف الآن وقد أسنت [وبدت درادرك وهي مغازر الأسنان؛ والأشر تحدد ورقة، يكون ذلك في الأحداث].
ع: قال الأصمعي: أول من نطق بهذا المثل زوج دغة وهي مارية بنت مغنج، ومغنج هو ربيعة بن عجل، وكانت حمقاء يضرب بها المثل، فيقال: أحمق من دغة " ونظرت يوماً إلى زوجها يقبل بنته منها ويقول: بأبي دردرك؟ وهو مغرز الأسنان؟ فذهبت ودقت أسنانها بفهر ثم جاءت زوجها وقالت: كيف ترى دردري. فقال: " أعييتني بأشر فكيف بدردر " أي إنما كان أحسن شيء فيك أسنانك.
ومن حمق دغة هذه أنها زوجت في بني العنبر بن عمرو بن تميم، فلما مخضت ظنت أنها تريد الخلاء فبرزت إلى بعض الغيطان فولدت، فاستهل الوليد، فانصرفت إلى الرحل تقدر أنها أحدثت، فقالت لضرتها: يا هنتاه، هل يفتح الجعر فاه؟ فقالت: نعم ويدعو أباه، فمضت ضرتها وأخذت الوليد، فبنو العنبر يدعون لذلك بني الجعراء.
[قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المذموم يخلف بعد المحمود " بدل أعور " ومنه قول ابن همام السلولي لقتيبة بن مسلم وولي خراسان بعد يزيد بن المهلب:
أقتيب قد قلنا غداة أتيتنابدل لعمرك من يزيد أعور]
؟ باب الرجل الذليل المستضعف
قال أبو عبيد: من أمثالهم في الذليل " لقد ذل من بالت عليه الثعالب ". قال: وبلغني أن رجلاً من العرب كان يعبد صنماً، فنظر إلى ثعلب جاء حتى بال عليه فقال:
أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد هان من بالت عليه الثعالب ع: قيل إن هذا البيت لعباس بن مرداس السلمي، وقال كراع في كتابه المنضد: إن البيت لأبي ذر الغفاري، قاله في الجاهلية، في صنم كان لهم وقد رأى ثعلباً يبول عليه.
قال أبو عبيد: قال أبو زيد: ومن هذا قولهم " أهون مظلوم سقاء مروب " [وأصله السقاء يلف حتى يبلغ أوان المخض].
ع: معنى المظلوم هنا أن يشرب قبل أن يروب وأصل الظلم وضع الشيء
في غير موضعه. ومن هذا قولهم " من أشبه أباه فما ظلم " أي فما وضع الشبه في غير موضعه.
قال أبو عبيد: ونحو منه قولهم " أهون مظلوم عجوز معقومة ".
ع: هذا وهم من أبي عبيد إنما هو " أهون هالك عجوز معقومة "، لأنها إذا هلكت لم يفقدها فاقد، لأنها عقيم، وقد بلغت من السن ما ليس يهابه الطرف الآخر، فهي فريدة. ومنه قولهم: " أهون هالك عجوز في عام سنت " أي في عام جدب ومسغبة.
قال أبو عبيد: ويقال " فلان لا يعوى ولا ينبح " يقول: من ضعفه ليس يعتد به ولا يكلم في خير ولا شر.
ع: العواء للذئاب والنباح للكلاب، فلا أدري أي خير فيهما، فيكنى بأحدهما عن الخير وبالثاني عن الشر، كما قال أبو عبيد، وإنما معنى المثل عندي أن هذا لضعفه وقتله كأنه غير محسوس به. فليس يعوبه ذئب ولا ينبحه كلب، كما تقول العرب " هو أقل من خشاشة وأحقر من فراشة " والخشاشة لا ينبحها كلب. وقال أبو الطيب:
وإن من العجائب أن ترانيفتعدل بي أقل من الهباء وقال آخر:
ألام على أخذ القليل وإنماأصاحب أقواماً أقل من الذر
فإن أنا لم أقبل قليلاً حرمته ... ولا بد من شيء يعين على الدهر وقال الأصمعي: قولهم: فلان لا يعوى ولا ينبح أي لا يتعرض لشره، مثل قولهم لا يصطلى بناره، وليس ينبغي على هذا التأويل أن يدخل في هذا الباب.
؟ باب الرجل الذليل يستعين بمثله في الذل
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في العبد " هو العبد زلمة "، ومعناه اللئيم، قال الزبير: زنمة عندي أشبه، لقول الله تعالى ﴿عتل بعد ذلك زنيم﴾ (ن:) (وهو في القوم وليس منهم).
ع: قال أبو محمد: يقال هو العبد زلمة وزنمة وزَنَمة، وزلمة وَزَلَمَة. وقال غيره: من قال زلمة يريد قُدّ قَدّ العبد، من قولهم: زلمت القدح إذا بريته، ومن قال: زنمة يريد ما قال الزبير أو يريد أنه موسوم بالذلة من الزنمة التي توسم بها الشاة. وفي كتاب الأصمعي: زلمة معرفة لا تكون نكرة.
؟ باب الرجل الأحمق المائق
قال أبو عبيد: من أمثالهم السائرة قولهم " معاداة العاقل خير من مصادقة الأحمق ".
ع: نظمه الشاعر فقال:
ولأن يعادي عاقلاً خير له ... من أن يكون له صديق أحمق والبيت لصالح بن عبد القدوس، أخذه أبو الطيب فقال:
ومن العداوة ما ينالك نفعه ... ومن الصداقة ما يضر ويؤلم قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الأحمق قولهم " خامري أم عامر " وهي لضبع، يشبه بها الأحمق، [ويروى عن علي ﵀ أنه قال: لا أكون مثل الضبع تسمع اللدم فتخرج فتصاد؛ وهي زعموا من أحسن الدواب يدخل عليها يقال: ليست هذه أم عامر حتى تجر رجلها وتؤخذ].
ع: من حمقها الظاهر أن الصائد يدخل عليها وجارها، والوجار: الجحر هذا كان على وجه الأرض، وإذا كان في الجبل فهو مغار، فيقول لها " خامري عن عامر "؟ ومعناه: استتري وتواري، مأخوذ من الخمر وهو ما وارى وستر؟ لنقبض، ويقول: أم عامر ليست في جارها، ويقول: أم عامر أبشري بشاء زلى، وجارد عظلى، حتى يأخذ بيديها ورجليها فيوثقها، ولو شاءت أن تقتله
لأمكنها، قال الكميت:
فعل المقرة للمقا ... لة خامري يا أم عامر ويزعم العرب فيما يذكرون من رموزهم أن أحد الضباع وجد تودية في غدير فجعل يشرب الماء ويقول: حبذا طعم اللبن، وينادي: واصباحاه حتى انشق بطنه ومات. والتودية: خلال عود يشد على رأس الخلف لئلا يرضع الفصيل أمه.
؟ باب الرجل الضعيف العزم الواهن الرأي
قال أبو عبيد: من أمثالهم في الواهن الضعيف قولهم " ماله بذم وماله صيور ".
ع: يقال رجل ذو ذم إذا كان قوياً شديداً، وثوب ذو بذم إذا كان كثير الغزل والبذم والبذامة: القوة على احتمال مئونة السؤدد، وقولهم: ماله صيور، أي ماله عقل ولا رأي يرجع ويصير إليهما.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في وصف الرجل بضعف الرأي " هو إمعة " وكذلك " هو إمرة " [من أغرب ما جاء في هذا الباب " هو بنت الجبل " ومعناه الصدى يجيب المتكلم بين الجبال، يقول: هو مع كل متكلم كما أن الصدى يجيب كل ذي صوت بمثل كلامه].
ع: الإمعة الذر لا رأي له من قبل نفسه، هو تابع أبداً. قال السيرافي في
شرحه الكتاب: إمرة وزنها فعلة، فإن قيل: لم جعلتم الهمزة أصلية ولم تكن افعلة؟ قيل: ليس في النعوت افعلة، وقد جاء في الأسماء نحو إوزة، وأيضاً فإنه ليس في الأسماء ما عينه وفاؤه من جنس واحد إلا أحرفاً يسيرة نحو أول وكوكب، فعدلنا به إلى الأكثر وهو فعّل نحو: قنّب وهيّج؟ وهو الجمل الهائج -.
وزعم الخليل أن قياس مفعلة من الإوز مأوزة فهذا على أن الهمزة أصلية، ويقوي ما ذهب إليه أبو سعيد؟ وهو قول المازني؟ قول الأعشى:
ترى الاوزين في أكناف دارتها ... فوضى وبين يديها التبن منثور فقال الاوزين كما قال الاحرين لجمع الحرة. وأما إمرة فإنه الذي يأتمر لكل أمر. وأما قوله " هو بنت الجبل " فإن المعروف من أمثالهم: " ما أنت إلا كابنة الجبل مهما يقل تقل " يضرب مثلاً للإمعة التابع هذا وذاك. ويقولون عند سماع ما يسوء استكفافاً لشره " صمي ابنة الجبل " فأما قولهم " صمي صمام "، فإن صمام اسم للداهية. قال الكميت في قولهم صمي ابنة الجبل
فإياكم إياكم وملمةيقول لها الكانون صمي ابنة الجبل أي الذين يكنون عنها
وقال غيره في صمي صمام:
أيدفع مشربي عن حوض سعدٍويشرب مالك، صمي صمام
وسيعاد القول في هذا كافياً، في آخر الكتاب عند ذكر القتل والدواهي إن شاء الله.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المخلط " كل نجار إبل نجارها " يعني أن فيه كل لون من الأخلاق (وليس له رأي يثبت عليه).
ع: هذا رجز يروى لبان بن لقيط، وكان لصاً خارباً:
تسألني الباعة ما نجارهاإذ زعزعوها فسمت أبصارها
فقلت دار كل قومٍ دارها ... كل نجار إبلٍ نجارها وكل نار العالمين نارها ... يقول: فيها من كل نجار ومن كل نسل ومن كل نار ومن كل وسم فيضرب مثلاً للمتلون الخلق المضطرب الحال.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم " قد استنوق الجمل " وهو الرجل يكون في حديث ثم يخلط ذلك بغيره وينتقل إليه، وكان بعض العلماء يخبر أن هذا المثل لطرفة بن العبد وكان عند بعض الملوك شاعر ينشده شعراً في وصف جمل ثم حوله إلى نعت ناقه، فقال طرفة عندها " استنوق الجمل "، وقد يقال للرجل يظن به أن عنده غناء من شجاعة وجلد ثم يكون الأمر على خلاف ذلك، وأنشد للكميت:
هززتكم لو أن فيكم مهزة ... وذكرت ذا التأنيث فاستنوق الجمل ع: هذا الشاعر الذي لم يذكر اسمه هو المسيب بن علس، وقيل هو الملتمس، أنشد شعره الذي يقول فيه:
وقد أتناسى الهم عند احتضاره ... بناجٍ عليه الصيعرية مكدم وذلك عند عمرو بن هند، فقال طرفة " استنوق الجمل " لأن الصيعرية سمة لا تكون إلا للإناث خاصة.
وأما قول الكميت " وذكرت ذا التأنيث فاستنوق الجمل ": قيل إنما كان حد الكلام وصوابه أن يقول: وأنثت ذا التذكير فاستنوق الجمل، أو يقول: وذكرت ذا التأنيث فاستجملت الناقة، ولم أر لأحد فيه شيئاً إلا لأبي الحسن بن سيده فإنه قال في بعض كتبه: هذا على القلب، أراد: فاستجملت الناقة، فقلب. ولم ينسب هذا القول إلى أحد، وهذا ليس بشيء، لأن هذا الشعر قاله الكميت يمدح مسلمة بن هشام بن عبد الملك ويهجو خالد بن عبد الله القسري، يقول بعد البيت:
وقرظتكم لو أن تقريظ مادحٍيواري عواراً من أديمكم النغل
غسلنا وجوهاً من بجيلة لاصق ... بها حمم لم ينقها قبله الغسل وإنما أراد أن تقريظه ومديحه لم يغن عنهم شيئاً ولا وارى عواراً ولا أنقى ذكراناً ولا ذكر مؤنثاً بل زادهم استئناثاً وأنث ذكراناً، وفيها يقول:
فصرت كأني وامتداحي خالداًوأسرته حادٍ وليست له إبل وبنو قسر من بجيلة
؟ باب الرجل يكون ضاراً ولا نفع فيه
قال أبو عبيد: قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا: " المعزي تبهي ولا تبني ". وفسره ثم قال: يقال أبهيت البيت أبهيه إذا خرقته فهو مبهىً، فإذا أردت أنه انخرق قلت: بيت باه.
ع: فعل باه بهي، بكسر الهاء، يبهى بهاء، فهو باه إذا انخرق. قال أبو علي وكراع: والعرب تقول في ذد هذا المثل، وهو النافع الذي لا ضر عنده " هو السمن لا يخم " وهذا مثلهم في النافع الذي لا يضر وهو خالص من كل شر.
قال أبو عبيد: وكان بعض علمائنا ينشد هذا البيت:
إذا أنت لم تنفع فضر فإنمايرجى الفتى كيما يضر وينفعا ع: ومثله:
إذا أنت لم تنفع بودك أهله ... ولم تنك بالبوسى عدوك فابعد وهو لعدي بن زيد، وله في هذه القصيدة عدة أمثال وحكم.
ولأبي عبد الله اليماني:
إذا كنت مذموماً وأنت قديروخيرك ممنوع ووعدك زور
فمت عاجلاً لا عشت في الناس ساعةًفموتك عند العالمين سرور ونقيض هذا قول مسلم بن الوليد:
عند الملوك منافع ومضرةوأرى البرامك لا تضر وتنفع
وإذا جهلت من امرئ أعراقه ... وقديمه فانظر إلى ما يصنع ؟ باب ذكر الجليس السوء وما يتقى منه
قال أبو عبيد: من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري وأهل البصرة في صبيغ " أن لا تجالسوه ".
ع: وكان من شأن صبيغ أنه سأل عمر بن الخطاب ﵁ عن ﴿الذاريات﴾ و ﴿النازعات﴾ ونظائرها من القرآن، فبان له فيه الزيغ فضربه حتى أدبر ظهره، وكان من أهل البصرة، وكتب إلى أميرهم وإليهم أن لا تجالسوه. وهو صبيغ بن غسل بن عمرو بن يربوع، وزعموا أن غسلاً هو الذي ولدته السعلاء لعمرو بن يربوع، وأخاه ضمضماً ابني عمرو، وأن عمر بن الخطاب ﵁ قال له حين بان له الزيغ: اكشف رأسك، فإذا فيه ضفائر،
فقال له: لو كنت محلوقاً ما شككت؟ يعني ما شككت أنك من الخوارج، قال الراجز:
يا قبح الله بني السعلاةعمرو بن يربوع شرار النات يريد الناس
؟ باب الرجل يكون ذا منظر ولا خير عنده
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: " ترى الفتيان كالنخل، وما يدريك ما الدخل ".
ع: ذكر محمد بن حبيب أن أول من نطق بهذا المثل عثمة بنت مطرود البجلية، وكانت ذات عقل ورأي مستمع في قومها. وكانت لها أخت يقال لها خود، ذات جمال وكمال، وأن خمسة إخوة من غامد؟ بطن من الأزد؟ خطبوا خوداً إلى أبيها، فقدموا عليه لابسي الحلل اليمنية، على النجائب المهرية، والرحال العلافية، مكسوة بالثياب العبقرية، فأنزلهم وأكرمهم وغدوا عليه خاطبين، معهم الشعثاء، كاهنة لهم، فقال لهم مطرود: أقيموا حتى نرى رأينا، ثم دخل إلى بنته فقال: ما ترين؟ فقالت: أنكحني على قدري، ولا تشطط في مهري، فإن تخطئني أحلامهم لا تخطئني أجسامهم، لعلي أصيب ولداص وأكثر عدداً، فخرج بوها فقال: أخبروني عن أفضلكم، فقالت الشعثاء: اسمع أخبرك عنهم، هم إخوة، كلهم أسوة، أما الكبير: فعمرو، بحر غمر، سيد صقر، يقصر دونه الفخر. وأما الذي يليه فعاصم، جلد صارم، أبي حازم،
جيشه غانم، وجاره سالم، وأما الذي يليه فوثاب، ليث غاب، سريع الجواب، عتيد الصواب، كريم النصاب. وأما الذي يليه فمدرك، بذول لما يملك، عزوف عما يترك، يغني ويهلك، وأما الذي يليه فجندل، مقل لما تحمل، يعطي ويبذل، لقرنه مجدل، لا يخيم ولا ينكل، فأبلغها أبوها ذلك، فشاورت أختها عثمة فيهم فقالت لها: " ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل " اسمعي كلمة ناصحة لك: إن شر الغريبة يعلن، وخيرها يدفن، فانكحي في القرباء ولا تغررك أجسام الغرباء. فلم تقبل منها وبعثت إلى أبيها: أنكحني مدركاً، فأنكحها منه على مائة ناقة برعاتها، فحملها مدرك، فلم تلبث معه إلا قليلاً حتى أغار على غامد فوارس من بني مالك بن كنانة فاقتتلوا ساعة، ثم انكشف زوجها وقومه، فسباها بنو مالك فيمن سبوا، وجعلت تبكي، فقيل لها: ما يبكيك؟ أعلى فراق زوجك؟ قالت: قبحه الله، قالوا: لقد كان جميلاً، قالت: قبح الله جمالاً لا منعة معه، إنما أبكي عصياني أختي، وأخبرتهم خبرها، فقال لها رجل منهم يكنى أبا نواس أسود أفوه مضطرب الخلق: أترضين بي على أن أمنعك من ذؤبان العرب؟ قالت لأصحابه: أكذلك هو؟ قالوا: نعم إنه مع ما ترين ليمنع الحليلة وينقب القبيلة، قالت: هذا أجمل جمالاً وأكمل كمالاً، قد رضيته فزوجوها إياه.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع