من «مباهج الفكر ومناهج العبر» لجمال الدين الوطواط (ت ٧١٨هـ)
القول في طبائع العنكبوت
وإنما ذكرته مع ذي الجناح لأن له وثبا لا يعدوه الطيران، وهو أصناف منها صنف يسمى الرتيلاء سمها قاتل، وهو عنكبوت صغير، ومنه صنف طويل الأرجل ومنه صنف يسمى الليث يصيد الذبان صيد الفهود، والكلاب، وله ست عيون، وإذا أراد صيد الذباب لطا بالأرض وسكن أطرافه وجمع نفسه ثم وثب على ما يريد صيده فلا يخطئه، وهو يعض الأسد كما أن يعض الكلب ذبان الكلف، قال الجاحظ، ولد العنكبوت أعجب من الفروج الذي يظهر إلى الدنيا كاسيا كاسبا، لأن ولد العنكبوت يقوى على النسيج ساعة يولد من غير تلقين، ولا تعليم، والعنكبوت يطاول في السفاد، وإذا أراد الذكر الأنثى جذبت بعض خيوط نسجها من الوسط، فإذا فعلت ذلك فعل الذكر مثلها فلا يزالان يتدانيان حتى يتشابكا فتصير بطن الذكر قبالة بطن الأنثى، وأول ما يلد دودا صغارا ثم يتغير ويصير عنكبوتا، وهي تحضن وتقبل الصورة بعد ثلاثة أيام، ومن العنكبوت ما هو كبار جدا، ونسجه رديء على وجه الأرض والصخور ومنها ما هو حكيم دقيق الخلق، ومن حكمته أنه يمد السدي ثم يعمل اللحمة ويبتدئ من الوسط ويهيء موضعا لما يصيد في مكان آخر كالخزانة فإذا وقع شيء فيما نسجه وتحرك عمد إليه وشبك عليه حتى يضعف، فإذا علم ضعفه وحمله وذهب به إلى خزانته، فإن كان جائعا أكله، وإن لم يكن امتص رطوبته، وتركه حتى يجوع، وإذا كان المصيد قد خرق من النسج شيئا عاد ورمه، والأنثى هي التي تنسج والذكر يحل وينقض، والذي تنسجه لا تخرجه من جوفها بل من خارج جسدها، وهي في ذلك شبيه بما يلقي شعره وريشه وشوكه وجلده من الحيوان، وفم العنكبوت مشقوق بالطول لا بالعرض.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع