من «نصرة الثائر على المثل السائر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
نماذج من إنشاء ابن الأثير يدعي فيها السمو
قال: وقد جاءني في الكلام المنثور شيء من هذا الضرب، وسأذكر ههنا منه نبذة. فمن ذلك ما ذكرته في وصف صورة مليحة فقلت: ألبس من الحسن أنضر لباس، وخلق من طينة غير طينة الناس، وكما زاد حسنا فكذلك زاد طيبا، واتفقت فيه الأهواء حتى صار إلى كل قلب حبيبا، فلو صافح الورد لتعطرت أوراقه، ولو مر على اللينوفر ليلا لتفتحت أحداقه.
أقول: أي غريب في هذه المعاني، وأي إبداع حتى يثبته ويتعجب له ويروقه.
أما الأول فمأخوذ من قول:
ربيب ملكٍ كأنّ الله صوّرهمسكا، وقدّر إنشاء الورى طينا
ولا يخفى أن هذا أمدح وأحسن.
وأما الثاني، فمأخوذ من قول البحتري:
أفرغت في الزجاج من كل قلبٍفهي محبوبةٌ إلى كل نفس
وقول ابن لنكك.
عصرت من دم القلوب فما تبصر إلا تعلقت بالقلوب
وأما قوله فلو صافح الورد لتعطرت أوراقه، فأي مزية لهذا الموصوف بهذه الصفة والورد ما زال عطرا، سواء صافحه زنجي أو غيره، وهذا من باب تحصيل الحاصل. ولو قال: فلو صافح الأثل تضوع منه نشر البان، ولو مر على اللينوفر في الليل لأيقظ طرفه الوسنان لكان أحسن. فإن الورد لو صافحه أبو الأسود الدؤلي أبو عبد الملك بن مروان، لكان طيب العرف، والمدح إنما يكون بأن الإنسان يكسب الطيب ما ليس له طيب ويفيد الحسن ما لم يكن معروفا بحسن.
ألا ترى أنهم عابوا على كثير عزة قوله:
وما روضةٌ بالحزن طيبة الثرىيمجّ النّدى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عزة موهناوقد أوقدت بالمندل الرطب نارها
وقيل له: لو كانت هذه أمة زنجية ووقود نارها مندل رطب، لطاب ريحها وتعطر ردنها. وهلا قلت كما قال امرؤ القيس.
ألم تر أني كلما جئت طارقاوجدت لها طيبا وإن لم تطيّب
ولهذا استحسنوا قول القائل:
وريحها أطيب من طيبهاوالطيب فيه المسك والعنبر
فانظر إلى هذا الشاعر لما أثبت أنها تتطيب جعل ريحها أطيب منه.
وبالغ بشار بن برد في قوله:
وإذا أدنيت منها بصلاغلب الطيب على ريح البصل
لكن هجن هذا المعنى بذكر البصل.
ويحكى أن بعض الشيعة أنشد أبا مجالد قول السيد الحميري:
أقسم بالله وآياتهوالمرء عمّا قال مسؤول
أنّ عليّ بن أبي طالبٍعلى الهدى والبر مجبول
ذاك الذي سلّم في ليلةٍعليه ميكالٌ وجبريل
ميكال في ألفٍ وجبريل فيألفٍ ويتلوهم سرافيل
في يوم بدرٍ بددا كلهمكأنهم طيرٌ أبابيل
فقال له أبو مجالد: يا هذا إن الشاعر لم يمدح صاحبك، وإنما هجاه في موضعين أحدهما أنه زعم أن عليا كرم الله وجهه مجبول على البر والهدى، ومن جبل على أمر لم يمدح عليه، لأنه لم يكسبه بسعيه.
وثانيهما أنه ادعى أن أيد في حروبه بالملائكة، ولا فضيله له حينئذ في الظفر، لأن أبا حية النميري لو أيد بهؤلاء لقهر الأعداء.
ذكر ذلك أبو عمر الزاهد في كتاب الياقوته فثبت بمثل هذا أن لا مدح في قوله: لو صافح الورد لتعطرت أوراقه. ويؤيد هذا أنه تنبه لهذا في السجعة الثانية فقال: ولو مر على اللينوفر ليلا لتفتحت أحداقه فاحترز بالليل لأنه في النهار يكون مفتوح الأوراق.
ومن طريف ما جاء للشعراء في اللينوفر قول الخبز أرزي:
خاف الملال إذا طالت إقامتهفصار يظهر أحيانا ويحتجب
كأنه حين يبدو من مطالعهصبٌ يقبّل حبّا وهو يرتقب
وذكرت هنا قول بعض المتأخرين في زر ورد.
سبقت إليك من الحدائق وردةٌوأتتك قبل أوانها تطفيلا
طمعت بلثمك إذ رأتك فجمّعتفمها إليك كطالبٍ تقبيلا
وهذا من محاسن التضمين الذي نقل عن أصله، لأن المتنبي قال في الناقة من جملة قصيدته:
ويغيرني جذب الزمام لقلبهافمها إليك كطالبٍ تقبيلا
على أنه أخذه من ابن بابك، وإنما حسن ذلك التضمين. فإن ابن بابك قال:
وافى الشتاء فبز النور بهجتهفعل المشيب بشعر الّلمّة الرّجل
وردٌ تفتح ثم ارتدّ مجتمعاكما تجمّعت الأفواه للقبل
وما أحسن قول مجير الدين محمد بن تميم في اللينوفر:
غدا اللينوفر المصفرّ يحكيالنّجوم فلا يغادرها شبيها
تغوص العين فيه إذا تجلّىالنّهار وفي الظلام يغوص فيها
وقد استخدم العين هنا في معنين: أولهما العين الباصرة، والثاني العين الجارية وقول ابن حمديس الصقلي:
اشرب على بركة لينوفرٍمصفرة الأوراق خضراء
كأنما أزهارها أخرجتألسنة النار من الماء
وما ألطف قول التنوخي من جملة أبيات:
ألف المياه مشاكلا بلطافةٍحتى يفارق شكله لم يصبر
فيقوم طورا ثم يرفع رأسهبتخنّثٍ وتأودٍ وتكسّر
وكأنه في الماء صاحب مذهبٍأغراه وسواسٌ بأن لم يطهر
وقول الآخر:
كأن لينوفرها عاشقٌنهاره يرقب وجه الحبيب
حتى إذا الليل بدا سجفهوانصرف المحبوب نحو الكئيب
غمّض عينيه عسى أن يرىفي النوم من فاز به عن قريب
وبالغ الآخر في الظرف حين قال:
وكأنه إذ غاب وقت مسائهفي الماء واحتجبت نضارة قده
صبٌّ يهدده الحبيب بهجرهظلما فغرّق نفسه من وجده
وقال الوجيه ابن الذروي يهجو اللينوفر المصري:
ولينوفرٍ أبدى لنا باطنا لهمع الظاهر المخضر جمرة عندم
فشبهته لما قصدت هجاءهبكاسات حجّامٍ بها لوثة الدم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع