تجاوز إلى المحتوى

من «نصرة الثائر على المثل السائر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

هل أبدع أبو نواس في أبياته

تدار علينا الراح في عسجدية قال بعدما أورد أبيات أبي نواس:

تجار علينا الراح في عسجديةٍالأبيات الثلاثة

وقد أكثر العلماء من وصف هذه الأبيات وهذا المعنى، وقولهم فيه إنه معنى مبتدع. ويحكى عن الجاحظ أنه قال: ما زال الشعراء يتناقلون المعاني قديما وحديثا إلا هذا المعنى، فإن أبا نواس انفرد بإبداعه.

وما أعلم أنا ما أقول لهؤلاء سوى أن أقول: قد تجاوزتم حد الإكثار، ومن الأمثال السائرة: بدون هذا يباع الحمار. وفصاحة هذا الشعر عندي هي الموصوفة لا هذا المعنى. فإنه كبير كلفة فيه. لأن أبا نواس رأى كأسا من الذهب ذات تصاوير فحكاها في شعره.

والذي عندي في هذا، أنه من المعاني المشاهدة، فإن هذه الخمر لم تحمل إلا ماء يسيرا، وكانت تستغرق صور هذا الكأس إلى مكان جيوبها، وكان الماء فيها قليلا بقدر القلانس التي على رؤوسها وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر.

أقول: كفى بهذا الرجل ﵀ أن يقول مثل هذا، وما أعرف كتابا من أمهات كتب الأدب مثل الروضة للمبرد والذخيرة لابن بسام وزهر الآداب للحصري إلا وقد تضمن ذكر هذه الأبيات والثناء عليها. وحسبك بكلام يثني عليه أبو عثمان عمرو الجاحظ، وهو من أحذق أئمة الأدب، وأعرفهم بما يقول، وأبصرهم بمدارك العقول، وقوله في مثل هذا حجة، وما قرره في الأبيات هو المحجة.

وما أحسن قول القاضي الفاضل: وأما الجاحظ ﵀ فما منا معاشر الكتاب إلا من دخل من كتبه الحارة، وشن الغارة، وخرج وعلى الكتف منها كاره.

وقد أولع الفاضل ﵀ بذكره في ترسله، وذكر تصانيفه، ولو لم يكن له في كتب الأدب إلا كتاب البيان والتبيين لكفاه ذلك فخرا. ويقال: مما فضل الله به أمة محمد ﷺ على غيرها من الأمم، عمر بن الخطاب ﵁ بسياسته، والحسن البصري بعلمه، والجاحظ ببيانه.

ويحكى عنه أنه قال: دخلت ديوان المكاتبات ببغداد، فرأيت قوما قد صقلوا ثيابهم، وصفوا عمائمهم، ووشوا طرزهم. ثم اختبرتهم، فوجدتهم كما قال الله تعالى: " فأما الزَّبد فيذهبُ جُفاء " ظواهر نظيفة، وبواطن سخيفة " فويل لهم مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون " ومن أجوبته ما يحكى عنه أنه اجتمع بالجماز في مجلس بالبصرة. فقال له الجماز: كم نارا في اللغة؟ فقال: نار الحرب، ونار الشجر، ونار الحباحب، ونار المعدة، والنار المعروفة. فقال له: تركت أبلغ النيران. قال: وما هي. قال: نار حر أمك التي كلما ألقي فيها فوج سألتها خزنتها. فقال الجاحظ: أما نار أمي فقد قضيت أن لها خزانا، الشأن في حر أمك التي يقال لها: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد. والجاحظ أشهر من أن يذكر بمحاسن وأنا أحكي ما قاله الجاحظ. فإن ابن الأثير ﵀ روج المقال. والذي نقله أئمة الأدب عنه أنه قال: وجدنا المعاني تقلب، ويؤخذ بعضها من بعض، إلا قول عنترة في الذباب:

وخلا الذباب بها فليس ببارحٍغردا كفعل الشارب المترنم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»
هزجا يحكّ ذراعه بذراعهقدح المنكبّ على الزّناد الأجذم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

وقول أبي نواس في تصاوير الكأس:

تدار علينا الراح في عسجديةوأنشد الأبيات انتهى

قال ابن بسام في الذخيرة وقد ذكر أن أبا نواس ولد هذا المعنى من قول امرىء القيس:

فلما استطابوا صبّ في الصحن نصفهوشجّت بماءٍ غير طرقٍ ولا كدر
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لعمرك ما قلبي إلى أهله بحر»

فجعل الشراب والماء نصفين لقوة الشراب، فتسلق عليه أبو نواس وأخفاه بما شغل به الكلام من ذكره الصور المنقوشة، إلا أنها سرقة مليحة.

وكرر أبو نواس هذا المعنى عجبا به في مواضع. كقوله:

بنينا على كسرى سماء مدامةٍمكلّلةً حافاتها بنجوم
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لمن دمن تزداد حسن رسوم»
فلو ردّ في كسرى بن ساسان روحهإذن لاصطفانا دون كل نديم
للشاعر أبو الحسين الجزار، من قصيدة «بيننا على كسرى سماء مدامة»

وأخذه الناشىء فولد معنى زائدا عليه فقال:

في كأسها صورٌ تظنّ لحسنهاعربا برزن من الحجال وغيدا
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
وإذا المزاج أثارها فتنمنمتذهبا ودرا توأما وفريدا
فكأنهنّ لبسن ذاك مجاسداوجعلن ذا لنحورهنّ عقودا
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة

وقال ابن المعتز:

وكأسٍ من زجاج فيه أسدٌفرائسهنّ ألباب الرجال

وألم بهذا ابن بطال البطليوسي فقال:

وغابٍ من الأكواس فيها ضراغمٌمن الرّاح، ألباب الرجال فريسها
قرعت بها سنّ الهموم فأقلعتوقد كاد يسطو بالفؤاد رسيسها

وقال أبو تمام ابن رباح:

وكاسٍ بدا كسرى بها في قرارةٍغريقا، ولكن في خليجٍ من الخمر
وما صوّرته فارسٌ عبثا بهولكنّهم جاؤوا بأخفى من السحر
أشاروا بما دانوا له في حياتهفنومي إليه بالسجود ولا ندري

هذا ما أورده ابن بسام في معنى الكأس المنقوشة.

ولا بأس بإيراد ما جاء في ذلك للشعراء المتأخرين، من ذلك قول ابن سناء الملك.

ما الدرّ إلا ذا الحباب وإنني بالدر أدرى
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «يا خيبة الحر الذي»
شعري وشعرى في السماء وفي كؤوسك ألف شعرى
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «يا خيبة الحر الذي»
منّت عليك ولا كمامنّت على أشلاء كسرى
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «يا خيبة الحر الذي»
الخلق لما عاش قدسجدوا له طوعا وقسرا
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «يا خيبة الحر الذي»
والكل لما مات قدسجدوا له في الكأس سكرا
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «يا خيبة الحر الذي»

ولا يخفى على ذي اللب أن هذا مأخوذ من قول أبي تمام بن رباح وقد تقدم وهو أحسن من هذا.

وقوله أيضاً:

ألا إنّ شرّاب المدام هم الناسوغيرهم فيهم جنونٌ ووسواس
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «ألا إن شراب المدام هم الناس»
فيا ليت أني مثل كسرى مصورٌفليس يزال الدّهر في كفه كاس
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «ألا إن شراب المدام هم الناس»

وهذا مأخوذ من قول أبي فراس. وسيأتي فيما بعد.

وقوله أيضاً وهو في غاية الحسن:

شربنا على هذا وذاك مدامةًبدت كالعقيق الرطب والذهب الرّخص
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «غدا الحسن شورى في الملاح وإنما»
أعيد لنا في كأسها شخص قيصرٍوكسرى، فكادت تبعث الروح في الشخص
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «غدا الحسن شورى في الملاح وإنما»
قياصرةٌ في قصر كسرى وربمامجنّا فقلنا بل مساكين في خص

وقول ابن قلاقس الإسكندري:

لو لم يصبها الماء حين توقدتبيد المدير لخفت أن يتسعّرا
وبنيتها قصرا سقيت براحتيكسرى أنوشروان فيه وقيصرا
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «هو ملتقى أرج النواسم فانظرا»

وقوله أيضاً

أنهكت جسمها السنين فلولاعرفها لم يكن بها ذا اعتراف
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «عاف سمعي ذكر المحل العافي»
فاحني في الكأس جسم كسرى براحٍتبعث الروح منه في الأعطاف

وقول ابن سناء الملك الذي تقدم أكمل في الحسن.

وقوله أيضاً:

بزجاجةٍ دارت وفي جنباتهاكسرى أنوشروان في إيوانه
خلعت على عطفيه خلعة قهوةٍوسلبتها فغدوت في سلطانه

يعني أنه لبسها بشربه لها فغدا في سلطانه، لما يجده السكران من العزة. كما قال المنخل شاعر الحماسة:

وإذا سكرت فإننيربّ الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإننيربّ الشّويهة والبعير
للشاعر المنخل اليشكري، من قصيدة «إن كنت عاذلتي فسيري»

وقول ابن الذروي:

ومصوّرٍ نازعت فيهـ على المدامة قيصرا
وسلبت منه متوّجاحتى رجعت مسوّرا
ومضيت من عقيانهولجينه أغنى الورى

وقول ابن قلاقس أيضاً:

وزجاجةٍ حيّاك منها قيصرٌوكأنما هو في جوانب قصره
ما ألبسته الراح ثوبا مذهباإلا وقلده الحباب بدرّه
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «سفحت عيون الغيث أدمع قطره»

وهذا مأخوذ من قول الناشىء، وقد تقدم.

وما أحسن قول أبي فراس.

أغمام ما يدريك كيف قتالناوالخيل تحت النقع كالأشباح
نطفو ونرسب في الدماء كأنناصور الفوارس في كؤوس الراح

ومما اتفق لي وفيه تورية:

كؤوس المدام تحب الصفافكن لتصاويرها مبطلا
ودعها سواذج من نقشهافأحسن ما ذهّبت بالطّلا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «كئوس المدام تحب الصفا»

وقلت أيضاً مضمنا البيت المشهور، واهتدمت منه ما اهتدمت ليطابق المعنى الذي تخيلته:

ومشمولةٍ قد هام كسرى بكأسهافأضحى ينادي وهو فيها مصوّر
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «ومشمولة قد هام كسرى بكأسها»
وقفت لشوقي من وراء زجاجةٍإلى الراح من فرط الصابة أنظر
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «ومشمولة قد هام كسرى بكأسها»

وأما قول عنترة في الذباب، فقد زعم مشايخ الأدب أنه من التشبيهات العقم. وقد أخذه ابن الرومي فقال:

وأذكى نسيم الروض ريعان ظلهوغنّى مغنّي الطير فيه فرجّعا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «بكيت فلم تترك لعينك مدمعا»
وغرد ربعيّ الذباب خلالهكما حثحثت النّدمان صنجا مشرّعا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «بكيت فلم تترك لعينك مدمعا»
فكانت أرانين الذباب هناكمعلى شدوات الطير ضربا موقّعا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «بكيت فلم تترك لعينك مدمعا»

وقال ابن عبدون:

ساروا ومسك الدياجي غير منهوبوطرّرة الشرق غفلٌ دون تذهيب
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
على ربى لم يزل شادي الذباب بهايلقي بآنق ملفوظٍ ومضروب
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة

وقد أخذه من قول المثقب العبدي يذكر الناقة:

وتستمع الذباب إذا تغنّىكتغريد الحمام على الغصون

وقول الأقيشر:

وقد تقوم على رأسي منعّمةٌلها إذا طربت من صوتها غنج
فترفع الصوت أحيانا وتخفضهكما يطنّ ذباب الروضة الهزج

وقد أخذ ابن عبدون قوله من قول الأخطل في وصف ثور وحشي. وهو:

فردا يغنيّه ذبان الرياضكما غنّى الغواة بصنجٍ عند أسوار

وقال أبو بكر بن سعد البطليوسي:

كأنّ أهازيج الذباب أساقفٌلها من أزاهير الرياض محاريب
للشاعر الوزير أبو بكر ابن القُبطُرنة البطليوسي، اقرأ القصيدة

ولم يجسر أحد على هذا المعنى قبل عنترة. غير أن ذا الرّمة نقل معنى الصفة إلى الجندب فقال:

كأن رجليه رجلا مقطفٍ عجلٍإذا تجاذب من برديه ترنيم
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أعن ترسمت من خرقاء منزلة»

وقال السلامي في زنبور وأحسن:

ولابس لونٍ واحدٍ وهو طائرٌملونة أبراده وهو واقع
للشاعر أبو الحسن السلامي، اقرأ القصيدة
أغرّ محشّى الطيلسان مديجٍوسود المنايا في حشاه ودائع
إذا حك أعلى رأسه فكأنمابسالفتيه من يديه جوامع
للشاعر أبو الحسن السلامي، اقرأ القصيدة
بدا فارسي الزيّ يعقد خصرهومئزره التبري أصفر فاقع
يرجّع ألحان الغريض ومعبدٍويسقي كؤوسا ملؤها السمّ ناقع

قوله: إذا حك أعلى رأسه.. البيت، من قول مسلم بن الوليد:

فغطّت بأيديها ثمار نحورهاكأيدي الأساري أثقلتها الجوامع
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أعاود ما قدمته من رجائها»

نقل السلامي هذا المعنى إلى الزنبور لما ولده من هنا، وشارك عنترة في الصفة مشاركة خفية. وكذا يكون التخيل الشعري الصحيح.

وما أحلى قول بعض الشعراء:

فعل الأديب إذا خلا بهمومهفعل الذباب يرنّ عند فراغه
فتراه يفرك راحتيه ندامةًمنه ويتبعها بلطم دماغه

لم أورد هذه المقاطيع في الكأس المصورة والذباب وأكثرت منها إلا لأن هذا الموضع من محزات الأدب وغريب المعاني. ولعل هذا القدر ما اجتمع لأحد فيهما.

وأما قوله بدون هذا يباع الحمار، أصل هذا المثل أن رجلا أراد أن يشتري حمارا من آخر يدعى أبا يسار، فجعل يصفه ويبالغ فيه إلى أن قال: تصيد به النعام معقولا فقال له: شاكه أبا يسار، بدون ذا ينفق الحمار. وشاكه معناه قارب أي لا تغل.

قال: وكذلك ورد قوله.

يا شقيق النفس من حكمنمت عن ليلي ولم أنم
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا شقيق النفس من حكم»
فاسقني البكر التي اعتجرتبخمار الشيب في الرّحم

وهذا معنى مخترع لم يسبق إليه، وهو دقيق يكاد لدقته أن يلتحق بالمعاني التي تستخرج من غير شاهد حال مصورة. وساق حكاية جرت في حضرة الرشيد في استخراج معناه، وهي مشهورة.

أقول: وأبو نواس ممن له المعاني التي ظاهرها سهل وباطنها مشكل في غاية الدقة، كقوله:

أما ترى الشمس حلّت الحملاوطاب وزن الزمان واعتدلا
وغنت الطير بعد عجمتهاواستوفت الراح حولها كملا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أما ترى الشمس حلت الحملا»

محل الإشكال فيه واستوفت الراح حولها.

قالوا: من حين عصير الراح، إلى أن تحل الشمس الحمل ما يكون غير ستة أشهر أو ما حولها، فكونه يدعي أن الراح استوفت الحول كاملا غير صحيح، والحول اثنا عشر شهرا. الجواب من وجوه: أحدها وهو أقواها، أن الضمير في حولها لا يعود على الراح، وإنما يعود على الشمس. كأنه قال: واستوفت الراح حول الشمس كاملا.

وثانيهما، أن المراد بالحول هنا إنما هو الغاية والتمام، والمعنى: استوفت الراح بلوغها وصلاحها لأن تستعمل وترشف. وفي هذه المدة ينتهي صلاح الخمرة، وكل شيء بلغ غاية تطلب منه، فقد استوفى حوله. كأنه من: حال عن هيئته إلى هيئة أخرى. وهذا الذي يفهم من كلامه.

وكذا قوله:

ظلت حميّا الكأس تبسطناحتى تهتّك بيننا الستر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا منة إمتنها السكر»
في مجلسٍ ضحك السرور بهعن ناجذيه، وحلّت الخمر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا منة إمتنها السكر»

ذكروا في هذا أربعة أوجه: أحدها أن طيب المكان وكمال السرور، أباح حرمتها على عادة الشعراء في مبالغاتهم ثانيها أن يكون آلى على نفسه أن لا يتناول الخمر إلا بعد اجتماعه بمحبوبه، فكان الاجتماع مخرجا من يمينه. كقول امرىء القيس:

حلّت لي الخمر وكنت امرءاعن شربها في شغلٍ شاغل

ثالثها يريد بحلت نزلت، من الحلول في المكان.

رابعها: يريد أنهم استحلوها بدخولهم في السكر وذهول عقلهم وكنت وقفت بالديار المصرية على جزء فيه كلام لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب على قول الشاعر.

بيضٌ مفارقنا تغلي مراجلنانأسو بأموالنا آثار أيدينا
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

وقد ذكر في قوله: بيض مفارقنا مئتي وجه وثلاثة أوجه، في احتمال معنى هاتين اللفظتين.

وقد وجدت لأبي الحسن الطوسي الفقيه بيتين، يسأل عن معنى الثاني منهما: وهما:

منّينني حينا فلماأن مللت من التمني
عرّضن لي بالوصل حتىقلت قد، أعرضن عني

الإشكال فيه أنه كيف يعرضن له بالوصل، وهو يدعي أنهن أعرضن عنه. والمعرض لا يعرض بالوصل.

والجواب: أن قد هنا بمعنى حسب، وذلك أحد مواردها. كقول أبي تمام:

قدك اتّئب أربيت في الغلواء.

أي: حسبك. والمعنى: منينني زمانا إلى أن مللت، ثم عرضن لي بالوصال حتى إذا قلت هذا حسبي، أعرضن عني.

واتفق لي فيما قلت بيتان، ثانيهما مشكل، وهما:

قال وقد أبصر دمعي دماهذا وما رعتك بالبين
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «قال وقد أبصر دمعي دما»
فقلت: لما فنيت أدمعيبكيت بالدمع بلا عين
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «قال وقد أبصر دمعي دما»

الإشكال في ذلك أنه: كيف يعترف بأن دموعه فنيت ونفدت، ثم يقول بعد ذلك: بكيت بالدمع بلا عين. وكيف يتفق البكاء بلا عين.؟ والجواب: أنه قال أولا إنه أبصره وقد بكى دما فأنكر عليه ذلك، فقال لما نفدت الدموع ولم يبق لي دمع، بكيت بالدم.

والعين هنا إنما يراد بها أحد حروف الهجاء أخت العين المعجمة، لا العين التي هي الجارحة من الإنسان حاسة البصر، فإن الدمع إذا حذفت منه العين كان دما.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نصرة الثائر على المثل السائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.