تجاوز إلى المحتوى

من «نصرة الثائر على المثل السائر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

رد التعصب

وبلغني عن أبي العلاء أنه كان يتعصب لأبي الطيب، حتى إنه كان يسميه الشاعر ويسمي غيره من الشعراء باسمه.

وزاد ابن الأثير في ذم المعري وقال: إن الله قد جمع له بين العمى في البصر والبصيرة.

أقول: إن المعري معذور في تفضيل المتنبي على غيره، وليس هو ببدع في ترجيحه على غيره من الشعراء فأكثر الناس على هذا المذهب. وما المعري ولا غيره ممن رجحه يعتقد أنه معصوم لا يقع في الخطأ. وإنما الرجل إذا أجاد لم يلحقه أحد، وما له عندي نظير غير القاضي الفاضل رحمه الله تعالى، فإن الفاضل هكذا ينحط في بعض الأوقات إلى الحضيض، ثم يثب وثبة تكون الثريا لها ثرى، ويدع من اتبع أثره وقفا خطاه وقد رجع القهقرى. كقوله: وخواطري كليلة، وتصرفاتي قليلة، وحميتي كما يعرفها، والخلطة تخليط، فإن سمع سيدنا بابن شفة عني فهو لقيط.

وكذلك أبو الطيب، بينا تراه على عادة الشعراء من متوسط وردي، حتى يأتي بجيد ترك الناس ينفضون غبار سبقه من هواديهم، وجلس على أسرة الأفق مطمئنا والشعراء يهيمون في واديهم. كما قال:

فذي الدار أخدع من مومسٍوأمكر من كفة الحابل

ثم أردفه بقوله:

تفانى الرجال على حبهاوما يحصلون على طائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

وكما قال يرثي والدة سيف الدولة:

أتتهنّ المصيبة غافلاتودمع الحزن في دمع الدلال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

ثم قال:

وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌولا التذكير فخر للهلال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

وكما قال منها:

رأيتك في الذين أرى مملوكاكأنك مستقيمٌ في محال

ثم أردفه بقوله:

فإن تفق الأنام وأنت منهمفإن المسك بعض دم الغزال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

وكما قال في رثاء ابن سيف الدولة:

بنا منك فوق الرمل ما بك في الرملفهذا الذي يضني كذاك الذي يبلي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

ثم أردفه:

كأنك أبصرت الذي بي وخفتهإذا متّ فاخترت الحمام على الثكل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

وكما قال:

ليت المدائح تستوفي مناقبهفما كليبٌ وأهل الأعصر الأول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ثم أردفه بقوله:

خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت بهفي طلعة الشمس ما يغنيك عن زجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

وكما قال:

نلومك يا عليّ لغير ذنبٍلأنك قد زريت على العباد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

ثم يقول بعد ذا:

كأنّ الهام في الهيجا عيونٌوقد طبعت سيوفك من رقاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»
وقد صنعت الأسنّة من همومٍفما يخطرن إلا في فؤاد

وهذان البيتان وإن عدت سرقاتهما فما فيها ما له هذه الديباجة ولا فيه هذه الطلاوة.

وكما قال:

وشبه الشيء منجذبٌ إليهوأشبهنا بدنيانا الطّغام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فؤاد ما تسليه المدام»

ثم يردفه بقوله:

ولو لم يعل إلا ذو محلٍّتعالى الجيش وانحطّ القتام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فؤاد ما تسليه المدام»

وكما قال:

أذمّ إلى هذا الزمان أهيلهفأعلمهم فدمٌ وأحزمهم وغد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل فعالي بله أكثره مجد»

ثم يردفهما بقوله:

ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرىعدوّا له ما من صداقته بدّ
للشاعر عمر الأنسي، من قصيدة «فقدت شبابي وهو لي خير صاحب»

قيل إنه لما ادعى النبوة قيل له: ما معجزك؟ فقال: قولي ومن نكد الدنيا.. البيت وكما قال:

ستبكي شجوها فرسي ومهريصفائح دمعها ماء الجسوم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا غامرت في شرف مروم»

ثم يقول بعد هذا:

وكم من عائبٍ قولا صحيحاوآفته من الفهم السّقيم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا غامرت في شرف مروم»

وكما قال:

صحب الناس قبلنا ذا الزماناوعناهم من شأنه ما عنانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

ثم يقول:

وإذا لم يكن من الموت بدٌفمن العجز أن تكون جبانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

وكما قال:

نتاج رأيك في وقتٍ على عجلٍكلفظ حرفٍ وعاه سامعٌ فهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

ثم يقول:

صدمتهم بخميس أنت غرتهوسمهريّته في وجهه غمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»
فكان أثبت ما فيه جسومهميسقطن حولك والأرواح تنهزم

وكما قال:

وإنما يبلغ الإنسان طاقتهما كلّ ماشيةٍ بالرجل شملال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

ثم يقول:

ذكر الفتى عمره الثاني وحاجتهما قاته، وفضول العيش أشغال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا خيل عندك تهديها ولا مال»

وهذا البيت فيه ثلاثة أمثال.

وكما قال:

عجبت لمن له قدٌ وحدٌوينبو نبوة القصم الكهام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

ثم يقول:

ولم أر في عيوب الناس شيئاًكنقص القادرين على التمام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

وكما قال:

ذريني أنل ما لا ينال من العلافصعب العلا في الصعب والسهل في السهل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم يقول:

تريدين لقيان المعالي رخيصةًولا بدّ دون الشّهد من إبر النحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كدعواك كل يدعي صحة العقل»

وكما قال:

أبا شجاعٍ بفارسٍ عضد الدولة فنّاخسرو شهنشاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
أساميا لم تزده معرفةًوإنما لذةً ذكرناها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

فهذا يسير من كثير، وقليل من غزير. ولكن هذا القدر كاف في الدلالة على ماله من الجيد، فانظر إلى انحطاطه وارتفاعه. ولكن أين ارتفاعه. وهذان الرجلان قد سار ذكرهما وثبت أمرهما وأسكرت الألباب خمرهما.

وفي تعبٍ من يحسد الشمس ضوءهاويزعم أن يأتي لها بضريب

فالقاضي الفاضل ﵀ انفرد بالترسل، وانفرد المتنبي بالشعر مع مالهما من الانحطاط، ولكن انحطاط المتنبي أوضع وأشنع.

ولو أن الناس إذا رأوا جوادا بخل في وقت، أو شجاعا فر في وقت، أو صانعا ماهرا قصر في وقت، يرمونهم بالعيب ويطعنون عليهم ولا يعدون لهم إحسانا، لما كان في الوجود جواد ولا شجاع ولا صانع ماهر ولا خطيب بليغ ولا شاعر مجيد. وإنما العبرة بالأغلب والأكثر، والقليل معفو عنه، لأن العصمة لا تشترط إلا للمرسلين صلوات الله عليهم وسلامه.

وللمعري بيتان يفضل فيهما أبا الطيب على أبي تمام وهما:

ما حبيبٌ إلا أديبٌ ولكنما أراه يقارب المتنبي
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة
ذا المعاني الغرائب اللائي أسهرنجفوني دهرا وتيّمن قلبي
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

ولما فرغ أبو العلاء من تصنيف كتاب اللامع العزيزي في شرح ديوان أبي الطيب وقرىء عليه، أخذ الجماعة في وصفه. فقال: كأنما نظر المتنبي إلي بلحظ الغيب إذ يقول:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبيوأسمعت كلماتي من به صمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

وقيل: إن المعري كان إذا خلا ممن لا يثق إليه قال: ناولوني معجز أحمد، يعني ديوان أبي الطيب وإذا كان في غير الخلوة يقول: الشاعر.

وهذا شبيه بما يحكى عن أفلاطون من أنه كان إذا جلس للناس، واستدعي منه الكلام قال: اصبروا حتى يحضر الناس، أو ربما قال: حتى يحضر العقل. يريد أرسطو. وكان يسمي ديوان أبي تمام ذكرى حبيب ويسمي ديوان البحتري عبث الوليد. وهذا يحتمل المدح والذم. أما المدح فلأن عبث الوليد حلو على القلوب. وأما الذم فلأن العبث من حيث هو مذموم عند العقلاء.

ويسمي ديوان ابن هانىء المغربي رحى تطحن قرونا ولعمري إن أبا العلاء المعري ما أنصف ابن هانىء في هذه التسمية. أليس هو الذي يقول في القصيدة الرائية:

وجنيتم ثمر الوقائع يانعابالنصر من ورق الحديد الأخضر
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر»

ومنها

لا يأكل السرحان شلو طعينهممما عليه من القنا المتكسر
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر»

وبعض الناس يمغلط في هذا البيت ويقول: هو بالذم أشبه منه بالمدح، لأنه وصفهم بأنهم لكثرة ما يجتمعون على الواحد من أعدائهم، يكسرون القنا في الطعان عليه حتى يقتلوه، فيجتمع عليه من الرماح المكسرة ما يمنع السرحان من أكله وليس الأمر كذلك، لأن الطعين المراد به أنه من الممدوحين أنفسهم، والمعنى: أنه إذا مات منهم طعين لا يموت إلا بعد أن يجتمع عليه من الأعداء خلق كثير. فالطعين من الممدوحين لا من عدوهم وهذا في غاية المدح.

أليس له تلك القصيدة الفائية، وما فيها من تشبيه الكواكب حتى انتهى إلى ذكر السهى فقال:

كأنّ سهاها عاشقٌ بين عوّدٍفآونةً يبدو وآونة يخفى
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «أليلتنا إذ أرسلت واردا وحفا»

وهي مشهورة وكلها جيد.

أليس له القصيدة الدالية التي أولها:

إمسحوا عن ناظري كحل السّهادوانفضوا عن مضجعي شوك القتاد
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «إمسحوا عن ناظري كحل السهاد»
أو خذوا مني ما أبقيتملا أحب الجسم مسلوب الفؤاد
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «إمسحوا عن ناظري كحل السهاد»

ومنها في وصف الدروع:

كل رقراق الحواشي فوقهكعيونٍ من أفاعٍ أو جراد
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «إمسحوا عن ناظري كحل السهاد»
فعلى الأجساد وقدٌ من سناوعلى الماذيّ صبغٌ من جساد

أليس له الفائية الأخرى التي يقول فيها:

ولقد هززت غصونها بثمارهاوهصرتهنّ مهفهفا فمهفهفا
فرددتها من راحتيه مرّةًوشربتها من مقلتيه قرقفا
ما كان أفتكني لو اخترطت يديمن ناظريك على رقيبك مرهفا
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «قد سار بي هذا الزمان فأوجفا»

أليس له القصيدة الكافية التي أولها:

فتكات طرفك أم سيوف أبيكوكؤوس خمرك أم مراشف فيك
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «فتكات طرفك أم سيوف أبيك»
أجلاد مرهفةٍ وفتك محاجرٍلا أنت راحمةٌ ولا أهلوك
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «فتكات طرفك أم سيوف أبيك»

منها:

منعوك من سنة الكرى وسروا فلوعثروا بطيفٍ طارقٍ ظنّوك
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «فتكات طرفك أم سيوف أبيك»
ودعوك نشوى ما سقوك مدامةًلما تمايل عطفك اتّهموك
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «فتكات طرفك أم سيوف أبيك»

وله أشياء مليحة.

وأما تخلصاته فمن أحسن ما يكون ولكن المعري تحامل عليه. وأما أبو الطيب فمن سعادته أنه شرح ديوانه ما يقارب الأربعين فاضلا. منهم الواحدي وحسبك ومنهم الإمام فخر الدين، وللشيخ تاج الدين الكندي ﵀ حواش على ديوانه أحسن من حواشي الأصداغ في هوامش الوجنات، تشتمل على فوائد جمة وقواعد مهمة، من غريب لغة واعراب ومعنى ليس لها نظير. وقد سردت من شرح ديوانه في ترجمته في كتاب الوافي بالوفيات.

وقال الوزير المغربي في كتاب أدب الخواص وقد قال: المتنبي، وإخواننا المغاربة يقولون المتنبه.

قلت أنا: وهذا تحريف حسن من المغاربة، وما يليق أن يطلق عليه المتنبي. وكان الشيخ تاج الدين يروي لأبي الطيب بيتين يتصل سندهما به وليسا في ديوانه وهما:

أبعين مفتقرٍ إليك نظرتنيفأهنتني وقذفتني من حالق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعين مفتقر إليك نظرتني»
لست الملوم أنا الملوم لأننيأنزلت آمالي بغير الخالق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعين مفتقر إليك نظرتني»

وعلى الجملة فقد رزق أبو الطيب من السعادة في شعره ما لم يرزقه غيره. وممن عابه وحط عليه الصاحب بن عباد في كراريس لطيفة، ومنهم ابن وكيع في المنصف وقال ابن شرف القيرواني في أبكار الأفكار وهو أجور من سدوم. والوحيد المغربي حط عليه وعلى ابن جني حطا بالغا ومنهم الحاتمي في رسيلة لطيفة، ورسالة أخرى أملاها الحاتمي في معايبه، وهي مجلدة لطيفة، وله الموازنة بينه وبين أبي تمام وللجرجاني ﵀ كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، ما خلا فيها من التمالي عليه، ومنهم الناصح ابن الدهان في رسالة سماها الرسالة السعيدية في المآخذ الكندية.

وقال رسول الله ﷺ: لو كان الإنسان كالقدح، لقال الناس ولولا. وما لمن يعيب جيده جواب إلا ما قاله هو في وصف قصديته:

بذي الغباوة من انشادها صممكما تضر رياح الورد بالجعل

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نصرة الثائر على المثل السائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.